في سابقة قضائية الأولى من نوعها.
إلزام قناة إخبارية بتعويض سيدة عن استنساخ صورتها كمذيعة افتراضية- المحامي مانع ناصر جعشان: ملفات الذكاء الاصطناعي ستضع القضاء أمام تحدٍّ حقيقي لتكييف المنازعات- المستشار يوسف المريسي: الصورة الشخصية حق محمي بالقانون سواءً التُقطت بالتصوير أو وُلِّدت بالذكاء الاصطناعيفي أول قضية من نوعها أمام القضاء تتعلق باستخدام الصور ومقاطع الفيديو عبر الذكاء الاصطناعي وتقنيات (التزييف العميق) (Deepfake)، انتهت محكمة الاستثمار والتجارة إلى إلزام قناة إخبارية بأداء تعويض لسيدة استغلت القناة صورها الشخصية دون إذنها في إنتاج شخصية افتراضية ظهرت بوصفها مذيعة رقمية تحت اسم حركي، بثتها القناة على منصاتها الإعلامية وحساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي.
وكانت القناة الإخبارية قد أطلقت هذه الشخصية الافتراضية بوصفها مذيعة تقدّم برنامجاً إخبارياً بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأعدّت لها سلسلة من البرامج والمواد الترويجية على منصات التواصل الاجتماعي، كما نظّمت مؤتمراً إعلامياً ضخماً للترويج لها، ساعيةً إلى أن تكون رائدةً وسبّاقةً في هذا المجال.
غير أنها وعلى إثر هذه الدعوى أزالت جميع تلك المواد الإعلامية والبرنامج عن منصاتها كافة.
تعود وقائع الدعوى إلى قيام القناة الإخبارية بمعالجة صور سيدة ومقاطعها المرئية بتقنيات الذكاء الاصطناعي، واستخلاص شخصية افتراضية منها قدّمتها كمذيعة، ثم استمرارها في استعمال تلك الصور والمقاطع ونشرها والترويج لها على منصاتها دون إذنٍ أو موافقةٍ من صاحبتها، ودون إحاطتها علماً بكيفية حصولها على صورها أو إعداد المقاطع المُتلفزة المستخلصة منها.
وقد أطلقت القناة على هذه الشخصية المصطنعة اسماً حركياً قدّمتها به في برامجها، كما أثارت المدعية أنّ ما بثّته تلك الشخصية من أخبارٍ في برامجها لا يتوافق مع قناعاتها الشخصية، ولا مع الآراء السائدة في بلدها الأم، بما نُسب إليها على غير الحقيقة وضاعف من الضرر الواقع عليها.
- إنذار القناة بوقف الصورةوحين علمت السيدة بما وقع على حقوقها، وجّه وكيلها القانوني المحامي مانع ناصر جعشان إلى القناة الإخبارية إنذاراً قانونياً بالتوقف عن استخدام صورها وحذف كافة الصور والمقاطع المتعلقة بها، مع التنبيه على احتفاظها بحقها في التعويض، فاستجابت القناة وأزالت المادة المتضمنة المذيعة الافتراضية عن جميع منصاتها، إلا أن الضرر المادي والأدبي الذي لحق بالسيدة جرّاء التعدي حداها إلى إقامة دعواها للمطالبة بالتعويض.
وقدمت القناة دفاعاً أنّ العمل عمل فني مبتكر مستقل ويختلف اختلافاً تاماً عن الصور الأصلية.
كما دفعت القناة بانتفاء صفة المدعية وعدم أحقيتها برفع الدعوى، ذلك بأن المادة الناتجة عن المعالجة بالذكاء الاصطناعي عمل فني مبتكر قائم بذاته ومستقل تماماً عن الصور الأصلية، بحيث لا يمكن في تصورها ردّ الشخصية الافتراضية إلى صاحبة الصورة.
واستندت القناة في ذلك إلى أن الصور المولَّدة جاءت نتيجة معالجةٍ لصور المدعية أفضت إلى ناتج يمثل في زعمها شخصيةً أخرى مغايرة لها في الملامح والصوت واللغة، وهو ما أيّدها فيه الخبير المنتدب في خلاصة تقريره.
وقد ندبت المحكمة خبيراً مختصاً في الملكية الفكرية، وانتهى في تقريره إلى أن المادة التي تقدّمها المذيعة الافتراضية لا تحمل إساءةً للشخصية الحقيقية للمدعية، وأن العمل الفني الناتج عن معالجة صورها بالذكاء الاصطناعي عمل قائم بذاته ومستقل تماماً عنها.
غير أن المحكمة، بوصفها صاحبة السلطة التامة في تحصيل وقائع الدعوى وتقدير الأدلة والموازنة بينها، التفتت عن هذه النتيجة، فالمحكمة هي الخبير الأعلى في وقائع الدعوى المطروحة، ولها وحدها تقرير عمل أهل الخبرة وغير ملزمة بالتقييد برأي الخبير في تكييف المسؤولية وتطبيق القانون.
وقررت أن الفيديوهات والمواد التي جرت معالجتها اشتقت من الصور الأصلية للمدعية ذاتها، فلا ينفي ذلك تعلّقها بشخصها ولا يحجب عنها الحماية المقررة لها.
واستخلصت المحكمة من أوراق الدعوى أن القناة استغلت صور المدعية ومحاكاتها بالذكاء الاصطناعي ونشرها دون إذنها، وهو ما يشكل اعتداءً على حقها في صورتها وخصوصيتها وحقوقها الشخصية، باعتباره حقاً من الحقوق المجاورة اللصيقة بالشخصية وفقاً لقانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة رقم (7) لسنة 2002 الذي تقضي المادة (14) منه بحظر نشر صور الأشخاص أو عرضها أو توزيعها دون إذنهم أياً كانت الطريقة التي تمت بها الصورة، بما يشمل ما يُولَّد منها أو يُعالَج بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأكدت المحكمة في تسبيبها أن التطور في وسائل الاتصال ونقل المعلومات، وإن وسّع آفاق التداول والمعرفة وقلّص الحواجز الزمانية والمكانية، فقد ضاعف في الوقت ذاته من احتمالات المساس بالحياة الخاصة؛ وأن الحق في الاتصال وتبادل المعلومات، على أهميته وكونه من الحقوق الأساسية التي كفلها الدستور وكرّستها مبادئ حقوق الإنسان، ليس حقاً مطلقاً، بل ترد عليه القيود اللازمة لحماية حقوق الغير وفي مقدمتها الحق في الحياة الخاصة، بما يقتضي إخضاع استعمال الوسائل التقنية الحديثة لضوابط قانونية تحول دون الانحراف بها أو استخدامها على نحوٍ يخلّ بتلك الحماية.
وقامت محكمة الاستئناف بتعديل مبلغ التعويض المحكوم به أول درجة من 700 ألف ريال قطري إلى 100 ألف ريال قطري شاملاً جابراً للأضرار المادية والأدبية، باعتباره المبلغ الأقرب للإنصاف في ضوء ظروف الدعوى.
وتقدمت القناة بطعن على الحكم إلا أن محكمة التمييز قضت بعدم قبول الطعن، وألزمت القناة الطاعنة بالمصروفات مع مصادرة الكفالة، فأصبح الحكم نهائياً وباتاً.
- منازعات مع تسارع التطور التقنيوفي تعليقه على الحكم، قال المحامي مانع ناصر جعشان، الشريك المؤسس بمكتب مانع ناصر جعشان للمحاماة: هذه القضية تفتح باباً واسعاً أمام جيلٍ جديد من المنازعات سيتزايد مع تسارع التطور التقني، سواء في استخدام الصور أو المصنفات أو في صور التعبير الرقمي التي لم تكن في الحسبان من قبل، وهي تحديات ستخلق آفاقاً قانونية جديدة تستدعي فكراً متجدداً في تكييفها ومعالجتها.
فالقانون لم يكن يوماً عاجزاً عن مواكبة التطور، بل كان وما زال قادراً على استيعابه وتطويعه لخدمة العدالة.
ومن جانبه، أوضح المستشار القانوني يوسف المريسي، الشريك الإداري بمكتب مانع ناصر جعشان للمحاماة: إنّ الصورة الشخصية للإنسان تُعدّ من الحقوق المجاورة اللصيقة بالشخصية التي نظمها قانون رقم (7) لسنة 2002 بشأن حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة، وهي حق أصيل لصاحبها لا ينفصل عن كيانه، والحماية المقررة لها لا تتأثر بطريقة الاستعمال ولا بالوسيلة التقنية المستخدمة فيه؛ فسواء استخدمت الصورة عن طريق التصوير الفوتوغرافي المباشر أو عن طريق معالجتها وتوليدها ببرامج الذكاء الاصطناعي، يظل نشرها أو استغلالها دون إذن صاحبها اعتداءً موجباً للمسؤولية والتعويض.
ويبقى التحدي الأكبر الذي تطرحه تقنية «التزييف العميق» (Deepfake) كامناً في أن هذه المقاطع تختلف اختلافاً جوهرياً عن التقنيات السابقة، إذ تتيح إصدار أقوالٍ أو أفعالٍ ونسبتها إلى أشخاصٍ على خلاف الحقيقة، بما قد يقود إلى تبعاتٍ أشدّ خطراً مما كان عليه الحال من قبل، كاستغلال صور الأشخاص في الأغراض التجارية أو نسبة مواقفٍ إليهم لم تصدر عنهم.
ويمثّل هذا الحكم تأكيداً قضائياً على أن استقلال العمل الفني المولَّد بالذكاء الاصطناعي لا يحجب الحماية المقررة للحقوق الشخصية والملكية الفكرية لصاحب الصورة الأصلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك