في تحرّك لافت بدأت مفاعيله تتضح منذ يوم الأربعاء الماضي، التقى سلطان عُمان هيثم بن طارق برئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن في مسقط غداة زيارة لوفد التفاوض الإيراني الذي ضمّ رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي.
بالتزامن، وفي مقابلة مع صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية تحدّث رئيس الوزراء القطري عن «إطار أمني إقليمي جديد مع إيران» لكن البارز في تصريحاته تمثلت بقوله إن قطر «ستعارض أي خطة إيرانية لفرض رسوم على عبور مضيق هرمز»، وبأنه «لا يمكن قبول وضع تكون فيه بوابتنا للعالم تحت سيطرة طرف واحد».
استخدام محمد بن عبد الرحمن ضمير الجماعة في قوله «بوابتنا» لا يقتصر بالتأكيد على قطر بل يتضمن أيضا الدول العربية المطلّة على الخليج، بما فيها العراق.
قبيل الزيارة أعلنت سلطنة عُمان تحديد مسارين مؤقتين شمال وجنوب الممر الملاحي الحالي في المضيق لتسهيل المرور الآمن للسفن المغادرة للمنطقة وبالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية مؤكدة أن مسقط لن تفرض أي رسوم عبور بما يتماشى مع نتائج أحدث جولة من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران.
بالترادف مع تفاعل دول الخليج مع هذا الطرح الذي عبّر عنه التحرك القطري وإعلان عُمان توفير ممر آمن لعبور السفن عبر مضيق هرمز، وصل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى المنطقة، وعقدت دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة، أمس الخميس، اجتماعا في العاصمة البحرينية المنامة حضره وزراء خارجية الدول المعنية، وعبّر روبيو عن هذا التوجه بالتصريح إن الولايات المتحدة «لن تقبل بأي اتفاق يتعارض مع مصالح دول الخليج»، فيما رأى وزير الخارجية البحريني، عبد اللطيف الزياني، محقا، إن «هذا وقت حاسم للمنطقة»، وبأن «أمن دول الخليج لا يقبل التقسيم».
الأمر اللافت الآخر في هذا الملف، كان إعلان الحرس الثوري الإيراني، أمس الخميس، رفضه التقارير عن إنشاء «ممر بحري مؤقت».
تجنّب البيان ذكر عُمان فتحدث عن أن «بعض الجهات أعلنت مسارا جديدا لعبور السفن من مضيق هرمز دون تنسيق مع إيران، وهذا أمر غير مقبول وخطير للغاية»، مؤكدا أن المسارات التي تعلنها إيران هي الوحيدة المسموح باستخدامها للعبور، ومهددا بـ»اتخاذ الإجراءات اللازمة بحق السفن المخالفة».
لا يُعيد بيان «الحرس الثوري» تأكيد سيطرة إيران الحصرية على المضيق، بل يوحي، بطريقة غير مباشرة، إلى سيطرته على القرار في إيران أيضا، ويؤشر على خلاف محتمل بين الإدارتين السياسية والعسكرية وهو أمر لا تخفيه القيادات الإيرانية عمليا، ويمكن التقاطه في البيان الذي أصدره مرشد الجمهورية مجتبى خامنئي حول مذكرة التفاهم.
يغضّ البيان النظر عن زيارة الوفد الإيراني إلى عُمان، التي تواقتت مع زيارة رئيس وزراء قطر، ولا يتطرق إلى التصريحات المشتركة التي صدرت والتي تؤكد حقوق إيران وعُمان المشتركة «السيادية على مياههما الإقليمية»، وهو من شأنه أن يقوّض معنى هذه السيادة الإقليمية، وإذا انسحب هذا على عُمان وقطر، اللتين أخذتا مواقف متوازنة خلال الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، فهو أكثر انسحابا على باقي دول الخليج العربي.
تشير تحرّكات دول خليجية ومجلس التعاون عموما إلى محاولة دول الخليج العربي استيعاب الدروس العميقة التي أنتجتها الحرب الأخيرة، وإعادة تموضعاتها إقليميا بناء عليها، وكذلك إعادة حساباتها مع إيران، وهو أمر كان قادة الجمهورية الإسلامية يسعون إليه لسنوات طويلة.
تواجه هذه المساعي صعوبات جمّة بعضها يمتّ بصلة للحرب الأخيرة، ولما تعرّضت إليه بلدان الخليج من أشكال الضرر الاقتصادي والهجمات العسكرية، وبعضها أقدم ويتعلّق بشكاوى هذه الدول من التدخّلات الإيرانية، والنفوذ العابر للحدود.
ليس هناك بالتأكيد اتجاه موحد لدى كل دول الخليج العربي، لكنّ هناك اتجاها عاما يريد الحفاظ على مصالح المنطقة وعدم عودة الحرب إليها.
تتراوح إيران، في المقابل، بين اتجاهين، يرغب أحدهما أيضا في استيعاب دروس الحرب، والعقود الأخيرة، ويطمح لحلول وسط تعزز السلام وعلاقات الاستقرار والتنمية والازدهار في المنطقة، ويواجهه اتجاه ثوريّ عززت الحرب العدوانية على إيران لديه مشاعر الغضب من تحالف دول الخليج مع أمريكا ويرى فيما حصل فرصة تاريخية لفرض سيطرة إيرانية على الخليج.
يبدو مصير الخليج، وإيران، بهذا المعنى، معلّقا على إمكانية وصول المفاوضات إلى حل وليس إلى فرض الهيمنة بالقوة، لا من أمريكا، التي أدركت خطأها، ولا من إيران، التي لا مصلحة لها في مجابهة مفتوحة مع العرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك