العربية نت - الملك تشارلز دفع 30 مليون جنيه إسترليني كضرائب منذ توليه العرش القدس العربي - إيطاليا.. متظاهرون يطالبون بلدية روما بإنهاء تعاونها مع إسرائيل قناة الجزيرة مباشر - قراءة سياسية.. مضيق هرمز بين نصوص القانون الدولي وحسابات السياسية وكالة سبوتنيك - إعلام: إيران تتوقع تحقيق مكاسب سنوية غير متوقعة بنحو 40 مليار دولار من إعادة فتح مضيق هرمز العربي الجديد - اليمن: إحالة ملف الشهادات الجامعية المزورة إلى القضاء وكالة سبوتنيك - الوجبات السريعة تؤذي الدماغ قبل الجسم: دراسة تكشف آثارًا مقلقة على الذاكرة والمزاج وكالة سبوتنيك - الولايات المتحدة تعلن تقديم 150 مليون دولار مساعدات لفنزويلا لمواجهة آثار الزلزال العربي الجديد - رياضة البيلاتس... تمارين تغزو الأجسام والشاشات قناه الحدث - ارتفاع حصيلة ضحايا هجمات إسرائيل على لبنان إلى 4230 قتيلا و12179 جريحا القدس العربي - مستقبل أرنولد مع العراق يتحدد “بعد كأس العالم”
عامة

هزيمة إنسانية

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

من المؤكد أن مشكلة التعليم بدأت تأخذ منعطفاً خطيراً في العالم أجمع، إلا أنها مشكلة ذات طابع غريب متناقض في عالمنا العربي الإسلامي، كما أنها ذات دلالات أيديولوجية وسياسية خطيرة تجاه هذا المجتمع العربي ...

من المؤكد أن مشكلة التعليم بدأت تأخذ منعطفاً خطيراً في العالم أجمع، إلا أنها مشكلة ذات طابع غريب متناقض في عالمنا العربي الإسلامي، كما أنها ذات دلالات أيديولوجية وسياسية خطيرة تجاه هذا المجتمع العربي الإسلامي وانطلاقاً من ظواهره في الوقت ذاته.

أتصور أن الأغلبية العظمى من المعلمات والمعلمين حول العالم أجمع، وخاصة أعضاء الهيئات التدريسية في المراحل المتقدمة من التعليم، أي مراحل الثانوية والجامعة والتعليم العالي، يدركون تماماً وبالتالي ينعون حالة «التمثيل التعليمي» التي نمارسها كلنا، كل حسب دوره وموقعه، دون أن تكون هناك فحوى حقيقية للعملية التعليمية أو ناتج راسخ عنها.

كلنا نلعب أدوارنا، نحارب طواحين هواء، ندور في الدائرة الكاريكاتورية التي من طرف تُدخل أفراداً صغاراً في الساقية التعليمية والذين، طبيعياً، لا يملكون علوم المرحلة المقبلين عليها، ومن الطرف المقابل تُخرجهم من الساقية تماماً كما دخلوها، ليس لديهم أي من علوم المرحلة التي للتو انتهوا منها.

وفي ذلك، بدأت بعض الدول بعمل حظر على أدوات الذكاء الاصطناعي أو فرضت بعض القيود على استخدامه في قطاع التعليم مثل النرويج وإيطاليا، ، وتلك خطوة محمودة لمثل هذه الدول، من حيث محاولتها حماية العضلة العقلية للنشء، وإبقاؤها فاعلة ومستمرة في أداء عملها مبتعدة تماماً عن «مخدرات» الذكاء الاصطناعي التي تشل كل قدراتها.

بعض الدول الأخرى، مثل الولايات المتحدة، حاولت ضم الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية واحتواء أدواته على أمل الخروج بنتيجة إيجابية، لكن هذه المحاولات بقيت متناقضة مشتتة وذات نتائج غير فاعلة وكأنها تفسر الماء بالماء.

بعد بضع سنوات تعايشاً مع الذكاء الاصطناعي، وبعد محاولة عقد هدنة تعليمية معه، أرى شخصياً استحالة عقد معاهدة سلام مع هذه التكنولوجيا، فإما الذكاء الاصطناعي بكامل قدراته مصحوباً بشلل ذهني إنساني، وإما العقل البشري المعتمد على نفسه والعائد إلى استخدام قدراته القرائية، الكتابية، التحليلية، النقدية فقط لا غير.

لا يبدو، رغم المحاولات اليائسة للمؤسسات التعليمية الكبرى أن تجد طريقاً وسط، أن هناك مسافات متساوية يمكن قطعها بين التعليم والذكاء الاصطناعي الذي يستهدف إنهاء التعليم والحلول محله بشكل تام ونهائي.

الخطير في الموضوع أن الذكاء الاصطناعي بكل الخدمات الميسرة وسهلة المنال ومتسعة الإتاحة، خدمات تملكها كل البشرية، وفي الوقت ذاته لا يملكها أحد، خلخل القيم الأخلاقية بشكل عام عند البشر وخصوصاً الأجيال الحديثة منهم، ذلك أنه مسح تماماً مفهوم الحق الأدبي للكلمة والفكرة، وعرض مشاعاً مجانياً لكل كلمة وفكرة وأداء وإنتاج مكتوباً كان أم لفظياً أم مصوراً، مغنى أم مؤدى، بل كل وجه بشري وكل حركة جسدية، بل وكل عاطفة إنسانية وكل تفاعل إنساني طبيعي، ليتحول كل هذا الإنتاج الفكري والعقلي والمادي والمعنوي الإنساني إلى سلع استهلاكية يعاد تدويرها واستخدامها.

لم تعد هناك حقوق فكرية أو أدبية أو علمية، بل بات الذكاء الاصطناعي يسرق من ملايين البشر، ومنذ بدأ التاريخ المسجل لهم، أي منذ قرون عدة سابقة لظهور الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، الكلمات التي كتبوها والأفكار التي استنتجوها والعلوم التي اكتشفوها والرسوم التي رسموها والمنحوتات التي نحتوها والأغاني التي غنوها والحركات التي أدوها وكل فعل بشري تسجل ذات يوم في صفحة التاريخ الأدبية والعلمية، ليخلطها ويعجنها ويخبزها هذا الذكاء، وينتج بقدراته فائقة التطور نسخاً منقولة مزورة، لكنها أكثر تطوراً وإتقاناً ودقة، أحياناً أكثر جمالاً رقة وشاعرية، وأحايين أكثر كذباً وتأليفاً وأسطورية وخرافية.

ليست القيم الأخلاقية وحدها في خطر من حيث قبول البشر بسلوك السرقة الواضحة المباشرة دون أن يهتز لهم جفن أو يتأذى منهم ضمير، وليست القيمة التقديرية للعمل وحدها في خطر أيضاً من حيث ضياع شأن ومنزلة العمل المبتكر الإبداعي الإنساني، ولكنها قبل هذه وتلك، قيمة التفكير المنطقي العقلاني التي تعاني الخطر الأكبر، تلك الآخذة في الاختفاء يوماً بعد يوم مع تزايد الابتكارات الخرافية للذكاء الاصطناعي ومع ارتفاع نسبة إنتاجه المرئي والمسموع لكل نظرية مؤامرة غبية خطرت على بال بشر، ليمثلها هذا الذكاء صوتاً وصورة، وليثبتها في عقول البشر بشكل راسخ يسخر ويهدم قروناً طويلة من العمل الجاد والمعاناة والتضحية، وصولاً للتطور العلمي والأدبي المعاصرين.

وبسهولة، يصنع «الغباء الاصطناعي» فيديو يسطح الأرض على سبيل المثال، ليتلقفه خاوو العقول مستمتعين بلذة الخرافة التي باتت مرئية ومسموعة، وليتحول هذا الجهل إلى «حقيقة علمية» تهدم قروناً من العمل المضني والتضحية بالأمان، بل والحياة بحد ذاتها؛ لإثبات حقيقة كروية الأرض.

هذا الذكاء، إذا لم يقيده البشر وينظموه، سيعود بالبشرية، المؤهلة دوماً للعودة للخلف أكثر من التقدم للأمام، قروناً ضوئية للوراء.

إنه خطر حقيقي وجودي سيقضي علينا بأسهل وأوضع الطرق، سينهينا بسلب عقولنا وتركنا لقمة سائغة للغباء.

كل غرائب وتناقضات هذا الذكاء الاصطناعي، الذي استوردناه كما نستورد كل منتج إنساني ونستهلكه إلى أقصاه، تتبدى جلياً في مجتمعاتنا المحافظة المتدينة، تلك التي يصلي أصحابها خمس مرات في اليوم، يصومون ويحجون بيت الله أفواجاً، يثورون إذا ظهرت ركبة امرأة، ويقلقون إذا كانت خطوات وضوئهم غير متقنة، والذين بكل ورعهم هذا، لا يرون مشكلة كبيرة في تزوير ورقة طبية تمنحهم إجارة يوم عمل، إطلاق لفظة قاذعة على سيدة «سافرة»، شراء منتجات صهيونية، التباهي بالأصل والعرق، دع عنك استخدام هذا الغش «الذكي» الممنهج الغبي دون أدنى شعور بالمسؤولية أو الاستشكالية الأخلاقية.

أحياناً، يبدو لي أن بشرنا العرب والمسلمين يعتقدون أن للخالق اختصاصات تقييمية، مثل تقييم الصلاة والصيام والوضوء وعدد مرات التسبيح وختم القرآن وإتقان اختيار الجمرات وتكنيك رميها، أما الأمور الدنيوية فكأن الخالق لا يختص، في عقول هؤلاء، بتقييمها؛ فرب العرش لن يعاقب تزويرك ورقة رسمية أو سخريتك من أجنبي على أرضك، أو تباهيك بأصولك، أو تصويتك في أي مجال لفاسد يقربك أو يعدك باستفادة، هذه أمور دنيوية، في عقولنا العربية الإسلامية، لا تدون في كتاب الحسنات والسيئات.

ولا أدل على ذلك من أن أكبر مشكلة تعليمية في دولنا العربية الإسلامية هي الغش، هكذا ببساطة، وذلك من قبل زمن الذكاء الاصطناعي والآن إبانه.

واليوم، في ظاهرة عالمية أكثر إلحاحاً في منطقتنا العربية، يكبر الصغار شاقين طريقهم في الحياة تحايلاً وخداعاً، لا يتعلمون شيئاً حقيقياً، لا يهتمون بتحصيلهم من تخصصاتهم العلمية، ليتخرجوا دون معرفة حقيقية بفحوى هذه التخصصات، والأنكى والأمر أنهم يفعلون ذلك كله دون قلق على المستقبل أو وجع ضمير.

غريب وخطير ومميت ما يحدث اليوم لأجيال الغد.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك