يشهد قطاع الشحن والتأمين البحري تداعيات واسعة النطاق بعد الحرب التي دارت في منطقة إيران ومحيط مضيق هرمز، حيث بدأت آثار النزاع تنعكس مباشرةً على حركة التجارة العالمية وأسواق التأمين والنقل البحري، وسط تقديرات بخسائر محتملة ضخمة وارتفاع غير مسبوق في تكاليف الشحن.
فقد كشفت مجموعة أليانز (Allianz) في تقريرها السنوي للسلامة والشحن أن قطاع التأمين البحري يستعد لموجة كبيرة من المطالبات المرتبطة بسفن تضررت خلال الحرب، مشيرة إلى أنها تلقت بالفعل عدداً من المطالبات التي تشمل في بعض الحالات خسائر كلية لسفن تجارية، وفق ما أوردت بلومبيرغ الأربعاء.
لكن الشركة لم تحدد القيمة الإجمالية المتوقعة لهذه الخسائر، وإنما قدرت أن سفناً يصل عددها إلى 1150 سفينة وحمولات بحرية تصل قيمتها إلى نحو 125 مليار دولار كانت عالقة في منطقة الخليج حتى منتصف يونيو/ حزيران الجاري.
وتشير هذه الأرقام إلى حجم التعطيل الذي أصاب واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم بسبب الحرب، حيث تمر عبر مضيق هرمز نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية.
وأدت المخاطر المتزايدة خلال الحرب، بما في ذلك الهجمات المباشرة على سفن تجارية بواسطة طائرات مسيّرة وصواريخ، إلى دفع أقساط التأمين ضد أخطار الحرب إلى مستويات قياسية.
وبحسب التقرير، ارتفعت كلفة التأمين على السفن في بعض الحالات إلى أكثر من مليون دولار للرحلة الواحدة لعبور المضيق أو الخروج منه، وهو ما يعكس حجم المخاطر التي باتت تواجه شركات النقل البحري.
غير أن هذه الإيرادات المرتفعة لشركات التأمين لم تكن مستقرة، إذ تتعرض لضغوط كبيرة عند ارتفاع وتيرة الحوادث أو تراجع حركة الملاحة.
ونقلت بلومبيرغ عن رئيس قسم المطالبات البحرية العالمية في أليانز كوميرشيال، ريجيس برودان، أن الخسائر البشرية والأضرار المادية للسفن وحمولاتها تشكل حتى الآن السبب الرئيسي للمطالبات، في إشارة إلى حجم الأثر المباشر للنزاع على أسطول النقل.
ووفق التقرير، طاولت الأضرار سفناً متنوعة تشمل بواخر الحاويات وناقلات البضائع السائبة وناقلات النفط، بعد تعرّض بعضها لهجمات مباشرة.
وبالتوازي مع أزمة التأمين، شهد سوق الشحن النفطي قفزة غير مسبوقة في أسعار النقل من الخليج، بما يعكس اختلال التوازن بين العرض والطلب على السفن المتاحة.
فقد أفادت تقارير ملاحية أن إحدى ناقلات النفط العملاقة (VLCC) حُجزَت لنقل شحنة من الخليج إلى الهند بسعر يعادل 897% من معدل الشحن القياسي العالمي (Worldscale)، في واحد من أعلى المستويات المسجلة هذا العام، كما أفادت بلومبيرغ في تقرير مستقل.
ويعني هذا الرقم أن تكلفة استئجار السفينة تجاوزت المعدل المرجعي بنحو تسعة أضعاف تقريباً، وهو ما يعكس شحّاً حاداً في عدد السفن الجاهزة للعمل في المنطقة.
وقد جرى تأمين السفينة من قبل شركة الشحن الكورية الجنوبية سينوكور (Sinokor) التي أصبحت من اللاعبين النشطين في سوق ناقلات النفط بالخليج خلال الحرب.
وتقوم آلية" وورلد سكايل" على تحديد أسعار معيارية سنوية لطرق الشحن الرئيسية، مثل الخليج إلى سنغافورة أو الصين، ثم يجري تسعير العقود كنسبة مئوية من هذا المعيار.
ووفق وسطاء الشحن، فإن الصفقة الأخيرة بُنيت على مسار الخليج إلى سنغافورة، ما يجعل الارتفاع الحاد في السعر مؤشراً واضحاً على الضغط الكبير الذي يعانيه السوق.
ويعود هذا الارتفاع إلى عدة عوامل مترابطة، أبرزها انكماش عدد السفن المتاحة بعد أن قام العديد من ملاك الناقلات بتحويل أساطيلهم إلى مسارات أخرى خلال فترة إغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى نقص حاد في المعروض من السفن القادرة على العودة السريعة إلى الخليج.
كذلك تحتاج بعض السفن إلى أسابيع للعودة إلى المنطقة، ما يفاقم أزمة الإمداد.
وفي موازاة ذلك، تشير التقارير إلى أن المستوردين في آسيا، وخصوصاً الهند، يتسابقون لتأمين شحنات النفط العالقة منذ بداية الحرب، فيما تسعى دول الخليج لزيادة صادراتها بسرعة بعد إعادة فتح الممرات البحرية تدريجاً.
وهذا التداخل بين ارتفاع المخاطر الأمنية ونقص السفن المتاحة خلق بيئة غير مستقرة دفعت أسعار الشحن إلى مستويات قياسية، ورفعت كذلك أقساط التأمين ضد أخطار الحرب، فيما لا تزال التوترات الجيوسياسية تلقي بظلالها على أحد أهم الممرات النفطية في العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك