طالبت فرنسا الولايات المتحدة بتوفير إطار منظم ومنسق لتقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، وذلك في ظل الإعلانات المفاجئة عن سحب القوات والأصول الأميركية، وبعد أن أثارت واشنطن توتراً كبيراً لدى حلفائها الأوروبيين بتصريحاتها الأخيرة بشأن قواتها المنتشرة في القارة.
وقالت نائبة وزير الدفاع الفرنسي، أليس روفو في تصريحات لمجلة «بوليتيكو» بعد لقائها مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، مارك روته، في بروكسل هذا الأسبوع: «نرغب في أن يتم تقليص الوجود العسكري الأميركي بطريقة منظمة ومنسقة وفعالة لتجنب خلق معضلات للأوروبيين».
وأضافت المسؤولة الفرنسية، التي تجري محادثات منتظمة مع نظيرها الأميركي إلبريدج كولبي: «بالنظر إلى التقلبات الشديدة في العلاقات عبر الأطلسي، يجب علينا تجنب كل من التهويل والإنكار».
وتوقعت روفو أن يعود الوجود العسكري الأميركي في أوروبا إلى مستويات ما قبل الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
وقالت: «يتمثل التحدي الذي سيواجهه الأوروبيون في إيجاد طريقة لتعويض العوامل الاستراتيجية الداعمة، لا سيما القدرات الحيوية التي تُوفرها الولايات المتحدة في الغالب، مثل النقل الجوي والبحري، والتزود بالوقود في الجو، والاستخبارات، والأصول الفضائية».
وأضافت: «لكن ليس من المنطقي استبدال القدرات الأميركية بأخرى مماثلة، فالأوروبيون لا يخوضون الحروب بالطريقة نفسها التي يخوضها الأميركيون».
وفي وقت يُوجه فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإدارته انتقادات لاذعة لدول أوروبية مثل ألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وإيرلندا، حذرت روفو أيضاً من الانقسام الأوروبي قائلة إنه «من المهم تجنب تبادل الاتهامات بين الأوروبيين.
ومن المهم أيضاً إدراك أن الأهم هو النتائج العسكرية الفعلية، وليس مجرد الأرقام».
وفي وقت سابق من هذا الشهر، أطلق وزير الدفاع الأميركي بيت هيجسيث مراجعة مدتها 6 أشهر للوجود العسكري الأميركي في أوروبا، مُلمحاً إلى معاقبة الدول التي لم تُساند واشنطن في حربها على إيران.
وجاء ذلك، بعد أن أعلنت الإدارة الأميركية عزمها سحب بعض القوات من ألمانيا، رداً على انتقادات المستشار فريدريش ميرتس لحرب إيران.
ثم فاجأت الولايات المتحدة وارسو بإلغاء نشر قواتها في بولندا، قبل أن تتراجع عن قرارها بعد أيام، والآن، يعتقد المسؤولون البولنديون أنهم قد يكونون على وشك تأمين قاعدة أميركية دائمة في البلاد.
كما أبلغت الولايات المتحدة حلفاءها أنها ستُقلّص عدد القاذفات الاستراتيجية والطائرات المقاتلة والمسيّرة والغواصات والسفن الحربية المخصصة للحلف تدريجياً، بموجب نظام نموذج القوات التابع لحلف الناتو، حيث يُحدد الحلفاء دورياً الجنود والمعدات التي سيُتيحونها، حال نشوب حرب.
وبينما يصرّ روته على أن تحركات واشنطن ليست مفاجئة، تطالب الدول الأوروبية، بما فيها ألمانيا، الولايات المتحدة بتقديم خارطة طريق تُمكن الحلفاء من تنظيم عملية الانتقال.
وقبل انعقاد قمة قادة الناتو المقررة في أنقرة يومي 7 و8 يوليو المقبل، كانت روفو في بروكسل للقاء روته والتحدث مع سفراء الناتو.
وسيكون أحد أبرز المواضيع المطروحة في تركيا الشهر المقبل، ما يُعرف بـ»نقل الأعباء»، أي الدور الأكبر الذي ينبغي أن يضطلع به الأوروبيون في ردع القارة ودفاعها في ظل تحول الولايات المتحدة نحو أولويات أخرى.
ولم تشهد فرنسا، إحدى الدول النووية الثلاث الأعضاء في حلف الناتو، أي وجود عسكري أميركي على أراضيها منذ ستينيات القرن الماضي، ولا يتأثر وضعها الدفاعي الوطني بتخفيضات القوات أو الأصول الأميركية.
ومع ذلك، تستثمر فرنسا بكثافة في خطط الدفاع الإقليمية لحلف الناتو، ومن المتوقع أن تُخصّص المزيد من الأصول للحلف لتعويض أي تخفيضات أميركية، وفق «بوليتيكو».
ويشير المسؤولون الفرنسيون إلى فنلندا كمثال على كيفية قدرة أوروبا على توفير الردع بقوات أقل انتشاراً على الأرض.
ويسلط المسؤولون الضوء على القوات البرية المتقدمة التي أنشأتها فنلندا حديثاً، والتي تُعد جزءاً من خطة أوسع لحلف الناتو لتعزيز القوات في دول المواجهة بقوات متعددة الجنسيات، تقود كل منها دولة إطارية تُوفر الجزء الأكبر من القوات.
وتقود فرنسا هذه القوات في رومانيا.
وعلى عكس القوات البرية المتقدمة الأخرى المتمركزة في الدول المضيفة، ستتمركز القوات الفنلندية في السويد المجاورة.
ويرى مسؤولون فرنسيون وسويديون أن هذا سيُتيح تنظيماً أكثر مرونة واستدامة، يقوم على التدريبات العسكرية بدلاً من الوجود الدائم.
وقال أحد المسؤولين: «هذه هي الطريقة الأوروبية لخوض الحروب».
واتفق حلفاء الناتو في قمة عُقدت العام الماضي في لاهاي، على زيادة إنفاقهم الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، إلا أن الاجتماع سلط الضوء أيضاً على أوجه القصور في قدرة أوروبا على أخذ زمام المبادرة في مجال الدفاع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك