يشهد الشرق الأوسط لحظة تحمل فرصة حقيقية لفتح صفحة أكثر هدوءًا واستقرارًا؛ فقد تراجعت حدة بعض المواجهات، واستعادت قنوات الاتصال والدبلوماسية حضورها، وبدأت تتسع مساحة الحلول السياسية بعد فترات طويلة من التصعيد.
ورغم بقاء عدد من التحديات، فإن هذه التحولات تؤكد أن العودة من حافة الحرب ممكنة، وأن التهدئة يمكن أن تصبح بداية لسلام أكثر رسوخًا متى استندت إلى تسوية عادلة، وإرادة سياسية جادة، واحترام واضح لقواعد القانون الدولي.
وفي هذه اللحظة، يبرز موقف الدولة المصرية بوصفه موقفًا متماسكًا لا يقوم على الدعوة العامة إلى التهدئة فحسب، وإنما يستند إلى قواعد واضحة في القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
فالدولة المصرية تدعو إلى وقف الحروب لأن ميثاق الأمم المتحدة يجعل حفظ السلم مقصدًا أصيلًا، وتدافع عن سيادة الدول لأن النظام الدولي يقوم على المساواة بينها، وترفض استهداف المدنيين وتهجيرهم لأن قواعد الحرب تحمي الإنسان حتى في أشد لحظات النزاع قسوة.
ومن هنا تتكامل مواقف الدولة المصرية في مختلف أزمات المنطقة ضمن رؤية واحدة.
ففي غزة تدافع عن المدنيين وحقوق الشعب الفلسطيني، وفي السودان تتمسك بوحدة الدولة ومؤسساتها، وفي مواجهة الاعتداءات تؤكد أن أمن الدول العربية لا يتجزأ، وفي البحر الأحمر تحمي حرية الملاحة واستقرار التجارة الدولية.
ويجمع بين هذه المواقف مبدأ واضح: حماية الإنسان تحتاج إلى دولة مستقرة، واستقرار الدول لا يستقيم من دون احترام القانون، ولا يمكن بناء سلام حقيقي على العدوان أو التهجير أو فرض الأمر الواقع بالقوة.
الدستور أساس الرؤية المصريةينطلق هذا الموقف من بناء دستوري واضح.
فقد نصت المادة الأولى من الدستور المصري على أن: " جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شيء منها، نظامها جمهوري ديمقراطي، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون.
"ولا تقف دلالة هذا النص عند الشأن الداخلي؛ فهو يعبر عن فهم مصري راسخ لقيمة السيادة ووحدة الأراضي واستقلال القرار الوطني.
ولذلك تتمسك الدولة المصرية بالمبادئ ذاتها في علاقاتها الخارجية، وترفض الاعتداء على سيادة الدول العربية أو التدخل في شؤونها أو إضعاف مؤسساتها الوطنية.
كما تنص المادة 93 من الدستور على أن: " تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا للأوضاع المقررة.
"ويكشف الجمع بين المادتين عن المعادلة التي تحكم الموقف المصري: الدولة والإنسان لا يتعارضان.
فالدولة الوطنية هي الإطار الذي تُحمى داخله الحقوق، وتُطبق القوانين، وتُقدم الخدمات، بينما تظل كرامة الإنسان وحياته أساسًا لشرعية السلطة وغاية من غايات القانون.
ولهذا لا تستخدم الدولة المصرية فكرة السيادة لتبرير الاعتداء على المدنيين، كما لا تقبل استخدام الخطاب الإنساني مدخلًا لتفكيك الدول أو إسقاط مؤسساتها.
وهي رؤية متوازنة تتفق مع جوهر القانون الدولي، الذي يحمي الدولة من العدوان، ويحمي الإنسان من آثار الحرب في الوقت نفسه.
من ميثاق الأمم المتحدة إلى الموقف المصرييقوم ميثاق الأمم المتحدة على مبادئ مُحددة، في مقدمتها المساواة في السيادة بين الدول، وحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي، ووجوب تسوية المنازعات بالوسائل السلمية.
وتقضي الفقرة الثالثة من المادة الثانية من الميثاق بأن يفض أعضاء المنظمة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية، على نحو لا يعرض السلم والأمن الدوليين والعدل للخطر.
كما تحظر الفقرة الرابعة من المادة ذاتها التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي.
وتحدد المادة 33 وسائل التسوية السلمية، ومنها التفاوض، والوساطة، والتوفيق، والتحكيم، والتسوية القضائية، واللجوء إلى التنظيمات الإقليمية.
وهذه الأدوات ليست بدائل ضعيفة عن القوة، بل هي الوسائل التي اختارها النظام الدولي لمنع الخلاف من التحول إلى حرب.
ومن هنا يستند موقف الدولة المصرية الداعي إلى خفض التصعيد وفتح قنوات التفاوض إلى نصوص الميثاق ذاتها.
فعندما تعمل الدولة المصرية على وقف القتال، أو تقريب وجهات النظر، أو منع اتساع المواجهة، فإنها تمارس دورًا يتفق مع وظيفة الوساطة والمساعي الحميدة في القانون الدولي.
كما أن دعوتها إلى حماية التهدئة والالتزام بما يتم التوصل إليه ترتبط بمبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات الدولية.
فالتفاهمات لا تُقاس بقيمتها عند إعلانها، بل بمدى احترامها في الميدان، والامتناع عن الأعمال التي تقوضها، والاستمرار في معالجة أسباب النزاع.
ولا يعني وقف القتال إسقاط المسؤولية عما وقع من انتهاكات، كما لا يعني التفاوض المساواة بين المعتدي ومن وقع عليه الاعتداء.
لكنه يمنع سقوط مزيد من الضحايا، ويتيح التحقيق والمساءلة وجبر الضرر، ويحول دون أن يصبح الرد على الانتهاك سببًا في حرب أشمل.
وهذا هو جوهر الموقف المصري: إدانة الاعتداء، والتضامن مع الدول العربية، والتمسك في الوقت نفسه بمنع التصعيد المفتوح.
فلا تعارض بين حماية الحق وحماية السلم، بل إن القانون الدولي يجمع بينهما.
غزة والالتزام بالقانون الدولي الإنسانيتمثل غزة اختبارًا حقيقيًا لمدى احترام المجتمع الدولي للقانون الدولي الإنساني؛ فهذا القانون لا يسمح بأن تتحول الحرب، مهما كانت أسبابها أو شدتها، إلى ساحة بلا ضوابط.
ومنذ بدء الأعمال العدائية، تظل جميع الأطراف ملزمة بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين، وحظر الهجمات العشوائية، واحترام مبدأ التناسب، واتخاذ الاحتياطات الممكنة للحد من الضرر الواقع على السكان والأعيان المدنية.
كما تتمتع المستشفيات والمنشآت الطبية وطواقم الإغاثة بحماية خاصة، ويحظر تجويع المدنيين أو حرمانهم من المواد الضرورية لبقائهم.
فالحرب لا تعطل القانون، بل تجعل الالتزام به أكثر إلحاحًا.
ومن هذا الأساس القانوني تحركت الدولة المصرية.
فمطالبتها بوقف إطلاق النار ليست مجرد دعوة سياسية، بل تستهدف وقف الانتهاكات المتكررة لقواعد حماية المدنيين.
وحرصها على إدخال المساعدات لا يمثل عملًا خيريًا فقط، وإنما يتفق مع واجب السماح بمرور الإغاثة الإنسانية وتيسير وصولها إلى المحتاجين.
أما رفض الدولة المصرية للتهجير القسري، فيستند إلى أصل قانوني واضح؛ فالقانون الدولي الإنساني يحظر نقل السكان أو ترحيلهم قسرًا، كما يحمي حق المدنيين في البقاء على أرضهم.
ولذلك ربطت الدولة المصرية بين حماية الفلسطيني وبين حماية الأرض التي يعيش عليها، ورفضت أن تتحول الكارثة الإنسانية إلى وسيلة لفرض واقع جغرافي أو ديمغرافي جديد.
كما تمسكت الدولة المصرية بأن المساعدات لا يمكن أن تكون بديلًا عن وقف الحرب، وأن وقف الحرب لا يمكن أن يكون بديلًا عن حل سياسي عادل.
ومن هنا جاء دعمها لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية ومبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.
هذه الرؤية تمنح الموقف المصري تماسكه؛ فهو يجمع بين القانون الدولي الإنساني الذي يحمي المدني في أثناء النزاع، والقانون الدولي العام الذي يحمي حق الشعب في الأرض والدولة.
السودان والبحر الأحمر في ميزان القانونيستند موقف الدولة المصرية من السودان إلى القواعد نفسها.
فتمسكها بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه يعكس احترام مبدأ عدم التدخل، والمساواة في السيادة، وحماية استقلال الدول.
كما أن دعمها لمؤسسات الدولة الوطنية لا يتعارض مع حماية المدنيين، بل يساندها.
فعندما تنهار المؤسسات، تتوقف الخدمات، وتنتشر الجماعات المسلحة، ويتسع النزوح، ويصبح تطبيق القانون أكثر صعوبة.
ولهذا ترى الدولة المصرية أن الحفاظ على السودان دولة موحدة يمثل شرطًا لحماية شعبه وبدء عملية سياسية مستقرة.
وتؤيد الدولة المصرية وقف القتال، وتيسير المساعدات، وإطلاق مسار سياسي يقوده السودانيون ويحفظ وحدتهم.
وهذا الموقف يجمع بين القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض حماية المدنيين وإغاثتهم، والقانون الدولي العام، الذي يصون سيادة الدولة ووحدة أراضيها.
وفي البحر الأحمر، تنطلق الدولة المصرية من قواعد حرية الملاحة وأمن الممرات الدولية.
فالقانون الدولي للبحار ينظم المرور في المضايق والممرات البحرية، ويحمي حركة السفن والتجارة الدولية.
وأي تهديد لهذه الطرق لا يمس دولة واحدة، بل يؤثر في الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد في العالم كله.
لذلك تتمسك الدولة المصرية بحماية الملاحة، مع رفض تحويل البحر الأحمر إلى ساحة صراع دائم.
فالحماية القانونية للممرات لا تتحقق بالعسكرة وحدها، وإنما باحترام سيادة الدول الساحلية، ومنع الاعتداء على السفن المدنية، ومعالجة أسباب التوتر، والتنسيق بين الدول المعنية.
دولة تتحرك بالقانون وتحظى بالتقدير الدوليحظي هذا النهج المصري بتقدير دولي واضح؛ لأن القوى الكبرى والمؤسسات الأوروبية أدركت أن الدولة المصرية لا تقدم دعوات عامة إلى السلام، بل تتحرك من خلال رؤية تتفق مع ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي الإنساني.
فقد أشادت الولايات المتحدة بجهود الوساطة المصرية في وقف القتال وتسهيل التفاهمات الإنسانية والسياسية.
كما دعمت فرنسا التحركات المصرية الرامية إلى احتواء التصعيد وفتح أفق سياسي.
وأكدت مؤسسات الاتحاد الأوروبي تقديرها للدور المصري في الوساطة، ووصفت الدولة المصرية بأنها شريك أساسي في الاستقرار الإقليمي.
وقد أشاد الاتحاد الأوروبي مؤخرًا بانخراط مصر في جهود الوساطة، وربط الاستقرار الدائم باحترام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني من جميع الأطراف.
كما أُشيد بالدور المصري في دعم وقف القتال في السودان، وتيسير وصول المساعدات، مع احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه والحفاظ على مؤسساته.
ولا يرجع هذا التقدير إلى الموقع الجغرافي لمصر وحده، بل إلى ثبات سياستها القانونية: حماية المدنيين من دون المساس بسيادة الدول، ووقف الحرب من دون إسقاط المسؤولية، والوساطة من دون التخلي عن الحقوق، والحفاظ على الدولة الوطنية من دون تجاهل كرامة الإنسان.
وفي النهاية، لا تتحدد قيمة القانون الدولي بما تحمله المعاهدات من نصوص، وإنما بما تحققه في حياة الناس.
يصبح القانون حاضرًا حين يتوقف القصف، ويصل الدواء، ويُمنع التهجير، وتبقى دولة موحدة، وتعبر سفينة بأمان، ويعود النزاع إلى طاولة التفاوض.
وفي هذه المساحات تتحرك الدولة المصرية.
فهي لا تنظر إلى القانون الدولي باعتباره لغة تستخدم في البيانات، بل إطارًا يحكم الموقف والتحرك: ميثاق الأمم المتحدة يوجه دعوتها إلى التسوية السلمية، والقانون الدولي الإنساني يفسر دفاعها عن المدنيين، وقواعد السيادة تبرر رفضها الاعتداء على الدول، وقانون البحار يؤسس موقفها من أمن الملاحة.
وهذه هي قوة الرؤية المصرية: رؤية تحمي الإنسان من الحرب، وتحمي الدولة من التفكك، وتثبت أن القانون، حين يجد دولة تؤمن به وتعمل من خلاله، يمكن أن يتحول من نص إلى حماية، ومن مبدأ إلى سلام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك