فى قلب القاهرة، تقف الكاتدرائية المرقسية الكبرى بالعباسية شاهدة على واحدة من أبرز المحطات الوطنية والدينية في التاريخ المصري الحديث.
فعلى مدار أكثر من نصف قرن، لم تكن الكاتدرائية مجرد مقر بابوي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بل تحولت إلى رمز مصري خالص يجسد معاني المواطنة والتعايش والمحبة التي جمعت أبناء الوطن على اختلاف عقائدهم.
وعندما يتوقف المؤرخون أمام قصة بناء الكاتدرائية، فإنهم لا يستحضرون فقط تفاصيل الهندسة المعمارية أو الاحتفالات الرسمية، بل يعودون إلى لحظة فارقة امتزج فيها صوت الدولة بصوت الكنيسة، والتقت فيها الإرادة الوطنية مع الإيمان الروحي، لتخرج إلى النور واحدة من أهم المنشآت الدينية في الشرق الأوسط.
تلك اللحظة تجسدت في كلمة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر خلال احتفال وضع حجر الأساس للكاتدرائية في 24 يوليو 1965، وهي الكلمة التي بقيت حتى اليوم وثيقة سياسية ووطنية تعكس رؤية الدولة المصرية للوحدة الوطنية في واحدة من أكثر مراحلها تأثيرًا.
وشُيدت الكاتدرائية المرقسية على أرض دير الأنبا رويس بالعباسية، المعروف تاريخيًا باسم" دير الخندق"، وهو أحد أقدم المواقع القبطية فى القاهرة.
وتعود أهمية هذه الأرض إلى القرن العاشر الميلادى، حين منحتها الدولة الفاطمية للكنيسة القبطية تعويضًا عن أراضٍ أخرى صودرت خلال إنشاء قصر الخليفة المعز لدين الله الفاطمي.
ومنذ ذلك الحين أصبحت المنطقة مركزًا روحيًا بارزًا للأقباط، وارتبطت بذكريات دينية وتاريخية امتدت لقرون طويلة.
ومع تزايد أعداد الأقباط واتساع النشاط الكنسي خلال القرن العشرين، لم تعد الكنيسة المرقسية بالأزبكية قادرة على استيعاب المهام الرعوية والإدارية المتنامية، وهو ما دفع البابا كيرلس السادس إلى التفكير في إنشاء مقر بابوي جديد يواكب متطلبات العصر ويحافظ في الوقت نفسه على أصالة الكنيسة القبطية.
عبد الناصر والكاتدرائية.
دعم يتجاوز البناء إلى المعنىوخلال احتفال وضع حجر الأساس، قدم الرئيس جمال عبد الناصر رؤية متكاملة لمفهوم الدولة المصرية الحديثة وعلاقتها بمواطنيها.
وأكد عبد الناصر أن مساهمة الدولة في بناء الكاتدرائية لم تكن مجرد مساهمة مادية، بل كانت تحمل دلالة معنوية عميقة، موضحًا أن ثورة يوليو قامت على المحبة والخير والمساواة وتكافؤ الفرص، وليس على التعصب أو الكراهية.
وشدد الرئيس الراحل على أن القيم التي تنادي بها الثورة هي ذاتها المبادئ التي جاءت بها الأديان السماوية، وفي مقدمتها المحبة والإخاء والعمل من أجل الفقراء والمحتاجين ورفض الاستغلال والتمييز.
وفي كلمته، استعاد عبد الناصر صفحات من التاريخ المسيحي والإسلامي، مؤكدًا أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر لم تكن يومًا علاقة صراع، بل علاقة شراكة في بناء الوطن والدفاع عنه، مشيرًا إلى أن الأخوة بين أبناء الوطن تمتد جذورها إلى بدايات التاريخ الإسلامي.
كما تحدث عن تجربته العسكرية في حرب فلسطين عام 1948، مستشهدًا بوحدة الجنود المصريين مسلمين ومسيحيين في مواجهة الخطر، مؤكدًا أن رصاص العدو لم يكن يفرق بين أبناء الوطن، كما أن قنابل العدوان الثلاثي على بورسعيد عام 1956 لم تميز بين مسلم ومسيحي.
يحيا الهلال مع الصليب.
هتافات صنعت المشهدلم تكن كلمة عبد الناصر وحدها هي التي صنعت الحدث، بل إن الأجواء الشعبية التي أحاطت بالاحتفال عكست حجم التلاحم الوطني في تلك الفترة.
فقد تعالت هتافات الجماهير مرددة: " عاش جمال بطل السلام"، و" عاش جمال حبيب الشعب"، و" يحيا الهلال مع الصليب"، في مشهد اختزل حالة من التوافق الوطني بين القيادة السياسية والكنيسة القبطية.
وأصبحت هذه الهتافات جزءًا من الذاكرة الوطنية المصرية، باعتبارها تعبيرًا عن رؤية مجتمع كان يبحث عن المستقبل من خلال الوحدة والتكاتف بين جميع أبنائه.
مشروع معماري ضخم يليق بتاريخ الكنيسةوبعد وضع حجر الأساس، انطلقت أعمال البناء وفق تصميم معماري مميز فاز في مسابقة شارك فيها عدد من كبار المهندسين المصريين.
وجرى اختيار تصميم الدكتور عوض كامل فهمي والمهندس سليم كامل فهمي، بينما تولت التنفيذ شركة النيل العامة للخرسانة المسلحة" سبيكو" تحت إشراف المهندس العالمي ميشيل باخوم.
وجاءت الكاتدرائية على هيئة صليب بطول 144 مترًا وعرض 61 مترًا، وتضم قبة رئيسية ضخمة ومنارتين بارزتين، إضافة إلى سبع كنائس فرعية ومقر للمجمع المقدس ومكتبة وقاعات إدارية ومزار خاص برفات القديس مارمرقس الرسول.
وقد نجح التصميم في المزج بين العمارة القبطية التقليدية والاتجاهات المعمارية الحديثة، ليقدم نموذجًا فريدًا يعبر عن هوية الكنيسة القبطية في العصر الحديث.
افتتاح تاريخي بحضور العالموفى 25 يونيو 1968 شهدت القاهرة حدثًا استثنائيًا بافتتاح الكاتدرائية المرقسية رسميًا.
وحضر الاحتفال عدد كبير من الشخصيات الدولية والدينية، يتقدمهم الإمبراطور الإثيوبي هيلا سلاسي، إلى جانب ممثلين عن الكنائس المسيحية من مختلف دول العالم.
كما تابع الحدث مئات الصحفيين والمراسلين الأجانب، بينما نُقلت فعاليات الاحتفال وكلمات البابا كيرلس السادس والرئيس جمال عبد الناصر إلى العالم بلغات متعددة، في تأكيد على الأهمية الدولية للحدث.
عودة القديس مارمرقس.
الحدث الذي أكمل الحلمارتبط افتتاح الكاتدرائية بحدث روحي بالغ الأهمية تمثل في عودة رفات القديس مارمرقس الرسول، مؤسس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
فبعد نحو أحد عشر قرنًا من وجود الرفات في مدينة البندقية الإيطالية، نجحت الكنيسة القبطية بقيادة البابا كيرلس السادس في استعادتها، لتوضع داخل مزار خاص بالكاتدرائية الجديدة.
وشكلت هذه العودة لحظة تاريخية للأقباط في مصر والعالم، إذ أعادت للكرسي المرقسي أحد أهم رموزه الروحية والتاريخية.
لازم نفرح الناس.
شهادة تكشف إنسانية اللحظةيروي القمص يوسف تادرس، أستاذ التاريخ الكنسي، أن الرئيس جمال عبد الناصر شعر ببعض الإرهاق خلال مراسم افتتاح الكاتدرائية.
وعندما لاحظ البابا كيرلس السادس ذلك، عرض تأجيل الاحتفال حفاظًا على صحة الرئيس، إلا أن عبد الناصر رفض قائلًا: " لا.
لازم نفرح الناس".
وتبقى هذه الرواية من الشهادات الإنسانية التي تعكس حجم الاهتمام الذي أولته الدولة والكنيسة لهذا الحدث التاريخي.
أكثر من مقر بابوي.
رمز دائم للوطنبلغت تكلفة بناء الكاتدرائية نحو 150 ألف جنيه آنذاك، وأسهمت الدولة المصرية في دعم المشروع، ليصبح بعد افتتاحه المقر الرسمي لبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
وعلى مدار العقود التالية احتضنت الكاتدرائية أحداثًا كنسية ووطنية كبرى، من اجتماعات المجمع المقدس إلى استقبال رؤساء الدول والوفود الأجنبية، كما شهدت لحظات مؤلمة مثل تفجير الكنيسة البطرسية عام 2016، وظلت رغم ذلك رمزًا للصمود والإيمان.
وفي عام 2018 خضعت الكاتدرائية لأعمال تطوير وترميم شاملة بمناسبة اليوبيل الذهبي لافتتاحها، لتواصل دورها الروحي والوطني للأجيال الجديدة.
الكاتدرائية ووثيقة الوحدة الوطنيةبعد أكثر من خمسين عامًا على افتتاحها، ما زالت الكاتدرائية المرقسية بالعباسية تجسد الرسالة التي حملتها كلمة جمال عبد الناصر عند وضع حجر الأساس؛ رسالة تؤكد أن قوة مصر تكمن في وحدة أبنائها، وأن المحبة والمساواة وتكافؤ الفرص ليست شعارات عابرة، بل أسس حقيقية لبناء الوطن.
ولهذا تبقى الكاتدرائية المرقسية أكثر من مجرد مبنى ديني أو تحفة معمارية؛ إنها وثيقة حية تروي قصة وطن اختار أن يبني مستقبله على التعايش والمحبة، وأن يجعل من الهلال والصليب عنوانًا لوحدة مصر عبر الزمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك