قناة القاهرة الإخبارية - واشنطن أمام مأزق تفاوضي.. جدل واسع حول “المناطق النموذجية” يعطل المسار الأمني قناة التليفزيون العربي - حصاد العرب في مونديال 2026: بين إنجازات تاريخية لامست المجد وصدمات غير متوقعة هزت الجماهير وكالة الأناضول - روته: ثورة الصناعات الدفاعية في تركيا ستفيد جميع دول الناتو وكالة الأناضول - لبنان والسعودية تبحثان تعزيز التعاون الزراعي الثنائي روسيا اليوم - اليمن.. صاعقة رعدية تتسبب بوفاة خمسة أفراد من أسرة واحدة في محافظة إب قناة التليفزيون العربي - مفاوضات جديدة حساسة تعيد ملف سلاح الفصائل العراقية إلى الواجهة..فهل تنجح بغداد في احتوائه؟ روسيا اليوم - واشنطن توضح سبب منحها طهران الضوء الأخضر لتصدير نفطها لمستويات قبل الحرب روسيا اليوم - الولايات المتحدة تقدم لفنزويلا 150 مليون دولار ومجموعتين للبحث والإنقاذ قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة | التفاهم الأمريكي الإيراني وعبور مضيق هرمز بسلام قناة الشرق للأخبار - اشتعال الموقف في مضيق هرمز.. ما تداعيات الهجوم على سفينة الشحن السنغافورية؟
عامة

التابع و«العضوي»: هل سنتجاوز «المسألة الجنوبية» يوماً؟

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

يُعدّ طرح المفكر الإيطالي الماركسي أنطونيو غرامشي عن «المسألة الجنوبية» La Questione Meridionale تأسيسياً في النظرية السياسية والدراسات الثقافية المعاصرة، بل قد يكون أحد أهم الأسئلة التي شكّلت الوعي ا...

يُعدّ طرح المفكر الإيطالي الماركسي أنطونيو غرامشي عن «المسألة الجنوبية» La Questione Meridionale تأسيسياً في النظرية السياسية والدراسات الثقافية المعاصرة، بل قد يكون أحد أهم الأسئلة التي شكّلت الوعي السياسي في عصرنا.

سؤال غرامشي المحلي، الذي تكرر كثيراً بعده، على اختلاف الزمان والمكان والظرف، كان ببساطة: لماذا ظل الجنوب الإيطالي متخلفاً، وتسوده علاقات فلاحيّة قائمة على الولاء والتبعية، والهيمنة الدينية، رغم إتمام الوحدة الإيطالية، ووجود الشمال الصناعي، الأكثر تقدماً وتحرراً؟ هل المشكلة في الجنوب نفسه، وثقافة فلاحيه، لدرجة أن تطويره استعصى حتى على الحركات العمّالية في الشمال؟جواب غرامشي كان معقداً جداً على هذا السؤال، الذي يبدو بسيطاً، فصاغ مجموعة من المفاهيم، ومنها «التابع» و»الهيمنة» و»المثقف العضوي» و»الكتلة التاريخية» و»المجتمع المدني»، ومما زاد الأمور تعقيداً أنه عالج معظم هذه المسائل وهو سجين في قبضة الفاشيين، ما أثار حيرة مفسريه اللاحقين: هل يعني بالضبط كل مفهوم من هذه المفاهيم؟ أم أن بعض مفاهيمه وعباراته طريقة للتحايل على الرقابة في سجنه؟ هذا الاتساع التأويلي ساهم في جعل أفكار غرامشي ملهمةً لكثيرين، وضمن سياقات مختلفة، فكانت مفاهيمه أساسية بين مدرسة «المؤرخين الماركسيين البريطانيين»، ومن أعلامها إدوارد تومبسون وإيريك هوبزباوم؛ ومدرسة «دراسات التابع» الهندية؛ والدراسات ما بعد الكولونيالية، ونقد الاستشراق، ونقد العنصرية، ومناهضة الإمبريالية، واليسار الجديد، والشعبوية اليسارية، وغيرها الكثير، ولم تعد حكراً على الوسط الماركسي أو اليساري، بل صارت جانباً من الثقافة الأكاديمية والجماهيرية، لدرجة أن كثيرين قد يستعملون أفكاراً ومفاهيم غرامشية الطابع، حتى لو لم يسمعوا بغرامشي.

«التابع» Subaltern عند غرامشي، لا يعني بالضبط البروليتاري ولا الفلّاح، ولا المهمّش ولا الفقير، وإنما يعني الأفراد والجماعات الخاضعين لهيمنة مجموعات أخرى، العاجزين عن تمثيل أنفسهم، وإنتاج ذات سياسية مستقلة لهم، والذين يتكلّم الآخرون عنهم عادة، وتاريخهم مكتوب من قبل النخب المُهيمنة، لا من وجهة نظرهم هم.

أثار هذا المفهوم اهتمام كثير من المفكرين، فكتب إدوارد تومبسون تاريخاً طويلاً عن «نشأة الطبقة العاملة البريطانية» من منظور «تجربتها الذاتية» (رغم أنه هو نفسه أستاذ جامعي شديد النخبوية)، غيّر الكثير عن فهمنا لعملية التأريخ نفسه؛ أما المؤرخ الهندي رانجيت غوها فقد طرح سؤال «التابع» على مستوى الفلاحين الهنود، الذين كُتب تاريخهم دوماً من وجهة نظر النخب الاستعمارية والوطنية، التي تجاهلت منظورهم الذاتي، وأسقطت عليهم خطاباتها، فسعى إلى دراسة ما سماه «بارادايم التمرّد الفلاحي»، بأسلوب يمزج بين تاريخية تومبسون والبنيوية الفرنسية (رغم اختلافهما الجذري منهجياً)؛ فيما طرحت المفكرة الهندية غياتري سبيفاك سؤال «التابع» على أعلى مستوى فلسفي ممكن، وتساءلت إن كان بإمكانه الكلام أصلاً، من دون أن يفقد صفة «التابع» بمجرد نطقه بلغة «كونية» مفهومة لـ»النخب»، والدخول إلى عالم الهيمنة، الذي سيعيد تمثيله بما يتسق مع تصوراته ومعارفه المقبولة والمعيارية.

أي فقدانه لصوته الفعلي، وتجربته الخاصة، بمجرد إدخاله في منظومات الخطاب والمعرفة المهيمنة، التي تجعل كلامه قابلاً للفهم والتداول، ما يضعنا أمام سؤال «الكلام» نفسه.

ومثالها كان شديد الإشكالية، وهو نساء «الساتي»، أي الهنديات اللواتي يحرقن أنفسهن مع أزواجهن المتوفين، هل بإمكانهن الحديث حقاً؟ أم أن فعلهن سيبقى متنازعاً عليه بين «نخب وطنية» قد تراه «أصالة»، و»نخب استعمارية» قد تراه «تخلفاً»؟ وإذا تكلمن، ألسن مضطرات للحديث بلغة النخب المهيمنة؟ هل علينا أن نخرج التابع من تبعيته كي يتكلم؟ وكيف سنخرجه إذا لم نفرض عليه لغتنا ومعاييرنا النخبوية؟ أليس كل دفاع عن «التابع» هو فرض لسان نخبوي عليه، وإعادة تمثيله ليصبح مقبولاً ومفهوماً من قبلنا؟ أم أننا قادرون على تفكيك «اللغة الكونية» المُدّعاة، لكي تبرز فيها أصداء أصوات «التابعين»، وتغيير شروط المعرفة نفسها لتستوعب قولهم؟ بالتأكيد كل هذه النتائج لم تكن لتخطر في بال غرامشي نفسه، الذي كان موضوعه الثورة العمالية ومكافحة الفاشية.

«الكتلة التاريخية» Historical Bloc كانت المفهوم الأكثر جمعاً لبقية المفاهيم الإشكالية، وهي أكثر بكثير من تحالف تاريخي بين عمال الشمال وفلاحي الجنوب، لتحقيق أهداف تاريخية معيّنة، كما قد تُقزّم أحياناً.

«الكتلة التاريخية» Historical Bloc كانت المفهوم الأكثر جمعاً لبقية المفاهيم الإشكالية، وهي أكثر بكثير من تحالف تاريخي بين عمال الشمال وفلاحي الجنوب، لتحقيق أهداف تاريخية معيّنة، كما قد تُقزّم أحياناً.

رأى غرامشي أن التركيبة التاريخية المعقدة للتشكيلات الاجتماعية الاقتصادية أشمل من اختصارها في صراع طبقي بسيط بين مُستَغِلِّين ومُستَغَلِّين، ففي «المسألة الجنوبية» يوجد بورجوازيون صناعيون في الشمال، يكرّسون الوضع المتخلّف للجنوب، عبر تحالفهم مع مالكي الأراضي والكنيسة فيه، وبالتالي فالجنوب متخلف ليس بسبب عدم اندماجه في الشمال، أو عدم قابليته لذلك، بل نتيجة ذلك الاندماج بالذات، الذي يُفرد له وضعاً دونياً في التشكيلة الاجتماعية/الاقتصادية الإيطالية، ويجعله في موقع تابع عموماً، ويمنع إصلاحاً زراعياً فعلياً فيه.

ولكن هذا التحالف بين بورجوازيي الشمال وملّاكي الجنوب ليس مجرّد تحالف اقتصادي، يتم عبر علاقات العمل والإنتاج، بل أيضاً عبر مؤسسات «المجتمع المدني»، أي المؤسسات الثقافية والأيديولوجية والتعليمية، التي يلعب مثقفو السلطة فيها دوراً أساسياً في تطبيع الأوضاع الطبقية والاجتماعية الحالية، وجعلها نوعاً من «الحس السليم»، وتلك هي «الهيمنة»، التي لا يمكن من دونها استمرار الاستغلال الطبقي، ووضعية الجنوب الحالية.

هنا يجب على أحزاب الطبقة العاملة أن لا تخضع للهيمنة، وتكرر الافتراضات البورجوازية ذاتها عن تخلّف الجنوب، بل أن تنتج هيمنة مضادة، يلعب فيها «المثقفون العضويون» في مؤسسات «المجتمع المدني» دوراً مركزياً، عبر إنتاج تحالف تاريخي بين عمّال الشمال وفلاحي الجنوب، وذلك بالتعاطي مع ثقافة الفلاحين، ورؤية عناصر الحس المشترك، التي تشكّلت عبر التجربة التاريخية للفلاحين أنفسهم، وتلك التي فُرضت نتيجة الهيمنة الأيديولوجية للطبقة المسيطرة.

الفصل بين الأمرين صعب، ولكنه ممكن، عبر تطوير الحس المشترك، وإكسابه الطابع النقدي، لا رفضه، وفرض آراء العمّال الشماليين بشكل فوقي.

هكذا يلعب المثقفون دور «الإسمنت العضوي» الذي يصل بين البنية الاجتماعية المركّبة والبنية الفوقية، أي بين المصالح الطبقية الفعلية لفلاحي الجنوب وعمّال الشمال من جهة، وتجاوز الهيمنة الطبقية، وإنتاج هيمنة جديدة، من جهة أخرى.

وبهذا يتجاوز الفلاحون تبعيتهم، ويصبحون قادرين على تمثيل ذاتهم، ولكن ضمن كتلة تاريخية، تجمعهم مع العمّال والمثقفين العضويين.

من الواضح مدى تأثير هذا الطرح باليسار المناهض للإمبريالية، و»نظرية التبعية»، ونقد الاستشراق والمركزية الغربية، ومن الواضح أيضاً مدى ما يمكن تسميته «إساءة استخدامه»، فتوضيح الأسباب البنيوية لتخلف الجنوب الإيطالي، وضرورة عدم الاستعلاء على ثقافة الفلاحين، وتفهّم العناصر الإيجابية في تجربتهم التاريخية، كان بالنسبة لغرامشي ضرورة لـ»التقدّم»، أي إخراج الفلاحين من وضعية التابع، وتخليصهم من هيمنة السلطة والدين، وانتصار الثورة الاجتماعية في إيطاليا، وليس أبداً لإنشاء ثنائية ومركزية جديدة، يصبح فيها «الهامش» أو «الطرف» وثقافته هو الصحيح والحقيقي والخيّر و»السكّان الأصليين»، في وجه «الرجل الشمالي» مثلاً؛ أو اعتبار كل ما يقوم به الفلاحون «ردة فعل» طبيعية مبررة حتمية على الظلم الشمالي.

غرامشي أراد تحويل تجربة الفلاحين المشتركة إلى «وعي نقدي»، عبر التحالف مع المثقفين والعمال، وتحت «ٌقيادة» حزبية تنشر هيمنة جديدة، ليحقق الشمال والجنوب ثورتهما معاً، وينتصرا على الفاشية.

يبدو أن «المسألة الجنوبية» لن تنتهي قريباً، وكما هو واضح فهي ليست إيطالية فحسب، بل مسألة عالمية، تتعلّق بكل مناحي الحياة، بما فيها الطبقة، والأيديولوجيا، والثقافة، والدين، والسياسة، والذات، والاستقلال والتبعيّة، والنخبوية، ومفاهيم «الشعب» و»الأمة» و»التحرر».

كما من الواضح أنها تعني منطقتنا بشدة، إذ ما زالت الأسئلة نفسها تُطرح منذ عقود: لماذا تعجز جماعاتنا المختلفة عن تمثيل نفسها؟ كيف نخرجها من وضعية التابع؟ وهل نستعلي على التابعين أم نتفهّم ثقافتهم؟ وماذا عن بلدان لا يوجد فيها «شمال صناعي» أصلاً؟ هل يمكن أن تنشأ «كتلة تاريخية» ما، أم سنظل تحت الهيمنة السلطوية/الدينية؟يبدو أن «المسألة الجنوبية» لن تنتهي قريباً، وكما هو واضح فهي ليست إيطالية فحسب، بل مسألة عالمية، تتعلّق بكل مناحي الحياة، بما فيها الطبقة، والأيديولوجيا، والثقافة، والدين، والسياسة، والذات، والاستقلال والتبعيّة، والنخبوية، ومفاهيم «الشعب» و»الأمة» و»التحرر».

ربما كانت الصورة الذهنية عن «التابع» ما تزال عند حدود فلاح إيطالي أو هندي أو «جنوبي» عموماً، في النصف الأول من القرن العشرين، أو نهايات التاسع عشر، يتسم بالأميّة، أو التعليم الضعيف، والتديّن، ويتمرّد أحياناً تمرداً عنيفاً، وعلينا أن نبذل جهداً لفهم آليات تمرّده، وربما تطويرها.

إلا أن هذه الصورة التاريخية لا تختزل تعريف التابع، الذي يتجسّد أساساً بالعجز عن التمثيل الذاتي، وبناء الذات السياسية المستقلة.

قد يكون «التفليح» أحد أهم سمات التبعية المعاصرة في منطقتنا، ويعني إعادة إنتاج العلاقات الفلاحية، بما في فيها من شبكات ولاء وتبعية، وعلاقات وبنى أبوية، مثل العشيرة والقرية والطائفة، تحت هيمنة سيد جديد هو جهاز الدولة المتضخّم، الذي يضمن الولاء عبر عدة آليات: الأولى توزيع العوائد والريوع، بصيغة «دعم» أو «توظيف»، أي تقديم نمط من الدعم الزراعي والاجتماعي، وتوفير الوظائف في الأجهزة المدنيّة والعسكرية والأمنية لأبناء الفلاحين، بهدف الربط بجهاز الدولة، والسيطرة على العلاقات الاجتماعية، بل وتغيير علاقات القوة داخل المجموعات الأبوية نفسها، بحيث تظهر في داخلها وجوه وزعامات جديدة، أقرب للسلطة؛ والآلية الثانية هي سحق التمثيل المستقل، لحساب الإدماج الكامل في جهاز الدولة، وتعويضه بهرمية معيّنة من التبعيّة، حسب القرب والبعد من مركز السلطة، ما يجعل الملكيّة الخاصة، وكذلك بيع قوة العمل، تحت هيمنة كاملة من الدولة، ويمكن نزعها أو التحكّم فيها، بقرارات استثنائية، أو إتاحتها حسب العلاقة بالمتنفذين في جهاز الدولة، والمصالح المتبادلة بين «المحاسيب»، وهكذا يتم إدماج كامل علاقات ومؤسسات «المجتمع المدني» في الدولة المتضخّمة وشبكاتها الزبائنية؛ أما الآلية الثالثة فهي استخدام عُصب معيّنة، على أسس طائفية أو مناطقية أو عشائرية، بصفه قوة ضاربة لجهاز الدولة، ما يؤمّن شكلاً بدائياً وغير مباشر من التمثيل، حسب «الخدمات» التي تقدمها كل عُصبة للسلطة، وقدرتها على إثبات ولائها في سحق أي خطر يهددها، وهذا يؤدي إلى إعادة إنتاج العُصبة نفسها، وفهمها لذاتها، وعلاقاتها الداخلية؛ في حين تتجسد الآلية الرابعة في توسّع اقتصاديات الظل، والعمل غير المنظّم، وغير القانوني، الذي يرتبط التغاضي عنه بالشبكات الزبائنية الواسعة، التابعة لجهاز الدولة نفسه.

عموماً ليست دولة التفليح دولة قائمة على تحصيل الضرائب من منتجين، مقابل التمثيل والمشاركة، وإنما على التحكّم في استخلاص العوائد والريوع، وإعادة توزيعها سلطوياً، وترك مساحة لاستغلال العمالة غير المنظّمة، في اقتصاديات ظل واسعة.

في هذا الشرط ليس «التابع» عاملاً أو مزارعاً بالضرورة، بل قد يكون طبيباً أو مهندساً أو ضابطاً أو موظّفاً مدنياً، ومستفيداً من القطاعين التعليمي والصحي الواسعين في الدولة، اللذين يلعبان، عبر دورهما الأيديولوجي والحيوي، دوراً أساسياً في إنتاج «التابع» المثالي؛ وهو بالتأكيد عاجز عن تمثيل نفسه، بوصفه فرداً أو جماعة، لأنه لا مكان للتمثيل الذاتي المستقل في الدولة المتضخّمة، التي تنتج فلاحيها التابعين في كل المجالات، وليس فقط في مجال العمل في الأرض.

يتمرّد هذا النوع من «التابع» في بعض الأحيان، و»باردايم التمرّد الفلاحي» الخاص به يحمل طابعاً عصبوياً عنيفاً، وشعوراً بالظلم تجاه العصب الأخرى، وعجزاً عن إنتاج الخطاب أو المشروع السياسي، وغالباً انتظاراً لسيد جديد يوظّف العصبيّة، ما يجعل الميليشيا هي الشكل الأنسب لهذا التمرّد، وهي ليست ميليشيا اجتماعية، أي تجمعاً من المقاتلين غير الدائمين لحماية أنماط الحياة والعمل والمصالح الجماعية، بل ميليشيا فوق اجتماعية، يسيطر فيها السلاح على المجتمع، ويسحقه، ويصير هو السيد الجديد، منفصلاً بالتدريج عنه، ومكوّناً مصالحه المستقلة، فتصبح شبكات الميليشيات، والقرب والبعد منها، هي التابع الذي يحاول تقليد سيده القديم، بشكل أكثر ضراوة، مع عجز عن الحفاظ على الحد الأدنى من مؤسسات التحضّر.

خارج شبكات الميليشيات، قد توجد مجتمعات مسحوقة، أو عاجزة عن إنتاج ميليشياتها الخاصة، لأسباب متعددة، وبما أنها عاجزة عن تمثيل نفسها فهي تنتظر سيداً جديداً، داخلياً أو خارجياً، يخلّصها من مظالمها، ويناصر شعورها العصبوي.

ولكنّ هذا الانتظار، في شروط سقوط الدولة الأبوية، وانهيار مؤسسات التحضر، قد يكون خطراً وجودياً داهماً، إذ كيف يمكن لهذه المجتمعات حماية ذاتها وهي عاجزة عن تمثيل نفسها من جهة، ولا سيّد جديداً لها من جهة أخرى؟ قد يكون هذا تجسيداً لـ»المسألة الجنوبية»، لم يخطر على بال كثير من دارسيها.

كان لا بد من بروز المستوى السياسي بشكل خاص في المخطط النظري لغرامشي: «أمير حديث»، ينتج إرادة جماعية جديدة لـ»الكتلة التاريخية»، ويقود «حرب المواقع»، ويصوغ هيمنة جديدة بين الفلاحين، وذلك «الأمير» ليس إلا الحزب الثوريكان من أهم الانتقادات التي وجّهت لغرامشي أنه لم يخرج تماماً من فكرة ماركسية لينينية تقليدية: قيادة الطبقة العاملة، وطليعتها الثورية، للفلاحيّن، إذ رغم تعقيد البنية النظرية التي بناها، واهتمامه الخاص بـ»الهيمنة»، وتمييزه بين «حرب مواقع» (صراع تدريجي للسيطرة على مؤسسات المجتمع المدني) و»حرب الحركة» (الهجوم المباشر للاستيلاء على جهاز الدولة، كما في الحالة الروسية)، والاهتمام بتحويل تجربة الفلاحين وحسهم المشترك إلى وعي نقدي، ينتج التمثيل الذاتي ضمن الكتلة التاريخية، إلا أن كل هذا لن يتم إلا بالتحالف مع القوى الأكثر تطوراً، وبالتالي الأكثر «طليعية»، أي قوى الشمال المتمدّن.

أيضاً كان لا بد من بروز المستوى السياسي بشكل خاص في المخطط النظري لغرامشي: «أمير حديث»، ينتج إرادة جماعية جديدة لـ»الكتلة التاريخية»، ويقود «حرب المواقع»، ويصوغ هيمنة جديدة بين الفلاحين، وذلك «الأمير» ليس إلا الحزب الثوري، فقد رفض غرامشي النزعات الاقتصادية الاختزالية، التي ترى أن التغيير سيأتي بمجرّد «نضوج» الظروف الاقتصادية، فالأزمات الكبرى للنظام الرأسمالي تحدث دائمأً، ولكنها لا تؤدي لثورة بالضرورة كما توقّع ماركس، وسبب ذلك الهيمنة الطبقية، التي تُطبّع النظام الرأسمالي في أذهان البشر، ومن دون إرادة سياسية منظّمة، فلا توجد إمكانية لإنتاج هيمنة جديدة، تجعل الثورة على ذلك النظام ممكنة، أي تجعلها تصوّرها والعمل لأجلها أمراً متوافقاً مع «الحس السليم».

وبهذا فإن تحويل «التابعين» إلى قوة سياسية منظّمة، يتطلّب، حزباً، ومؤسسات «مجتمع مدني»، ومثقفين، وحلفاء طبقيين، ليسوا تابعين.

بالطبع، لا تتوفّر كل هذه الشروط في نسختنا من «المسألة الجنوبية»، ويبدو أن على «التابعين» الاعتماد على أنفسهم، غير أن هذه العبارة تخفي معضلة نظرية واضحة، إذ لو كان التابع قادراً على الاعتماد على نفسه، وإنتاج تمثيل سياسي مستقل، وبناء إرادة جماعية منظّمة، لما كان تابعاً أصلاً، بل لصار ذاتاً تاريخية وسياسية.

ومن هذه الزاوية يظهر المأزق الذي واجهته دراسات التابع الهندية: فإذا كانت علاقات الهيمنة تقصي التجربة التاريخية للفئات التابعة من فضاء التمثيل، فكيف يمكن لهذه الفئات أن تمثّل نفسها، دون المرور عبر أشكال التنظيم والمعرفة والخطاب التي أنتجها عالم الهيمنة نفسه؟ وهو عالم يشبه الشمال الإيطالي، أي عالم غربي، صناعي، مركزي.

لم يستطع أنصار هذا المشروع أن يذهبوا أبعد من تتبّع آثار حضور التابع في الأرشيفات والنصوص الأدبية وسجلات الانتفاضات العفوية، أي دراسة شروط فرض الصمت على التابع، أكثر من دراسة شروط خروجه من الصمت.

من هنا تبدو الحاجة إلى «أمير جديد» ملحّة، بوصفه أداة لإنتاج لغة التنظيم والتمثيل والإرادة الجماعية، أي لإكساب التابعين «اللغة الشمالية»، والشروط التي تسمح لهم بالانتقال من موقع التبعية إلى موقع الفاعلية السياسية.

من دون هذه الوساطة التنظيمية يغدو الاحتفاء بتجربة التابع كما هي مُعرَّضاً للتحوّل إلى شكل جديد من أشكال المعرفة النخبوية، التي تجعل التابع موضوعاً للدراسة والتقدير الأخلاقي، أكثر مما تجعله ذاتاً قادرة على الفعل التاريخي المستقل.

هذا لو افترضنا أننا نملك أصلاً نخباً تشبه نخب «دراسات التابع»، فيما في الواقع ليس لدينا إلا ناشطية متواطئة مع الميليشياوية، لا يظهر أفرادها ما هو أكثر من عقلية التابعين.

ولكن، كيف يمكن إنتاج «أمير جديد»؟ قد يكون الضغط الوجودي، المُهدد لاستمرار الحياة، محفّزاً لنشأة تنظيمات سياسية واجتماعية، تحاول أن تستخلص من التجربة التاريخية، والحس المشترك لمجموعاتها المهددة، عناصر إيجابية، تمكنها من الخروج من الهيمنة، وإنتاج هيمنة جديدة، وتمثيل أنفسها، عبر نوع من الحماية الذاتية المجتمعية، التي تتطوّر لشكل من التسيير الذاتي.

وذلك يتطلّب تفكيراً «شمالياً»، أي لغة التنظيم والتمثيل والمؤسسات، وتنظيماً صلباً.

وجدت تجارب كهذه في منطقتنا، حققت بعض النجاح وكثيراً من الفشل، وربما يكون الإصرار على البناء على هذه التجارب، رغم فشلها، الإمكانية الوحيدة، لكسر دائرة الحروب الميليشياوية، التي أنتجتها مجتمعات «التابعين».

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك