على الرغم من الخسائر الكبيرة التي مُني بها النظام الإيراني وذراعه اللبناني، " حزب الله"، لا تزال طهران تسعى بكل الوسائل إلى الحفاظ على نفوذها في لبنان وترسيخ معادلة مفادها أن القرار اللبناني يُصنع في طهران لا في قصر بعبدا أو السراي الحكومي.
وجاء البيان المشترك الذي صدر عقب مفاوضات الثاني والثالث من حزيران ليشكل محطة سياسية بارزة، بعدما أعلن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإطلاق آلية" المنطقة التجريبية".
وقد اعتُبر هذا التطور إنجازاً مهماً للشرعية اللبنانية، إذ أعادها إلى واجهة المشهد السياسي ومنحها زخماً عربياً ودولياً على حساب حضور إيران و" حزب الله" في مقاربة الملف اللبناني.
إلا أن الرد الإيراني لم يتأخر.
فسارع الحرس الثوري إلى إعلان رفضه للبيان حتى قبل أن يعلن" حزب الله" رفضه له، في إشارة واضحة إلى انزعاج طهران من المكاسب السياسية التي حققتها الشرعية اللبنانية.
وعقب ذلك، بدأت إيران و" حزب الله" حملة سياسية مضادة استهدفت التشكيك بجدوى المسار الذي تقوده الشرعية اللبنانية وتقويض مفاعيله.
وفي هذا السياق، أبدت إيران تشدداً في الدفع نحو تضمين اتفاقها مع واشنطن بنداً يتعلق بوقف إطلاق النار في لبنان، على أن يكون أكثر جدية وفاعلية من الترتيبات السابقة التي حملها اتفاق نيسان.
ويهدف هذا المسعى إلى استعادة زمام المبادرة من يد الشرعية اللبنانية التي نجحت في تسجيل اختراق سياسي مهم على حساب النفوذ الإيراني في لبنان.
مع الإشارة الى أن ما يروج له" حزب الله" باعتباره إنجازاً إيرانياً لصالح لبنان عبر إدراج ملف وقف إطلاق النار في لبنان ضمن الاتفاق الإيرانية الأميركية، يبقى أقل مما حققته الشرعية اللبنانية، التي حصّلت أيضاً انسحاباً إسرائيلياً ضمن إطار آلية" المنطقة التجريبية".
وقد بدأت هذه الآلية تدخل حيز التنفيذ عملياً مع انسحاب القوات الإسرائيلية من بلدة دبين ودخول الجيش اللبناني إليها، قبل أن تتوقف نتيجة مواقف" حزب الله" والحرس الثوري الإيراني الرافضة للبيان.
غير أن الاتفاق الذي أُبرم بين طهران وواشنطن، وما تلاه من ضغوط مارسها الرئيس ترامب على رئيس الوزراء الإسرائيلي للالتزام بوقف إطلاق النار، منح إيران فرصة لاستعادة موقعها في صدارة المشهد اللبناني، بعدما كانت الشرعية اللبنانية قد نجحت في تقدم المشهد.
ورغم الاتصالات التي أجراها مسؤولون أميركيون مع الرئيس جوزاف عون، فإنها لم تكن كافية لتعويض الانتكاسة السياسية التي أصابت الشرعية اللبنانية نتيجة منح واشنطن طهران ورقة يمكن تسويقها باعتبارها إنجازاً سياسياً ودبلوماسياً.
في الخلاصة، يبقى الصراع الذي يدور بين إسرائيل و" حزب الله" ذا طابع أمني بالدرجة الأولى.
أما المعركة التي يعتبرها" حزب الله"، ومن خلفه إيران، معركة وجودية، فهي تلك المرتبطة بالشرعية اللبنانية ودورها ومستقبلها.
فكل خطوة تخطوها الدولة اللبنانية باتجاه استعادة سيادتها الكاملة، تعني عملياً تراجع مساحة النفوذ الإيراني.
ومن هنا، تنظر إيران و" حزب الله" إلى أي تقدم تحققه الشرعية اللبنانية خسارة مباشرة لمشروع النفوذ الذي بنته طهران على مدى عقود.
إن مواجهة إصرار طهران على تكريس لبنان ضمن دائرة نفوذها، يتطلب من الشرعيّة الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة واقع سياسي يُدخل لبنان في مرحلة تاريخية جديدة، من خلال: خطوات عملية وحاسمة باتجاه حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، والإقدام الجدي في خيار اتفاق سلام مع اسرائيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك