لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا قالت فيه إن فكرة إيران دولة براغماتية يجب على الولايات المتحدة التعايش معها، بدأت تتجذر أبعد من محاولات إدارة دونالد ترامب تسويق اتفاقه مع الجمهورية الإسلامية، وفي أوساط الحزب الجمهوري.
وفي تقرير أعده أنطون ترويانوفسكي قال فيه إن فكرة كون النظام الإيراني هو الأسوأ في العالم، ظلت ركيزة أساسية للسياسة الخارجية في الحزب الجمهوري.
ولكن في الأشهر الأخيرة، ولا سيما مع دفاع إدارة ترامب عن اتفاق السلام المبدئي، بدأت وجهة نظر مختلفة تترسخ في أوساط اليمين الأمريكي: إيران دولة براغماتية تستطيع الولايات المتحدة، بل ويجب عليها، أن تتعايش معها.
وقاد الرئيس ترامب هذا التحول الجذري، إذ وصف قادة إيران الأسبوع الماضي بأنهم “أقوياء وأذكياء”، لكن الأمر يتجاوزه بكثير.
فقد برز نائبه جيه دي فانس كأبرز مؤيديه.
كما استعاد المحافظون، الذين طالما اتسموا بنزعة انعزالية، حماستهم.
حتى أن بعض الصقور المخضرمين غيروا لهجتهم.
ومن السابق لأوانه الجزم بما إذا كان هذا التغيير سيدوم.
فقد حافظ العديد من الجمهوريين على موقفهم المتشدد، وهدد ترامب بين الحين والآخر بإعادة إشعال الحرب.
وربما كان هذا التغيير في الخطاب بين الجمهوريين نابع من التنافس المألوف في عهد ترامب للبقاء على وفاق مع رئيس متقلب المزاج.
إلا أن المقابلات تظهر أن التحول من الموقف الجمهوري المتشدد تجاه إيران لا يقتصر على إيران فحسب، بل يتعداه إلى عوامل أخرى.
فرغبة ترامب في النأي بنفسه عن الصراع قائمة، وهناك تحول جيلي في الحزب يبتعد عن الدعم المطلق لإسرائيل، عدو إيران اللدود، بل وحتى عن بعض الإعجاب المتردد بقدرة النظام الإيراني على الصمود لأسابيع من القصف العنيف.
ويصف الكاتب ما يجري بأنه ديناميكية سياسية داخلية ذات تداعيات عالمية، تجلت بوضوح في عواقب الحرب الإيرانية على إمدادات الطاقة في أوروبا وآسيا، وعلى أمن الدول العربية المطلة على الخليج العربي.
وعلق كورت ميلز، المدير التنفيذي لمجلة “ذا أمريكان كونزيرفاتيف”، ناقلا ما وصفه برسالة ترامب للأمريكيين: “لقد دافعت إيران عن نفسها، أحسنت إيران” و”هذا يعني أن الولايات المتحدة ليست مهتمة إلا بقدر محدود بإضعاف هؤلاء”.
ويدير ميلز، البالغ من العمر 35 عاما، مجلة أسسها باتريك ج.
بوكانان، أحد رواد الانعزالية في التيار المحافظ الحديث الذي طالما أيد ضبط النفس في السياسة الخارجية، وهو رأي تظهر استطلاعات الرأي أنه يتبناه العديد من الجمهوريين الشباب، الذين نشأوا خلال حربي العراق وأفغانستان.
وقال ميلز: “أصبح التعبير عن معارضة محاربة إيران من اليمين أقل تحريما”.
ووصف ستيفن ك.
بانون، كبير مساعدي ترامب السابق، الرئيس بأنه “صانع صفقات وبراغماتي” ويدرك الآن “أنه لن يقام حفل استسلام على متن البارجة ميسوري في ميناء بندر عباس”، الميناء الإيراني.
واستحضر بانون حروب بلاد فارس القديمة ضد اليونان وروما لتفسير سعي ترامب الحثيث لهزيمة إيران، حيث قال في رسالة نصية: “إنهم يختبئون ويحصنون أنفسهم بشدة”.
وقالت آنا كيلي، المتحدثة باسم البيت الأبيض، بأن الحرب على إيران “نجحت في تدمير” جزء كبير من جيشها، وأن المفاوضين يعملون الآن “على القضاء نهائيا على القدرات النووية الإيرانية”.
وأضافت: “لا يتخذ الرئيس هذه القرارات المهمة المتعلقة بالأمن القومي لإرضاء مذيعي البودكاست أو محللي مراكز الأبحاث، أولويته الوحيدة هي مصلحة الشعب الأمريكي”.
إلا أنه وفي مؤشر على إدراك البيت الأبيض للتغيرات السياسية في إيران، ظهر فانس في برنامج ميغان كيلي الإلكتروني الأسبوع الماضي للترويج لاتفاق السلام المبدئي.
كيلي، المذيعة السابقة في قناة” فوكس نيوز”، لديها أربعة ملايين مشترك على يوتيوب، وأصبحت صوتا للجمهوريين الساخطين على سياسة ترامب الخارجية.
وقالت كيلي في برنامجها بعد يومين من حديثها مع فانس: “إن المتشددين يعملون وفق رؤية عفا عليها الزمن للعالم وللموقف الأمريكي وقدراته”، مضيفة: “الإيرانيون لن يتراجعوا.
لقد أبلوا بلاء حسنا في هذه الحرب”.
وقد تجلت الرؤية السلبية السابقة لإيران في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الرئيس جورج دبليو بوش عام 2002.
، حيث اعتبر إيران جزءا من “محور الشر” وبالنسبة للولايات المتحدة، كان “من مسؤوليتنا وشرفنا خوض معركة الحرية”.
وعندما شن ترامب الحرب في 28 شباط/فبراير، وصف الحكومة الإيرانية بأنها “شعب قاس وفظيع” و”يريد ممارسة الشر”.
وبرز صدى هذا الموقف في تصريح لسناتور تكساس الجمهوري، تيد كروز، الذي قال في بودكاست إن الرئيس ترامب يتلقى الآن “نصائح سيئة للغاية” بشأن إيران، لأن “منح مليارات الدولارات لمتطرفين دينيين” هو “فكرة سيئة للغاية”.
وقال السناتور الجمهوري عن ولاية مونتانا، تيم شيهي، في برنامج “فوكس آند فريندز” إن قادة إيران ما زالوا “يريدون قتلنا”.
وحتى في مجلس الشيوخ، معقل الصقور المحافظين، هناك تغير في اللهجة.
فالسناتور الجمهوري عن ولاية كانساس، روجر مارشال الذي قال في نيسان/أبريل إن التفاوض مع “متطرفين دينيين غير عقلانيين” في طهران “شبه مستحيل”، جادل في تصريحات لشبكة “سي إن إن” هذا الشهر، بأنه يمكن السماح لإيران بامتلاك صواريخ لأن “عليها أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها”.
وفي برنامج “ذا برايان كيلميد شو” على إذاعة فوكس، قال إنه لا يريد أن يبدو “مدافعا عن إيران”.
لكنه كرر شعار “لا للحروب الأبدية” في معرض حديثه عن ضرورة تفاوض الولايات المتحدة للخروج من الحرب.
وقال: “لقد فقدنا بالفعل 13 جنديا أمريكيا، دافعوا في معظم الأحيان عن إسرائيل، وتخلصنا من الأسلحة النووية”.
وتعلق الصحيفة أن هذا التحول في الخطاب قد يكون مدفوعا جزئيا بإدراك السياسيين المحافظين لتغير جيل الناخبين المحتملين في نظرتهم إلى مكانة أمريكا في العالم.
فقد أظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة “نيويورك تايمز” بالتعاون مع جامعة سيينا الشهر الماضي، أن 53% من مؤيدي الحزب الجمهوري المحتملين ممن تقل أعمارهم عن 45 عامًا يعارضون الحرب على إيران، مقارنةً بـ22% ممن تبلغ أعمارهم 45 عاما فأكثر.
وقالت نسبة 54% من الفئة العمرية الأصغر، إن ترامب كان داعما لإسرائيل بشكل مفرط، مقارنةً بـ16% فقط من الفئة العمرية الأكبر.
وقال ما يقرب من ثلاثة أرباع مؤيدي الحزب الجمهوري ممن تقل أعمارهم عن 45 عامًا إن على الولايات المتحدة إيلاء اهتمام أقل للمشاكل الخارجية، مقارنةً بـ40% ممن تبلغ أعمارهم 45 عاما فأكثر.
وقد تجلى اختلاف وجهات النظر العالمية أيضا في النظرة الإيجابية نسبياً لدى مؤيدي الحزب الجمهوري الأصغر سناً تجاه المذيع السابق في قناة فوكس نيوز، تاكر كارلسون، حيث بلغت نسبة المؤيدين 41%، بينما بلغت نسبة المعارضين 23%، على الرغم من أن ترامب وصفه هو وكيلي بـ”الخاسرين” و”بمستوى ذكاء منخفض”.
وربما يكون كارلسون هو أشد المعارضين المحافظين للحرب.
وفي الأسبوع الماضي، نشر كارلسون مقابلة مع تريتا بارسي، أحد مؤسسي معهد كوينسي للحكم الرشيد، وهو مركز أبحاث في واشنطن يدعو إلى تقليص الدور العسكري الأمريكي في العالم، وانتقد الحرب على إيران.
وقال كارلسون إن بارسي يرى أن إيران ستخرج من الحرب “قوة عالمية عظمى” لقدرتها على إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لمعظم نفط العالم.
وأضاف بارسي أن إيران أصبحت “أقوى بكثير، على الأقل مؤقتا”، وأنه أبلغ إدارة ترامب في بداية الحرب بأنها كانت على خطأ.
وفي مقابلة هاتفية، قال بارسي إنه كان يجري “محادثات مستمرة” مع مسؤولين في الإدارة الأمريكية حول إيران منذ مطلع العام الماضي، بما في ذلك “مع الأشخاص المعنيين”.
كما أشار إلى أن جزءا من اليمين الأمريكي “بصراحة لا يكترث لإيران”.
وأضاف بارسي: “إنهم أكثر غضبا من فكرة اندلاع الحرب من الأساس من فكرة أن الولايات المتحدة منيت بهزيمة استراتيجية” و”هذا يخبرك شيئا عن مدى تطور فكرة إيران”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك