وكالة سبوتنيك - إعلام: إيران تتوقع تحقيق مكاسب سنوية غير متوقعة بنحو 40 مليار دولار من إعادة فتح مضيق هرمز العربي الجديد - اليمن: إحالة ملف الشهادات الجامعية المزورة إلى القضاء وكالة سبوتنيك - الوجبات السريعة تؤذي الدماغ قبل الجسم: دراسة تكشف آثارًا مقلقة على الذاكرة والمزاج وكالة سبوتنيك - الولايات المتحدة تعلن تقديم 150 مليون دولار مساعدات لفنزويلا لمواجهة آثار الزلزال العربي الجديد - رياضة البيلاتس... تمارين تغزو الأجسام والشاشات قناه الحدث - ارتفاع حصيلة ضحايا هجمات إسرائيل على لبنان إلى 4230 قتيلا و12179 جريحا القدس العربي - مستقبل أرنولد مع العراق يتحدد “بعد كأس العالم” وكالة سبوتنيك - بيان خليجي أمريكي: أي تعاون اقتصادي مع إيران مرهون بالتزامها بمذكرة التفاهم التلفزيون العربي - المسرح الجزائري يفقد أحد أعمدته.. رحيل الفنان بلقاسم عمار الجزيرة نت - مباشر مباراة تونس ضد هولندا في كأس العالم 2026
عامة

عصر القوة العارية: كيف مات القانون الدولي أمام شاشات العالم؟

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

في القرن الحادي والعشرين لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لم يرَ. فالحروب تُنقل مباشرة إلى شاشات العالم، والضحايا يظهرون لحظة سقوطهم، والوثائق والصور والشهادات تصل إلى مليارات البشر في ثوانٍ معدودة. ومع...

في القرن الحادي والعشرين لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لم يرَ.

فالحروب تُنقل مباشرة إلى شاشات العالم، والضحايا يظهرون لحظة سقوطهم، والوثائق والصور والشهادات تصل إلى مليارات البشر في ثوانٍ معدودة.

ومع ذلك، لم يكن العالم يوما بهذا القدر من العجز الأخلاقي.

لقد سقط الوهم الكبير: لم تكن المشكلة أن الحقيقة مخفية، بل إن القوة أصبحت أقوى من الحقيقة نفسها.

وهكذا لم يمت القانون الدولي في الخنادق، ولم يسقط تحت أنقاض المدن المدمرة، بل مات أمام شاشات العالم، بينما كانت المؤسسات التي أُنشئت لحمايته لا تزال قائمة، والمواثيق التي تتحدّث باسمه لا تزال تُتلى، والخطب التي تمجّده لا تزال تُلقى فوق المنابر الدولية.

هذه هي المفارقة الكبرى في عالم اليوم.

فالنظام الدولي لم ينهَر بالمعنى التقليدي للكلمة.

الأمم المتحدة مازالت موجودة، ومجلس الأمن مازال يجتمع، ومحكمة العدل الدولية مازالت تُصدر قراراتها، ومئات الاتفاقيات الدولية مازالت تملأ الأرشيف السياسي للعالم، لكن شيئا أكثر أهمية انهار، وهو الإيمان بأنّ هذه المؤسسات تعمل بالمعايير نفسها تجاه الجميع، وأيضا الثقة بأن القانون قادر على الوقوف في وجه القوة المتغطرسة التي رآها العالم جليّة في حرب الإبادة على غزة ثم لبنان، ومحاولات تدمير دول عربية وإسلامية في المنطقة وآخرها إيران.

لقد أمضى الغرب عقودا طويلة وهو يقدّم نفسه بوصفه حارس النظام الدولي الحديث، وكانت مفردات القانون الدولي وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها وسيادة الدول جزءا من لغته السياسية اليومية.

لكن المشكلة أنّ المبادئ لا تُختبر عندما تُطبَّق على الخصوم، بل عندما تُطبَّق على الحلفاء.

وهنا بدأت الأزمة التي تفاقمت شيئا فشيئا.

ففي عام 2003 غزت الولايات المتحدة العراق، رغم الاعتراضات الدولية الواسعة، ودون تفويض واضح من مجلس الأمن.

يومها لم يكن السؤال متعلقا بالحرب وحدها، بل بمعنى النظام الدولي نفسه.

فإذا كانت القوة الأعظم في العالم تستطيع تجاوز المؤسسات التي ساهمت في بنائها، فما الذي يبقى من فكرة القانون الدولي؟ ورغم أنّ كثيرين اعتبروا ما حدث استثناءً عابرا، فإن السنوات اللاحقة أثبتت أن المشكلة أعمق بكثير.

فمع الحرب الروسية الأوكرانية عاد الغرب إلى الحديث بقوة عن السيادة وحرمة الحدود ورفض الاحتلال، وكأنّ العالم استعاد فجأة إيمانه بالقواعد الدولية.

غير أنّ هذا الإيمان لم يدم طويلا.

لأن غزة جاءت لتكشف ما كان مخفيا تحت السطح.

كثير من شعوب العالم لم تعد ترى النظام الدولي حكما محايدا، بل ساحة غير متكافئة تتوزع فيها العدالة وفق موازين النفوذلقد تحوّلت الحرب على غزة إلى لحظة تاريخية فارقة، ليس فقط بسبب حجم المأساة الإنسانية، بل لأنها وضعت النظام الدولي نفسه أمام اختبار أخلاقي مباشر.

فالعالم كله كان يشاهد، والصور كانت متاحة، والتقارير منشورة، والمنظمات الدولية تتحدّث، ومع ذلك استمرت المأساة دون أن يحرّكوا ساكنا.

هنا لم يعد السؤال متعلقا بغزة وحدها، بل بفكرة العدالة الدولية نفسها.

فإذا كانت القواعد تتغير وفق هوية الضحية وهوية الفاعل، فهل تبقى قواعد أصلا؟ وإذا كانت بعض الدول تُعاقب فورا عند انتهاك القانون، بينما تتمتع دول أخرى بحصانة سياسية شبه مطلقة، فهل نتحدث عن نظام قانوني أم عن نظام امتيازات؟ ولعل المفارقة الأكثر قسوة أنّ البشرية لم تعرف في تاريخها هذا القدر من الشفافية البصرية.

فالحروب السابقة كانت تُروى بعد انتهائها، أما اليوم فإنّ المأساة تُبث مباشرة إلى مليارات البشر.

ومع ذلك لم تؤدِّ وفرة الصور إلى وفرة العدالة.

لقد رأى العالم الضحايا لحظة بلحظة، لكنه اكتشف أنّ الحقيقة وحدها لا تكفي عندما تصطدم بجدار المصالح.

كان ميشيل فوكو يرى أنّ السلطة لا تعمل فقط عبر القمع، بل عبر إنتاج الحقيقة نفسها.

وربما لا يوجد مثال أوضح من النظام الدولي المعاصر.

فالقوة اليوم لا تفرض الوقائع فقط، بل تفرض أيضا طريقة تفسيرها، وتحدّد من هو الضحية، ومن هو المعتدي، ومن يستحق التعاطف، ومن يمكن تجاهله.

ولهذا لم تعد الأزمة أزمة قانون فحسب، بل أزمة معنى.

فالعالم لا يفقد ثقته بالمؤسسات لأنها ضعيفة، بل لأنه يراها قوية حين تريد أن تكون قوية، وعاجزة حين تقتضي المصالح أن تكون عاجزة.

وهنا تظهر المفارقة الأخطر.

فالنظام الدولي لم يفشل بسبب نقص القوانين.

العالم لم يعرف في تاريخه هذا العدد من المواثيق والمعاهدات والمحاكم والهيئات الدولية.

المشكلة كانت دائما في الإرادة السياسية، وفي السؤال الذي لم يستطع أحد الإجابة عنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية: من يحاسب الأقوياء؟ لقد بُني النظام الدولي الحديث على وعد كبير، مفاده أنّ البشرية تعلّمت من مآسي القرن العشرين، وأنّ القانون سيحل تدريجيا محل الغلبة المجردة.

لكن العقود الأخيرة كشفت أن القوة لم تختفِ أبدا، بل غيّرت ملابسها فقط وأعادت تقديم نفسها بلغة أكثر أناقة.

كان العالم يعتقد أنه يعيش عصر القانون، لكن الأزمات المتلاحقة كشفت أنه لايزال يعيش عصر القوة.

الفرق الوحيد أنّ القوة أصبحت تتحدّث لغة الحقوق، ، بينما تمارس نقيضها أحيانا.

ولهذا فإن أكبر خسارة لم تكن سقوط مدينة أو اندلاع حرب جديدة، بل تآكل الشرعية نفسها.

فكما رأى ماكس فيبر، لا تستقر السلطة بالقوة وحدها، بل بالاعتقاد بمشروعيتها.

وحين تبدأ الشرعية بالتآكل، تبدأ المؤسسات بفقدان معناها حتى لو بقيت قائمة شكليا.

وهذا ما نشهده اليوم على المستوى الدولي.

فكثير من شعوب العالم لم تعد ترى النظام الدولي حكما محايدا، بل ساحة غير متكافئة تتوزع فيها العدالة وفق موازين النفوذ.

ومن هنا يمكن فهم الصعود المتزايد للخطابات المناهضة للهيمنة الغربية في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية.

فالقضية ليست إعجابا بقوى بديلة بقدر ما هي فقدان للثقة في النظام القائم.

إنّ أخطر ما تواجهه القوى الكبرى ليس خصومها، بل الفجوة المتزايدة بين ما تقوله وما تفعله.

فالإمبراطوريات لا تبدأ بالانهيار عندما تخسر الحروب فقط، بل عندما تتوقف روايتها الأخلاقية عن إقناع الآخرين.

وقد لخّص أنطونيو غرامشي هذه اللحظات التاريخية بقوله الشهير: «العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد يتأخر في الظهور، وفي هذا الفراغ تظهر الوحوش».

ولعل النظام الدولي يعيش اليوم شيئا من هذا الفراغ.

فالعالم القديم يفقد شرعيته تدريجيا، والعالم الجديد لم يولد بعد، وبينهما تتكاثر الأزمات والحروب والتناقضات.

لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان النظام الدولي قد انهار، بل ما إذا كنا نشهد نهاية مرحلة كاملة من الوهم السياسي.

وهم الاعتقاد بأنّ القانون انتصر نهائيا على القوة.

فالقوة لم تختفِ يوما، لكن الجديد أنها لم تعد تشعر بالحاجة إلى الاختباء خلف الأقنعة القديمة.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية، ليست في أنّ العالم تحكمه القوة، بل في أن العالم بدأ يتوقف عن التظاهر بغير ذلك.

وكان أرنولد توينبي يرى أنّ الحضارات لا تُهزم من الخارج بقدر ما تنهار عندما تفقد إيمانها بالمبادئ التي قامت عليها.

وربما يكون هذا هو السؤال الذي يواجه النظام الدولي اليوم: ليس ما إذا كان قادرا على فرض القوة، بل ما إذا كان لا يزال قادرا على إقناع العالم بشرعية استخدامها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك