في السنوات الأخيرة، تحولت رياضة البيلاتس إلى واحدة من أكثر الرياضات انتشاراً حول العالم، رغم أنها ليست جديدة، بل تعود إلى ما يقارب القرن.
أصبحت البيلاتس جزءاً من نمط حياة عصري يواكب توجهات العناية بالجسم والصحة النفسية.
\وفي لبنان، كما في كثير من الدول، انتشرت استوديوهات البيلاتس، خصوصاً تلك المتخصصة بنمط الريفورمر، في مختلف المناطق، حتى بدا حضورها لافتاً في المشهد الرياضي.
فما سر هذا الرواج المتأخر لرياضة أثبتت فاعليتها منذ عقود؟تعود جذور البيلاتس إلى أوائل القرن العشرين حين ابتكرها الألماني جوزيف بيلاتس، الذي عانى في طفولته الربوَ ومشكلات صحية دفعته إلى دراسة قدرات الجسم البشري وسبل تعزيزها.
خلال الحرب العالمية الأولى، وفي أثناء احتجازه في بريطانيا، بدأ تدريب المعتقلين على تمارين ترتكز على التحكم في العضلات والتوازن والتنفس، وهي المبادئ التي أصبحت أساس هذه الرياضة.
لاحقاً، طوّر أجهزة مستوحاة من الأسرّة لمساعدة المصابين على استعادة حركتهم، مستفيداً من نوابض المراتب المعدنية، لتنشأ فكرة جهاز الريفورمر المعروف اليوم.
وقد أطلق جوزيف بيلاتس على منهجه اسم" علم السيطرة"، إذ تقوم فلسفته على التحكم الذهني بالحركة وتنفيذها بدقة بدلاً من التكرار العشوائي.
بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة وافتتاحه استوديو في نيويورك، بدأت طريقته تجذب المهتمين باللياقة والتعافي من الإصابات، بفضل قدرتها على تقوية عضلات الجذع وتحسين الأداء الحركي.
ورغم تاريخها الطويل، لم تحقق البيلاتس شعبيتها الحالية إلا خلال السنوات الأخيرة.
في هذا السياق، ترى المدربة لينا قصيبي أن جائحة كوفيد-19 لعبت دوراً أساسياً في ذلك، بعدما دفعت الناس إلى البحث عن نشاط يجمع بين الحركة والهدوء ويخفف من التوتر والضغوط النفسية.
فوجد كثيرون في البيلاتس بديلاً مناسباً عن التمارين العنيفة، وسرعان ما تحولت إلى ظاهرة واسعة الانتشار.
تشير قصيبي إلى أن استوديوهات الريفورمر كانت موجودة في لبنان منذ سنوات، إلا أن التسويق لها لم يكن بالحجم الحالي.
كما أن الرياضة نفسها مناسبة للمبتدئين ولمن يعانون إصابات أو قيوداً حركية، ما وسّع قاعدة ممارسيها.
ومن أبرز عناصر الجذب فيها أنها تساعد على شد الجسم وتحسين مظهر العضلات وحرق الدهون، من دون الاعتماد على تمارين الكارديو القاسية، إضافة إلى أن طبيعة الصفوف الصغيرة تمنح المشاركين شعوراً بالخصوصية والراحة.
ورغم ارتباط البيلاتس في أذهان كثيرين بأجهزة الريفورمر، فإن هذا ليس شكلها الوحيد.
فهناك أيضاً مات بيلاتس (Mat Pilates) الذي يُمارس على السجادة الرياضية، وهو الشكل الذي ابتكره جوزيف بيلاتس أساساً قبل تطوير الأجهزة.
ساهمت زيادة الوعي بمشكلات الظهر والعنق في انتشار البيلاتس عالمياًتوضح قصيبي أن الاعتقاد بأن الريفورمر أكثر فعالية ليس دقيقاً، إذ إن التمارين على السجادة قد تكون أكثر صعوبة أحياناً لأنها تعتمد بالكامل على وزن الجسم وقوته الذاتية.
أما الأجهزة فتؤمن دعماً ومقاومة تساعدان على تنفيذ الحركات وتعزيز القوة تدريجياً.
لذلك، لا يمكن اعتبار أحد النوعين أفضل من الآخر، فاختيار النمط المناسب يعتمد على مستوى المتدرب وأهدافه وحالته البدنية.
كما تنقسم البيلاتس إلى المدرسة الكلاسيكية التي تستند إلى 34 حركة وضعها المؤسس، والمدرسة الحديثة التي أضيفت إليها عناصر من تمارين القوة واليوغا وأساليب تدريب أخرى.
ومع اختلاف الأنماط، تبقى المبادئ الأساسية ثابتة، وهي التنفس والتركيز والتوازن والمحاذاة الصحيحة للجسم في أثناء الحركة.
النتائج التي تحققها البيلاتس تتأثر بطبيعة التمارين ومستوى شدتها والأوزان المستخدمة فيهاأما النتائج التي تحققها البيلاتس، فتتأثر بطبيعة التمارين ومستوى شدتها والأوزان المستخدمة فيها.
فكلما زادت المقاومة ارتفعت القدرة على بناء الكتلة العضلية وتنشيط عملية الأيض، شأنها في ذلك شأن مختلف أنواع الرياضة.
تبقى النساء الأكثر انجذاباً إلى هذه الرياضة، إذ تشكل نسبة ممارستهن ما بين 70 و80% من إجمالي المشاركين.
وترى قصيبي أن المرأة، بما تواجهه من مسؤوليات وضغوط بين العمل والعائلة والحياة اليومية، تبحث غالباً عن مساحة تستعيد فيها توازنها الجسدي والنفسي.
ومن هنا، تشكل الرياضة عموماً، والبيلاتس خصوصاً، فرصة للعناية بالنفس وتخفيف التوتر وتعزيز القدرة على مواجهة متطلبات الحياة.
بدورها، تربط المدربة مايا حجيج انتشار البيلاتس بالتغيرات التي طرأت على نمط العيش الحديث.
فالجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات أدى إلى زيادة مشكلات الظهر والعنق وسوء الوضعية، فيما تقدم البيلاتس حلولاً فعالة لهذه المشكلات عبر تقوية العضلات العميقة وتحسين التوازن والمحاذاة الجسدية.
كما ازداد الوعي في السنوات الأخيرة بأهمية التمارين منخفضة الشدة التي تحقق نتائج ملموسة من دون الضغط الزائد على المفاصل أو رفع خطر الإصابات.
تضيف حجيج أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت بقوة في تعزيز شعبية البيلاتس، خاصة مع مشاركة المشاهير والمؤثرين لتجاربهم مع تمارين الريفورمر.
غير أن الانتشار لا يعود إلى التسويق وحده، بل إلى الفوائد العملية التي يلمسها الممارسون، مثل زيادة المرونة، وتحسين التوازن، والوقاية من الإصابات، وتعزيز الصحة النفسية من خلال التركيز والتنفس الواعي.
كما تتميز البيلاتس بأنها تركز على جودة الحركة لا على عدد التكرارات، وتجمع بين القوة والمرونة والتوازن ضمن برنامج واحد.
تؤكد مدربة الريفورمر، كارول معلوف، التي تعمل بين لبنان وفنلندا، أن المشهد متشابه في أوروبا ولبنان، ما يدل على أن انتشار البيلاتس ظاهرة عالمية.
وترى أن وسائل التواصل ساعدت على إبراز هذه الرياضة لأنها تبدو جذابة بصرياً ويسهل تقديمها عبر مقاطع الفيديو القصيرة.
تشدد معلوف على أن جوهر البيلاتس لا يكمن في الأجهزة، بل في التقنية والمبادئ التي تقوم عليها.
فالأجهزة ليست سوى أدوات تساعد على تطوير القوة والوعي بالجسم وتحسين التحكم في الحركة.
تلفت إلى أن هذه الرياضة قادرة على تلبية احتياجات متنوعة، سواء كان الهدف زيادة المرونة أم التعافي من إصابة أم بناء القوة العضلية، بغض النظر عن العمر أو مستوى اللياقة البدنية.
ورغم الصورة الشائعة التي تربط البيلاتس بالنساء، يؤكد المدربون أنها رياضة مناسبة للرجال والنساء على حد سواء، ويمكن ممارستها في مختلف الأعمار.
وربما تكمن إحدى أهم أسباب نجاحها في قدرتها على التكيف مع احتياجات متنوعة، وفي دورها الفعال في الوقاية من مشكلات جسدية كثيرة والمساعدة على معالجتها، ما يجعلها خياراً مستداماً يتجاوز حدود الموضة والصيحات العابرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك