ينسج الشاعر محمد هشام حالة من التناقضات والتوترات الداخلية، من خلال قصائد ديوانه، الصادر أخيرًا عن دار «منازل للنشر والتوزيع»، «رائحة للحب.
روائح للقتل»، يبدع من منطقة قلقة تقع بين الرغبة والفقد، والتشبث بالحياة والانجذاب إلى الحافة، وبين الحب والخلاص والموت كصورة أخرى للتحرر أو الفناء.
ومنذ العنوان يضعنا الشاعر أمام هذه الإشكالية، فالحب يأتي مفردًا في رائحته، بينما يحضر القتل بصيغة الجمع: «روائح للقتل».
وكأن الحب جوهر واحد تسعى الذات إلى القبض عليه، فيما تتعدد وجوه العنف وصوره وتجلياته، ويغدو القتل حالة وجودية تعلق بالروح والذاكرة والمعرفة.
يأتي ترتيب الديوان رابعًا ضمن إبداعات الشاعر التي بدأت بـ«ثم لم يأتنا الماء»، و«عاريا من ضعفه ورتابة الإنشاء»، و«ممالك بين اللحم والعظام».
يتخذ الديوان من الجسد موقعًا محوريًا، فهو مسرح الهواجس والأسئلة والاختبارات الوجودية: في مقطع من النص يقول: «ثقلت جمجمتي.
ترتج مع النبض كأن الدم موج محجوز خلف الفقرات»، حيث يصور الجمجمة كوعاء للأعمار المتراكمة والذكريات والقلق.
وحين تنتهي الصورة بمشهد الصبية الذين يركلونها فتتطاير منها «بضع وثلاثون خريفًا»، يتحول العمر نفسه إلى أوراق متناثرة في الطرقات، ويصبح الإنسان حصيلة سنوات تتدحرج في عالم لا ينتبه كثيرًا لما يفقده.
تتواصل هذه الحركة الوجودية المتعثرة: «قد لا أفقد جمجمتي.
قد يكفيني قلبي ليدل مسيري».
غير أن القصيدة توحي بأن القلب وحده لا يكفي.
فالمسير يحتاج إلى كيان متكامل، وإلى انسجام بين الأعضاء والروح.
وعندما يختل هذا التوازن تتشظى الذات إلى أجزاء متفرقة: جمجمة تتدحرج، وصدر يئن، وأطراف تبحث عن معنى وجودها.
حين ينتقل الشاعر إلى خطاب الحبيبة، يكتسب الجسد وظيفة أخرى: «أغمض عيني وأحلم أين أمد يدي نحو خدك.
سبابتي تتزاحف نحو شفاهك تنسل في فمك الرطب ثم تذوب».
في محاولة لعبور المسافة بين الذات والآخر، لكن هذا الاقتراب لا يخلو من توتر دفين؛ فالأصابع تسعى، والذوبان يوحي بتلاشي الحدود بين العاشق والمعشوق، وكأن اللقاء الكامل يقترب من فكرة الفناء أكثر مما يقترب من الامتلاك.
ثم تتسع الصورة أكثر في المقطع الذي يليه «لديك أصابع تنفذ في كل شيء.
تمتدين مثل شاش يصبون من فوقه عسل النحل».
- في ديوان «ما كفلته الريح».
رسائل وكشوفات تحاول تفادي مكائد الزمن- صالون الجابر الثقافي يستضيف الشاعرة والإعلامية عفاف عبدالمحسن لمناقشة ديوان «كلة زيف- ديوان شعري يخرج إلى النور بعد عشرين عامًا من الصمتيتحول الجسد الأنثوي إلى طاقة مداواة، وإلى محاولة لترميم ما تصدع في الداخل؛ الشاش والعسل والمناديل كلها مفردات تنتمي إلى حقل العلاج والتنظيف والتخفيف، لكنها لا تمنح شفاءً نهائيًا، وإنما تتيح هدنة موقتة مع جراح الروح.
ومن هنا تبدو عبارة: «تروين أن تصلي للكمال».
وكأنها تشير إلى طريق شاق يمر عبر الألم والتجربة والنقص، لا عبر الطمأنينة السهلة.
الرغبة في هذا الديوان تفتح أبوابًا جديدة للأسئلة، حيث يتساءل الشاعر: «كيف؟ أنا أحسك أستبينك لست أشمك.
».
تنقل الصورة حالة من الارتباك أمام حقيقة الآخر وحدود معرفته، فهل نحب الشخص كما هو فعلًا، أم كما تصنعه مخيلتنا؟ وهل العلاقة مع المحبوب علاقة حضور حقيقي أم حوار طويل مع صورة نحملها عنه في داخلنا؟يسارع الشاعر بالاعتراف المؤلم: «انفلق القلب نصفين لا حل إلا الرجوع إلى الحلم».
غير أن الحلم لا يبدو منتصرًا على الواقع، بقدر ما يظهر كملاذ أخير حين تضيق الاحتمالات الأخرى.
يتكرر الدم في الديوان بصورة سيرالية: «أرى الدم يقطر من ظهر كفك.
تسيرين مثل الجواد الطعين».
وهو يرسم بريشة الشاعر المرهفة المرأة ككائن مجروح ومقاتل في الوقت نفسه، يحمل آثار معاركه فوق جسده، وتصبح فقاعات الدم والعرق إشارات إلى حياة تخوض صراعها باستمرار.
ويمتد هذا العنف إلى ذات الشاعر الباحثة عن نفسها: «أحفر في الشارع أحفر خلف البيت وأحفر تحت سريري».
مجسدًا البحث عن صوت مفقود أو جريمة قديمة أو جزء من الذات جرى دفنه منذ زمن، وحين يقر بأنه قبض على الصوت وترك الجثة خرساء، يتجلى الدم معبرًا عن الذاكرة المكبوتة التي ترفض الاختفاء.
يصل هذا المسار إلى ذروته في: «شيء في رأسي يدفعني.
يجعلني أمشي نحو المطبخ أستل السكين وأطعنني»، تلك الطعنة التي لا تنتهي بالموت، ولكن تفتح بابًا لاكتشاف جديد، فالصوت المدفون يعود للحياة، ويبدأ في التمدد داخل الجسد: «هنالك من يتكلم في داخلي يدندن.
».
وتتحول الذات إلى تربة تنمو فيها أغصان شجرة في صورة من أجمل المدلولات الشعرية وأكثرها كثافة، فالنمو لا يتجه نحو الأعلى دائمًا؛ ولكن يحدث أحيانًا في الأعماق، في المناطق المعتمة من الروح، ومن هناك تبدأ الأعضاء بالتشكل من جديد: حنجرة، وقلب، وأضلاع، ورئتان.
وكأن ما بدا قتلًا في البداية كان تمهيدًا لولادة أخرى.
من الدم إلى الماء يتنقل الشاعر في تجربته الثرية، ربما بحثًا عن الحياة أو التطهر: «الهروب عبر ثقب صغير.
توقظني نقطة ماء تفلت من شفة الصنبور»، تلك القطرة الصغيرة تصبح صورة للنجاة الممكنة، وللقدرة على الإفلات من القيود مهما بدت محكمة.
لكن الماء لا يحمل وعدًا مطلقًا بالخلاص.
فسرعان ما يطرح الشاعر سؤال العدوى والخوف من انتقال ما نحاول الهرب منه.
وهكذا يتحول التطهر إلى عملية مستمرة لا تنتهي.
وتبلغ هذه الفكرة وضوحها في قصيدة المرأة التي تغتسل بمياه النيل، سعياً إلى غسل الدم واستعادة السلام، غير أن هذا السلام يظل موقتًا، يحتاج إلى تجديد دائم، وكأن النقاء حالة تُطلب ولا تُمتلك.
في القسم الأخير من الديوان تتصاعد نبرة السخرية الممزوجة بالمرارة إذ يقول الشاعر: «قلبي أودعوه في ثلاجة وركبوا مكانه مسدسًا.
»، في صورة تجمع العبث بالرعب، وتعبر عن اغتراب الإنسان داخل عالم يدفعه ليتحةل إلى آلة.
غير أن استعادة القلب سرًا تمنح القصيدة بُعدًا مقاومًا، فالحفاظ على الحس الإنساني يبدو فعل نجاة أخير.
وكأن قدر الشعر المأساة، إذ تعود السخرية أكثر قتامة: «شوارع مرصوفة بأفخر العظام والعيون علقوها كي تضيء في العمدان».
مدينة كاملة تنهض فوق بقايا البشر، حيث تتحول الأجساد إلى وقود، والضمير إلى طاقة مستهلكة، والأمل إلى مادة قابلة للاستهلاك اليومي، في رؤية كابوسية للعالم الحديث، تكشف مقدار ما يمكن أن تبتلعه الحياة المعاصرة من إنسانيتها.
في خاتمة الديوان يصرخ الشاعر بإحدى أكثر عباراته قسوة: «الآن أعني ما أقوله أنا ميت دفنت منذ أعوام ولا أحس».
ومع ذلك لا يتوقف البحث؛ فبين الحب والقتل، وبين الجسد والروح، وبين الحلم والواقع، يواصل الشاعر التنقيب عن أثر نجاة محتمل، وعن رائحة للحب وسط هذا الركام من روائح الفقد والعنف.
يقدم محمد هشام في «رائحة للحب.
روائح للقتل» تجربة شعرية تنشغل بالأسئلة الكبرى أكثر من انشغالها بالإجابات، في قصائد وإن تفاوتت عناوين النصوص فيه إلا أنه يتحرك في وحدة موضوعية تتحرك بين الجسد والروح، والرغبة والخوف، وبين الذاكرة وما تحاول دفنه ثم تستعيده على نحو مفاجئ.
وتنبع قوة الديوان من قدرته على تحويل التفاصيل الجسدية اليومية إلى إشارات وجودية واسعة، ومن حفاظه على توتره الداخلي حتى الصفحات الأخيرة.
تشبه قصائد الديوان شجرة تنبت الأسئلة وتمنحها مزيدًا من العمق والتشسّع، وربما يكمن جوهر التجربة كلها في هذا الحفر المتواصل داخل الذات، وفي الإيمان بأن الصوت المدفون، مهما طال صمته، قادر على أن يجد طريقه من جديد.
يذكر أن الشاعر محمد هشام يمارس الكتابة الشعرية منذ مرحلة الدراسة الجامعية وحاصل على عديد الجوائز، أبرزها جائزة مجلة دبي الثقافية العام 2013 عن ديوانه الأول «ثم لم يأتنا الماء» (مخطوطة)، كما شارك في العديد من المهرجانات الشعرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك