كانت آلة الإيقاع ”رولاند TR-808”، التي طُرحت عام 1980 بحجم يقارب حجم القاموس، تزن أحد عشر رطلا، ويبلغ سعرها ألفاً ومئتي دولار، وتمثل آنذاك طفرة تكنولوجية غير مسبوقةٍ.
فعلى الرغم من أن آلات الإيقاع كانت موجودة منذ عقودٍ، فإنها كانت تعتمد عادة على أصوات جاهزة (كالطبل والسنير والهاي-هات) لأداء إيقاعات جاهزة سلفا (فوكس تروت، وفالس، وبوسا نوفا).
أما الـ808 فكانت مختلفة؛ إذ احتوت على حاسوبٍ داخليٍّ أتاح للموسيقيين برمجة أصواتهم وأنماطهم الإيقاعية بأنفسهم، ثم ترتيبها في تسلسلاتٍ أطول تشبه بنية الأغاني وتُشغَّل تلقائيا.
عند طرحها في الأسواق، لم يعرف أحد تقريبا كيف يتعامل معها، وسرعان ما أُوقف إنتاجها.
لكن أسعارها هبطت في سوق المستعمل بنحو تسعين في المئة، فبدأ الموسيقيون يشترونها ويخوضون تجاربهم الخاصة بها.
وسرعان ما أسهمت هذه الآلات في صناعة عدد لا يُحصى من الأغاني الناجحة (من بينها ”Sexual Healing” لمارفن جاي و»I Wanna Dance with Somebody» لويتني هيوستن)، وبدأ تأثيرها في الموسيقى الشعبية يضاهي تأثير الجيتار الكهربائي.
اكتشف الفنانون أنهم يستطيعون باستخدام الـ808 بناء المقطوعات بأنفسهم، متتبعين رؤاهم الفردية من دون حاجةٍ إلى تعاونٍ أو تنازلاتٍ.
واستثمروا أصواتها الاصطناعية الواضحة ومنطقها القائم على الأنماط لابتكار أنواع موسيقية جديدة ومميزة مثل الإلكترو والدانس والهيب هوب.
ويكاد صوت الـ808 يكون حاضرا اليوم في كل مكان، ويسهل التعرُّف إليه فورا.
وربما ما لا يبدو واضحا بالقدر نفسه هو أن البُنى التأليفية التي أرستها هذه الآلة وسلالاتها أصبحت واسعة الانتشار أيضا.
ويكاد صوت الـ808 يكون حاضرا اليوم في كل مكان، ويسهل التعرُّف إليه فورا.
وربما ما لا يبدو واضحا بالقدر نفسه هو أن البُنى التأليفية التي أرستها هذه الآلة وسلالاتها أصبحت واسعة الانتشار أيضا.
فكثير من الأغاني تُكتب الآن على الحواسيب باستخدام المُسلسِلات والأنماط والحلقات الصوتية، حيث تُرتَّب النغمات بدقةٍ تامَّةٍ على شبكةٍ إيقاعية منتظمة ذات ميزان 4/4.
وغالبا ما يحدد تصميم الصوت، أي الطابع النغمي الخاص بضربة الباص أو بتموُّج السينث، هوية العمل الموسيقي.
وعلى نحو أعم، لم يعد الموسيقيون مقيَّدين بحدودٍ صارمة؛ فلكي يصنعوا أغاني مدهشة، لا يحتاجون بالضرورة إلى إتقان النظريات الموسيقية، أو حتى امتلاك آلات تقليدية.
باستخدام المُركِّبات الصوتية والعينات، يمكنهم تعديل المفاتيح لنقل المقامات، أو اختيار أوركسترا سيمفونية كاملة من قائمة منسدلة، بل إنهم قادرون على ابتكار أصوات لم تُنتجها أي آلةٍ على وجه الأرض من قبل، والجمهور مستعد لمرافقتهم إلى عوالم سمعية جديدة.
لم تختفِ الآلات التقليدية فما زلنا نصغي إلى الجيتار الصوتي، لكنها باتت جزءا من مشهد أوسع بكثير تشكِّله الأصوات المُركَّبة.
لنفترض أن مسار الذكاء الاصطناعي الفني سيسير على نحوٍ يشبه إلى حدٍّ ما قصة آلة الإيقاع، فأين نقف اليوم ضمن هذا المسار؟ ربما نكون في عام 1983، العام الذي طُرح فيه الطراز اللاحق لـ808 وهو 909.
(ولملاحظة الفارق يمكن مقارنة ”Sexual Healing” لمارفن جاي بـ”Vogue” لمادونا).
كانت الموسيقى الإلكترونية آنذاك ما تزال حديثة العهد، وتعرَّضت لانتقادات شتَّى.
قيل إن الآلات الإلكترونية المبرمجة لا تتطلب مهارة موسيقية ولا موهبة، وإن صوتها ثقيل ميكانيكي يفتقر إلى التعبير.
(وبالنسبة إلى بعض الموسيقيين، كان ذلك مقصودا).
وقيل إن الموسيقى المصنوعة بالآلات تخلو من روح العفوية التي تنشأ حين يعزف بشرٌ متحمسون معا في غرفة واحدة.
(لكن هذه الموضوعية كانت مرغوبة لدى آخرين).
وأُثيرت مخاوف من أن تؤدي الموسيقى الإلكترونية إلى فقدان الموسيقيين وظائفهم.
(وقد اعتصم الاتحاد الأمريكي للموسيقيين، الذي كان قد عارض الموسيقى المسجَّلة في ثلاثينيات القرن الماضي، ضد دون لويس، المهندس الذي أسهم في تطوير الـ808، أثناء أدائه).
وأصرَّ منتجون مرموقون على أن آلات الإيقاع قد تفيد في مرحلة كتابة الأغاني، لكنها ينبغي أن لا تظهر في التسجيلات النهائية.
وكثير من المستمعين شعروا، على مستوى عميق، بأن الموسيقى الإلكترونية خاطئة في جوهرها، شكل من الخداع والغش، وتدمير للموسيقى نفسها.
كانت هذه الهواجس كلها مفهومة.
لكنها تضاءلت أمام قوى الانتشار والديمقراطية الإبداعية والذوق العام.
فقد تبيَّن أن الآلات الإلكترونية أدخلت أعدادا كبيرة من الناس إلى عالم صناعة الموسيقى، وأن هؤلاء استخدموها بطرقٍ ذكية وممتعة ومؤثرة، وأن الجمهور أحبَّ ما سمعه.
ولم يكن ثمة جدال ممكن مع أغنيات مثل ”It’s Tricky” و”Planet Rock” أو ”Born Slippy” و”Nothing Compares 2 U”.
وهكذا، إذا صحَّ القياس، فسيغدو من غير المقنع قريبا القول إن الفن المصنوع بمساعدة الذكاء الاصطناعي زائف أو رديء بالضرورة.
فالأدوات في حدِّ ذاتها لا تحسم ما يُعدُّ فنّا؛ وإنما يتوقف ذلك على كيفية استخدامها.
غير أن الخطوط المتوازية قد تفترق دائما؛ وربما نخلص إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس أداة عادية، وأنه لا مكان له في حياتنا الفنية.
لعل هذا هو الدرس الذي توحي به رواية الرعب ”Shy Girl”، التي كُشف مؤخرا أن أجزاء منها على الأقل وُلِّدت باستخدام الذكاء الاصطناعي.
الرواية، التي تتبع شابة احتجزها ”راعيها الثري” بوصفها حيوانا أليفا، نُشرت ذاتيا أولا، ثم لاقت رواجا ملحوظا عبر الإنترنت، قبل أن تستحوذ عليها دار النشر ”هاشيت”.
بدأ قُرَّاء يلاحظون، قبل بضعة أشهر، أن نثرها يبدو مُصطنعا؛ إذ رأوا أنه مثقل بفيضٍ لا ينتهي من الصفات والاستعارات، وأن إيقاعه ونبرته رتيبان على نحو يذكِّر بنصوص روبوتات المحادثة.
قامت شركة ”بانغرام”، المتخصصة في كشف النصوص المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، بتحليل ”Shy Girl” وأعلنت أن 78 في المئة منها مُنتَج آليا.
أما مؤلفتها ميا بالارد، فأشارت إلى احتمال أن يكون محرر مستقل سلمته المخطوطة قد مرَّر النص عبر نظام ذكاء اصطناعي من دون علمها.
وفي نهاية المطاف، ألغت ”هاشيت” نشر الرواية.
وأنت تقرأ كل ذلك، قد تتخيَّل قصة بوليسية يُكشف فيها الطابع الاصطناعي لرواية ”Shy Girl” تدريجيا على أيدي محققين رقميين بارعين، لكن الحقيقة أن الرواية تبدو كأنها مكتوبة بالذكاء الاصطناعي منذ سطورها الأولى: أرتدي فستانا ورديا، من ذلك النوع الذي يوحي بالنعومة ولا يمنحها.
قماش التول فيه هش وقاس، يحتكُّ بفروتي كألف سنٍّ صغيرة، كعاشقٍ قاسٍ يعضُّ مع كل حركةٍ.
كل خدش يثبتني في مكاني، تذكيرا بما أنا عليه: حيوان أليف، شيء صيغ للنظر إليه، للثناء عليه، لتلقِّي الأوامر.
إذا كانت أذنك معتادة نبرات وإيقاعات نصوص الذكاء الاصطناعي، فستلتقطها هنا على الفور تقريبا.
قد تبدو لك ”Shy Girl” نصا آليا.
كأن مؤلفتها لم تُبرمج أنماطها الخاصة، وتركتنا نصغي إلى إيقاعات السامبا والتشا تشا الجاهزة في الآلة.
بالنسبة إلى كثيرين، هذا هو الاعتراض الأوضح على استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الرواية: إنه ببساطة لا يبدو جيدا.
ومع ذلك، فقيمة الرواية لا تختزل في أسلوبها اللغوي وحده.
تحظى ”Shy Girl” على موقع أمازون، بتقييم أربع نجوم من خمس، استنادا إلى مئات المراجعات.
فكثير من القُرَّاء يشيدون بفكرتها وطرحها وهي عناصر يُعقل أن نفترض أن قرارا بشريا قد صاغها.
(تشير إحدى المراجعات إلى معرفة صاحبها بالجدل المحيط بالرواية، لكنه أحبَّها رغم ذلك: ”الفكرة شدَّتني”).
والواقع الأشمل أن كثيرا من الروايات مكتوبة بأسلوبٍ ضعيف.
ومع ذلك يمكن أن تنجح لدى القُرَّاء، لأن السرد الأدبي، مثل الموسيقى، فنٌّ متسامح.
فكما يمكن لأغنيةٍ جيدة أن تمتلك إيقاعا جذابا ولحنا متوقَّعا، يمكن للعمل الروائي أن ينجح في جوانبٍ ويخفق في أخرى.
يكفي أحيانا نجاح جزئي، ما دام القارئ يجد فيه ما يمسُّه، تشويقا، أو جمالا، أو واقعية، أو خيالا، أو حتى مجرد بطل يتعاطف معه ويرى فيه شيئا من نفسه.
إذا كان تأليف الرواية عملية متعددة الطبقات، بحيث يمكن، إلى حدٍّ ما، الفصل بين الفكرة والحبكة والأسلوب وغيرها، فهل ينبغي أن ينجز شخص واحد كل هذه الطبقات؟إذا كان تأليف الرواية عملية متعددة الطبقات، بحيث يمكن، إلى حدٍّ ما، الفصل بين الفكرة والحبكة والأسلوب وغيرها، فهل ينبغي أن ينجز شخص واحد كل هذه الطبقات؟ لقد أجاب كُتَّاب محترفون في مجالاتٍ مختلفة عن هذا السؤال عمليا؛ فكثيرا ما يعملون ضمن فرق ومجموعات.
جيمس باترسون، الذي ينتج كتابا واحدا من كل سبعة عشر كتابا بغلافٍ مقوَّى يُباع في الولايات المتحدة الأمريكية، يفعل ذلك عبر تزويد متعاونين معه بمخططات ومعالجات تفصيلية، مشرفا على منظومة إنتاج وصفها البعض بأنها ”مصنع للروايات”.
(قد يشرف في الوقت نفسه على ثلاثين مشروعا، وينشر خمسة عشر كتابا سنويا).
هذه الممارسة تُخرجه تماما من دائرة الأدب الروائي الرفيع؛ بل إن بعضهم قد يتساءل عمَّا إذا كان باترسون كاتبا حقا.
غير أن توقُّعاتنا تختلف باختلاف السياق، وفق تفاهمات ضمنية نادرا ما نُصرِّح بها.
فعند قراءة رواية فازت بجائزة بوكر، نتوقع أن يكون المؤلف قد كتب كل كلمةٍ فيها؛ أما عند قراءة عمل صحافي فنفترض أن للكاتب والمحرر معا دورا في صياغته.
وغالبا ما نمتدح المنتجين المنفذين في مسلسلات الدراما الرفيعة، مع أنهم يعتمدون على فرق من الكُتَّاب لكتابة الحلقات.
وعندما يفوز كاتب سيناريو بجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي فإن كلمة أصلي تعني فقط أن النص ليس مقتبسا؛ وقد يكون كثيرون، بأسمائهم أو من دون ذكرهم، قد أسهموا في صيغته النهائية.
ربما نكون أكثر تقبُّلا للتعاون في الكتابة حين يكون جزءا من مشروع أكبر، كالفيلم، وهو بطبيعته عمل جماعي.
لكن ماذا لو كان المشروع الأكبر هو مواصلة سلسلة ”أليكس كروس” لباترسون، المستمرة منذ عام 1993؟ لا يمكن لشخصٍ واحد أن يكتب هذا العدد من الكتب، فلا بدَّ من مصنع.
يبدو من الحتمي أن يستخدم الكُتَّاب الذكاء الاصطناعي لتأسيس مصانعهم الخاصة.
ففي فبراير/شباط، أجرت ألكسندرا ألتر في صحيفة ”نيويورك تايمز” مقابلة مع كورال هارت، وهو اسم مستعار لكاتبة روايات رومانسية استخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي لكتابة مئات الروايات بسرعة، نشرتها ذاتيا على أمازون تحت عشرات الأسماء.
ما إن تُطلق هارت نظامها بعد إدخال التعليمات، حتى ينتج خلال خمسٍ وأربعين دقيقة مسوَّدة جاهزة للمراجعة البشرية (مثل قصة ”مزارع يقع في حب فتاة مدينية تهرب من ماضيها”)، ورغم أن أيا من رواياتها لم يتحوَّل إلى عملٍ واسع الانتشار، فإنها تجني دخلا من ستة أرقام بهذه الطريقة، حسب ألتر، كما تقدم دورات إلكترونية للراغبين في كتابة الروايات الرومانسية بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
المستقبل الذي توحي به هذه القصة هو مستقبل إنتاج روائي منزوع الطابع الشخصي، على نطاق صناعي، حيث يتحول المؤلفون إلى مشرفين يديرون غرف كُتَّاب تعمل بالذكاء الاصطناعي.
ومن المخاطر الواضحة أن قرَّاء هذا النوع من الروايات قد لا يعرفون بالضرورة، من أو ما شارك في إنتاج ما يقرؤونه، مما يقوض التفاهمات الضمنية التي يعتمدون عليها.
(تطلب أمازون من هارت الإفصاح عن استخدامها للذكاء الاصطناعي؛ وهي لا تفعل ذلك دائما).
لكن هل الإنتاج الكثيف هو الخيار الوحيد الذي يتيحه الذكاء الاصطناعي؟ يعتمد الكثير على أهدافك ومنظورك.
أنا موسيقي هاوٍ إلى أقصى حد، وقد وجدت بلا شك أن التكنولوجيا زادت إنتاجيتي.
وأنا جالس أمام حاسوبي، وبيدي لوحة مفاتيح ”ميدي” صغيرة من أوكتافين، أستطيع أن أندفع عبر مراحل التأليف بسرعة؛ يمكنني أن أغمر سبوتيفاي بمقطوعتين جديدتين يوميا، وأن أكتب ألبوما كاملا في أسبوع، لكن هذا ليس ما أفعله، بل أستخدم التكنولوجيا الموسيقية لأصل إلى ما أطمح إليه.
لا يمكنني بحال من أن أؤدي أغنياتي أمام جمهور فأنا أكاد أعزف بضعة مقاطع على البيانو من دون خطأ لكن هذا ليس هدفي أصلا.
كل ما أريده هو أن أستمع بصوتٍ مسموع إلى ما يدور في رأسي، وبصياغةٍ طموحٍ بعض الشيء أريد أن أحقّق رؤية.
ومن المرجَّح أن كثيرا من الكُتَّاب الطامحين يريدون الشيء نفسه.
فلديهم أفكار ويتوقون إلى تجسيدها، لكنهم يعجزون عن ذلك بمفردهم؛ ويحتاجون إلى دفعاتٍ صغيرة، وإلى أدوات مساعدة وقوالب ومسودات أولى.
ومن المرجَّح أن كثيرا من الكُتَّاب الطامحين يريدون الشيء نفسه.
فلديهم أفكار ويتوقون إلى تجسيدها، لكنهم يعجزون عن ذلك بمفردهم؛ ويحتاجون إلى دفعاتٍ صغيرة، وإلى أدوات مساعدة وقوالب ومسودات أولى.
وكلما انتقل الفنانون من طور الهواية إلى الاحتراف، ازداد توقعنا أن يعكس عملهم قدراتهم الحقيقية.
لكن ما المقصود بالحقيقي أصلا؟ عبر شركة البرمجيات الصوتية ”سبيتفاير”، يقدِّم المؤلف الموسيقي الآيسلندي الحائز جوائز أولافور أرنالدس أداة تُسمَّى ”Cells”، تُنصت إلى ما تعزفه فتنسج حوله سحابة أوركسترالية متلألئة، تتسم، كما يُقال، بـ”حركة هارمونية تتبع المقام الذي يختاره المؤلف”.
هناك أدوات كثيرة مشابهة تعمل خلف الكواليس، تساعد الموسيقيين المحترفين على الانتقال من أفكار مرتجلة إلى مؤلفات مكتملة.
الأوتار المتحولة التي تُنتجها ”Cells” مدهشة السمع؛ وربما صادفت شيئا شبيها بها في قاعة سينما.
هذا ليس ذكاء اصطناعيا لكنه يكاد يكون كذلك.
فهل دمِّر جوهر الموسيقى؟قد نرى أن الكتابة مختلفة، وهذا رأي مفهوم، وأنا أميل إليه.
أكتب لكسب عيشي، ما يعني أنني مولع بفكرة الكتابة وبممارستها بنفسي، من دون ذكاء اصطناعي.
لديَّ تصور رفيع عمَّا تكون عليه الكتابة الجيدة.
حين يسألني الناس عمَّا أفعله، أقول إنني صحافي؛ لا أحب استخدام كلمة كاتب لأنني لا أشعر بأنني أستحقها.
لقد أمضيت حياتي أعمل لاكتساب المهارات التي أمتلكها، وأعدُّ نفسي بارعا في معالجة المشكلات التقنية التي تربك عادة الكُتَّاب الأقل خبرة.
لكن المستويات الأعلى، الأكثر إلهاما في الكتابة، جوانبها التخيلية والفنية والمفعمة بالإلهام، تبدو لي بعيدة المنال بعض الشيء.
فاحترامي للحرفة جزء من رؤية أوسع.
ففي العشرينيات من عمري، التحقت بالدراسات العليا في الأدب الإنكليزي.
كان أساتذتي هناك قُرَّاء بارعين في التحليل الدقيق للنصوص، فبعضهم، مثل ناقدة الشعر هيلين فندلر (1933 ـ 2024)، تبلور مسارهم مع صعود النقد الجديد، المدرسة النقدية التي سادت في أربعينيات القرن العشرين، ورأت أن أفضل طريقة للقراءة هي تمحيص كل كلمة وعلامة ترقيم، والتساؤل عمَّا تؤديه من وظيفة.
الأستاذ الذي ترك فيَّ الأثر الأكبر، فيليب فيشر، كان يدرِّسنا الروايات الكلاسيكية مثل ”كبرياء وتحامل” و”الإخوة كارامازوف”، ويجيد تحليل بنيتها الداخلية بدقة.
كان قادرا على شرح كيفية تقابل المشاهد بعضها مع بعض على نحوٍ كونترابونتي، وكيف تتشابك خيوط الحبكة ومستويات اللغة ثم تفترق لتولِّد المعنى.
وقد بدأ الذكاء الاصطناعي يخترق السور المحيط بالكتابة، لم تعد تلك البساطة أمرا يمكن التسليم به.
غير أن مزايا الأسلوب التقليدي، التي كانت تُعدُّ بديهية، صارت اليوم أكثر ظهورا.
لم يكن الأمر مقتصرا على الأفكار وحدها، فقد كانت في الجامعة مكتبة للكتب النادرة.
وأثناء تدريسي ”عوليس”، عرضت على طلابي بروفات الطباعة التي وضع عليها جويس ملاحظاته بخط يده؛ وكان بإمكانهم أن يروا الموضع الذي أضاف فيه، في الهامش، كلمة ”نعم” ثانية إلى ختام مناجاة مولي بلوم.
وفي مساقٍ آخر، تأملنا مجموعة من الكتيبات الصغيرة المصنوعة يدويا، التي دوَّنت فيها شارلوت برونتي وأخوها برانويل، وهما طفلان، قصائدهما وحكاياتهما.
كانت هذه الشواهد المادية تؤكد أن الكتابة مشروع يمتد على مدى الحياة، بل أسلوب حياة أيضا.
فهي من أسمى ما يمكن أن تُكرَّس له طاقة العقل.
كان من السهل، خصوصا في ذلك المناخ، أن نتعامل مع تصور معين للكتابة باعتباره أمرا بديهيا.
كنت أعلم أنه مهما تكن ماهية فعل الكتابة صعبا، غامضا، مهما، بل غير مستقر بطرق ما بعد حداثية، فإنه أيضا مباشر وواضح لا لبس فيه.
في فنون أخرى، كان دور المبدع أكثر تعقيدا، ومكانة العمل الفني أكثر سيولة.
في الموسيقى كان هناك براين إينو؛ في الرسم آندي وارهول؛ في النحت آندي جولدزورثي؛ في السينما فيرنر هرتسوج.
كانت مارينا أبراموفيتش تعتمد على مشاركة الجمهور في فن الأداء.
وجيف كونز كان فنانا- مديرا تنفيذيا يدير خط إنتاج.
بطرقٍ شتى، كان الفنانون يستخدمون التكنولوجيا لتوسيع ذواتهم، وتغيير علاقتهم بأعمالهم، لكنني كنت أظن أن الكلمة المكتوبة معفاة إلى حدٍّ كبير من كل ذلك.
صحيح أن هناك أدبا تجريبيا يُعاد فيه تشكيل دور المؤلف، وأن مفهوم التأليف في الأدب الشعبي قد يكون مرنا؛ إلا أن الكتابة الحقيقية الأدبية منها ظلَّت بسيطة.
الآن، وقد بدأ الذكاء الاصطناعي يخترق السور المحيط بالكتابة، لم تعد تلك البساطة أمرا يمكن التسليم به.
غير أن مزايا الأسلوب التقليدي، التي كانت تُعدُّ بديهية، صارت اليوم أكثر ظهورا.
في عالم تُنقَّى فيه الأصوات بالـ ”أوتوتيون” أو تُركَّب بالذكاء الاصطناعي، يكتسب الكمال والنقصان معاني جديدة، العيوب البشرية التي تسويها التكنولوجيا وتُملِّسها تغدو كاملة بطريقتها الخاصة، فيما قد تبدو الأسطح المصقولة التي تصنعها التقنية ملساء حد الفراغ.
قال توماس بانجالتر، من فرقة ”دافت بانك” لمجلة ”وايت وول” عام 2009: ”علاقتنا بالتكنولوجيا ملتبسة للغاية؛ فهي علاقة حب وكراهية قوية”.
وأضاف: ”لم يعد هناك حد مع التكنولوجيا”.
لكنه أردف قائلا: ”أي سلوكٍ إنسانيٍّ لا بد أن يُوضع في مواجهة نوع من الإحباط”.
فالتقنيات التي توسِّع العملية الإبداعية قد تهدد أيضا بقصرها أو الالتفاف عليها.
وخلص بانجالتر إلى أن الفنان ينبغي أن يتعلَّم الضبط، أي أن يضع حدوده بنفسه.
* ناقد أدبي أمريكي ** كاتبة مصرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك