تمّ الاعلان مؤخرا عن نتائج البكالوريا بالمغرب، وعمّت الفرحة البيوت والعائلات وعلت الزغاريد في كل دربٍ وحيّ.
والملاحظ أنّ مشاهد الفرح هذه تتكرّر كل عام، ما يعني أن البكالوريا ما زالت تحظى بمكانة رفيعة في الوجدان المغربي، على الرغم من خطاب التبخيس الذي يطال هذه الشهادة والدراسة عموما، والذي يتم تدويره في مواقع التواصل الاجتماعي.
وهذه مغالطة كبيرة؛ إذ ما زالت المدرسة الفضاء الأول لتكوين الناشئة وصناعة الأجيال، والمشتلَ الحقيقي للتربية على التعايش والإيمان بالاختلاف والتعدد الثقافي في بيئة تُوفر الأمن والسلام للجميع.
وما زالت البكالوريا أو نيلها على الأصح مرحلة مهمة في حياة الأولاد والبنات للحسم في توجّهاتهم ومساراتهم الدراسيّة.
ولا أدري لماذا هذه الحملة الشرسة على المدرسة وأطرها التربوية؟ ومن يقف وراء طوفان فيديوهات الإجرام وتعاطي المخدرات، وجميع أنواع الانحلال السلوكي قبل الانحلال العقلي، لدرجة يسود الانطباع لدى البعض بأن جميع شباب المغرب جهلة ومجرمون بالفطرة؟صحيح أن البكالوريا فقدت شيئا من بريقها القديم مقارنة مع سنوات السبعينيات، والثمانينيات، والتسعينيات، وحتّى بداية الألفية الثالثة حين كان (الباك)، كما هو معروف بالتسمية لدى العائلات المغربيّة، جسر العبور إلى الضفة الآمنة من المستقبل؛ إلى المعاهد والجامعات بضمانات مقبولة، أو إلى الوظيفة مباشرة.
ومن هذه النقطة بالذات يستمد الباك قيمته أيام زمان (وما زال؟ ).
وصحيح أيضا أن بعض الجامعات أساءت لنفسها وسُمعتها، وأصبحت توزّع شهادات الماجستير والدكتوراه كما لو أنّها توزع تذاكر مباراة كرة القدم.
مع ذلك لا بدّ من المدرسة كرافعة أساسية للارتقاء الاجتماعي، ولا بدّ من الباك أضعف الإيمان.
ولا بدّ أن نستحضر، من باب التوضيح، قصة ذلك العسكري الذي أمسك بدكتور معطل يعتصم أمام البرلمان فأشبعه ضربا وركلا.
وما كان من هذا الأخير إلا أن صرخ في وجه العسكري: تحمّل مسؤوليتك! إنّك تضرب وتُهين الدكتور! فأجابه العسكري ببرودة أعصاب: سأضربك حتّى لو كنتَ حاصلا على الباك! ونفهم من كلام العسكري أنّ الباك كان هو القمة في مغرب زمان عندما كانت هذه الشهادة وقفا على أبناء الأعيان والعائلات الميسورة، مع استثناءات قليلة يخلقها الفقراء دائما.
وقد قطع المغرب أشواطا مهمة في تعميم وتجويد التعليم في العقود الأخيرة.
وتغيرت الأمور لصالح أبناء الفقراء، وصاروا يحتلون الرتب الأولى في نتائج الباك كلّ عام.
وأغلبهم ينتسبون للمدرسة العموميّة وتلاميذ وتلميذات القسم الداخلي أو ممن يستعملون النقل المدرسي، أو دراجات هوائية أو أي وسيلة للوصول يوميا إلى مقاعد الدرس.
وقد وصلوا فعلا وحصلوا على الباك بميزة مشرّفة، فأسعدوا أسرهم وذويهم.
وأنفسهم قبل أيّ أحدٍ، بل منهم من صاروا موظفين كبارا في الوزارات والإدارات، وسكنوا المدن الكبرى وانخرطوا في الحياة الجديدة بمرونة حتى أنه يصعب عليك أنك تصدق أن فلانا كان يقطع مسافة طويلة على الحمار كي يصل إلى المدرسة، أو أن آخر كان يرعى الغنم أيام الآحاد والعطل وهو يفكّ المعادلات الرياضية، أو ثالثًا اجتاز الإعدادي والثانوي بجاكيت واحد حتى صار يُعرف لدى زملائه والإدارة بالجاكيت الأحمر.
ويُسجّل للفقراء أنهم يتركون بصمتهم وحضورهم في الذاكرة ولو بأشياء بسيطة لكنّها رمزية وعميقة مثل خدش على جذع شجرة أو فردة حذاء مرميّة على قارعة الطريق.
ويملكون إصرارا جارفا وطاقة غريبة في العودة في الزمن وإثبات الذات، وتجدهم في كل مكان تقريبا.
إنهم الرأسمال الحقيقي للوطن والمدخل المنهجي للبحث في تاريخ الشعوب.
تجدهم في المدارس والجامعات يطلبون العلم.
وفي الأسواق يبحثون عن الخبز.
وفي الساحات العمومية وأمام البرلمان يتزعّمون الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية.
وفي مسيرات فلسطين مطالبين بالأرض وأشجار الزيتون المزهرة في دواوين محمود درويش.
وفي الملاعب يشجعون المنتخب الوطني بكل ما أوتوا من قوة وصوت.
في الأعراس يرقصون جميعا، وفي الجنائز يذرفون الدموع جميعا.
وفي المقاهي يتحدثون في السياسة وعن الباك والخبز وكرة القدم.
وماذا تبقى للأثرياء؟ شرفة صغيرة يطلون منها على العالم الخارجي فيلتقطون صوّرا للذكرى، أو على الأصح مساحة ضئيلة على الأرض يعيشون فوقها مرتعبين من الزمن وتقلباته ومن المكان وسكّانه، ومن نظرة الغريب ومن الفقراء بالتحديد.
ها نحن وصلنا إلى الصراع الطبقي من بوابة الباك من حيث لا ندري!وبالنظر لقيمته الرمزية دائما، تغنّي الشّعراء الأمازيغ بالباك واعتبروه جزءا من الارتقاء الاجتماعي ومجد الأسرة المغربية، لا يقل عن مجد المال والجاه والأرض والفروسية والنسب العريق.
وقد حصل كاتب هذه السطور على الباك في سنة بعيدة وسط هذه الأجواء الاحتفالية.
وأقامت الأسرة حفلة جميلة حضرها الجيران والعائلة، وكانت هي الحفلة الوحيدة والأخيرة في حياتي، وما تبقى بعدها كان جنائز متكرّرة أو مجرّد بروتوكولات وواجبات أملتها الظروف والمناسبات.
وقد صرتُ أستاذا بفضل الباك ووجدت نفسي راكبا في جوف شاحنة مع بقرة نحو مدرسة ابتدائية قابعة على رأس الجبل، مثل برج مراقبة أو مزار مهمل.
كانت الشاحنة تتقدم بصعوبة في طريق وعرة فأتمايل يمينا ويسارا وتتمايل معي البقرة.
وقد صفعتني بذيلها اليابس على وجهي في المرّة الأولى قبل أن تتهيأ وتفرغ عليّ شلال بول ساخن في المرة الثانية.
كنت منزويا في ركنٍ أتناول خبزا ساخنا أيضا وأتفرج على المشهد السريالي الذي أنا جزء منه.
وأمدّ عنقي من الشاحنة فأرى جبالا صفراء كالزعفران وبيوتا واطئة يعلو منها الدخان، فيما عجائزَ يجلسن على العتبات، أو يحملن شيئا على ظهورهن.
وقد هالني مشهد الصوامع النابتة على رؤوس الجبال مثل نقط حدودية بين القرى والقبائل، والأبواق التي تصدح بالأذان بصوت يغري بالتأمل والندم على أشياء فظيعة في حياتنا وسط أجواءٍ روحانية صامتة.
وقد خامرني الشك في أن الإسلام هرب إلى الجنوب، بينما انزوى الشيطان في الشمال يتلاعب بمصير كثيرين.
ووجدت نفسي قريبا من الفضيلة التي تحدث عنها المنفلوطي، وقد فاتني أن أكون من الأولياء الصالحين والنّساك الذين رحلوا تاركين الحكاية تتراوح بين الحقيقة والخيال، أليس كلّ ذلك من حسنات الباك ومخرجاته الجميلة؟وأذكر صديقا حصل على الباك والتحق بالجامعة.
وبدأ يردد على رفاقه أنّه على وشك تحقيق حلمه الكبير.
ولا أحد استطاع تصديقه، خصوصا أنه كان في بداية المشوار الجامعي ومعدما لا يملك ثمن وجبة واحدة.
غير أنه ما أن حصل على المنحة الجامعية الأولى حتى اشترى بذلة جديدة وربطة عنق وحذاءً بكعبٍ مدوٍّ ودَخَل على رفاقه في الحي الجامعي وبدأ يصرخ: الآن حققتُ حلمي، قلتها لكم مرارا! لماذا لم تصدقوا؟ لماذا؟ وقد عرفتُ فيما بعد أنه تخرج في الجامعة وأصبح مسؤولا في أحد أقسام وزارة الداخلية، وصارت لديه بدلات كثيرة مثلما صارت لرفاقه أيضا أفكار وأيديولوجيات كثيرة.
المهم حصلوا على الباك في دفعة واحدة وتخرجوا في الجامعة على دفعات، وبأحلام على مقاسات كثيرة.
وهذا سرّ من أسرار الباك العجيبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك