الرباط ـ «القدس العربي»: أغضبت نتائج الدورة 56 من جائزة المغرب للكتاب التي أعلنت عنها وزارة الشباب والثقافة والتواصل، عددا من المثقفين والمبدعين، الذين عبّروا عن ذلك من خلال سجال محتدم في الأوساط الثقافية، وتدوينات على منصات التواصل الاجتماعي.
وكانت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قد أعلنت، في بيان اطلعت «القدس العربي» عليه، عن اختتام أعمال اللجان المكلفة بتقييم المؤلفات المرشحة للجائزة، التي شهدت مشاركة 162 مؤلفا موزعا على مختلف الأصناف الأدبية والمعرفية، حيث أسفرت المداولات عن تتويج كل من مخلص الصغير عن ديوانه «الأرض الموبوءة» ومنير السرحاني عن ديوانه «نسيت حذاءك يا أبي» بجائزة الشعر مناصفة، وتتويج أنيس الرافعي عن كتابه «جميعهم يتكلمون من فمي» وجمال بندحمان عن روايته «محنة ابن اللسان» بجائزة السرد مناصفة.
كما منحت جائزة العلوم الإنسانية مناصفة لعبد القادر ملوك عن كتابه حول فلسفة موسى بن ميمون، وإبراهيم مجيديلة عن كتابه حول شخصانية محمد عزيز الحبابي، في حين تقرر حجب جائزة العلوم الاجتماعية.
وفي باقي الأصناف، فاز عبد العالي دمياني بجائزة الدراسات الأدبية والفنية واللغوية عن كتابه «خطاب الغيرية في الرحلة الفرنسية إلى المغرب»، ونال جمال أبرنوص جائزة الترجمة عن نقله لكتاب «دراسة في أدب الأمازيغ»، بينما توجت فاطمة شبلي بجائزة الدراسات في مجال الثقافة الأمازيغية، وصالح أيت صالح بجائزة الأدب الأمازيغي عن روايته «سبعة أصباغ للاستياء».
واختُتمت التتويجات بمنح جائزة أدب الأطفال واليافعين مناصفة لكل من عبد اللطيف أيت النيلة عن «الإبرة الذهبية الكئيبة وقصص أخرى» وأحمد السبياع عن كتابه «ألبوم صور فارغ».
ورغم وجود أسماء وازنة في المشهد الثقافي والأكاديمي والإبداعي، أعضاء في لجان التقييم، مثل عبد الله ساعف وحسن بحراوي وبوشعيب حليفي وغيرهم، فقد كان وقع النتائج مخيبا لآمال فئة عريضة من المبدعين والمثقفين، الذين اعترضوا بشكل أساسي على اختيارات لجان التحكيم، حيث عبّر عدد من الروائيين والشعراء عن عدم اقتناعهم ببعض الأسماء المتوجة، معتبرين أن أعمالا أخرى كانت أحق بالتتويج أو أن بعض الأسماء البارزة تم تجاهلها.
كما انتقدوا مبدأ المناصفة مثلما حدث في دورات سابقة، ما أثار نقاشا بين من يعتبره اعترافا بتقارب المستوى الفني، ومن يرى أنه يعكس ترددا في الحسم ويضعف القيمة الرمزية للجائزة.
ورفعت بعض الأصوات الثقافية سقف التحدي من خلال المطالبة بنشر تقارير اللجان وتعليلات الاختيار، حتى يتضح للرأي العام الثقافي لماذا فازت أعمال معينة دون غيرها.
ولا يعتبر هذا النوع من النقاش جديدا على الجائزة، فتاريخها يؤكد أنها من أكثر الجوائز المغربية إثارة للجدل والسجال النقدي.
وبالنسبة لدورتها الجديدة، فقد عجت مواقع التواصل الاجتماعي بتدوينات حولت المشهد إلى ما يشبه محاكمة للجائزة ولجان التحكيم.
وتوعد الشاعر والناقد الجمالي، بوجمعة العوفي، بالكشف عن التفاصيل «بالحجة والدليل»، واستهل تدوينته قائلا: «أيها القابضون على رقاب لجان وزارة الثقافة ومعرض الكتاب نعرف أسماءكم، ارفعوا وصايتكم».
وبالصراحة والجرأة ذاتها، كتب القاص مصطفى لغتيري تدوينة جاء فيها: «تمنيت أن أهنئ الفائزين بجائزة الكتاب، لكنني للأسف أعرف كما يعرف الجميع، بأنها جائزة مغشوشة وفاسدة»، وأضاف: «شخصيا توقفت عن المشاركة فيها منذ سنوات، بعد أن تأكدت من فسادها».
أما الشاعر عبد الجواد العوفير، فقد أعلن «بكل فخر خسارة (سماء بضفيرتين) جائزة المغرب للكتاب، لكنها ربحت الحقيقة والمعنى».
وحسب تدوينته فإن «هذه المجموعة، التي كتب عنها العديد من المبدعين والنقاد الكبار بحب وشفافية، ربحت الشعر، وربحت كل من قرأها بحب وعينين مفتوحتين على المغامرة».
وصرح في التدوينة ذاتها أنه لم يكن يود المشاركة لأنه يعرف «مسبقا أنها مسابقة للريع والزيف، لكن إلحاح شاعر صديق هو من ألقى زهرة أمل في هذه الصحراء القاحلة»، وزاد معبرا عن فخره بأن مجموعته «خسرت كل هذا الوهم، وكل هذا السواد الذي يحيط بنا»، كما عبّر عن ندمه لأنه شارك «في هذه المهزلة منذ البداية»، متفهما عزوف العديد من الأسماء عن المشاركة، متسائلا: «هل أصبح منطق الإخوانية هو الذي يحكم وحده؟ » ومقترحا على الوزارة «أن تقطع مع هذه الممارسات التي قتلت جائزة المغرب للكتاب، وأن تعيّن لجانا محايدة تنتصر للنص وللحقيقة».
من جهته، استشهد الروائي خالد أخازي في تدوينته بما نشره الأديب والناقد مصطفى الشليح، موضحا أنها صرخة نقدية وضعت حقيقة الجائزة أمام مفارقة مؤلمة، حيث تسوّق كحدث وطني في حين يعيش الواقع الثقافي قطيعة تامة معها.
ووفق أخازي، فإن الشليح يرى من خلال تساؤله الوجودي حول الجائزة، ووصفها بـ «العبث» و»السُّؤر» (وهو ما تبقى من الشيء بعد الاستهلاك)، أن هذه الالتفاتة أصبحت عملية استهلاكية مفرغة من محتواها النقدي، وتحولت إلى مسرحية إدارية تكتب نصوصها وفق معايير الترضية والمجاملات بعيدا عن التنافسية الإبداعية.
ويتجلى هذا العبث، يوضح أخازي، في التناقض الصارخ بين الضجيج الإعلامي، الذي يرافق إعلان النتائج، والفراغ النقدي والقرائي الذي يليه، فالجائزة لا تخلق نقاشا في الكليات، ولا تحرك مياها راكدة في الندوات، ولا تثير فضول القارئ العادي.
ورفعت بعض التدوينات سقف المكاشفة نحو أسئلة بنيوية، حيث كتب الروائي ياسين كني: «بغض النظر عن الفائزين والنقاش الدائر ككل نسخة حول من يستحق ومن لا يستحق، ومن فاز بالاستحقاق ومن فاز بانتمائه للشلّة، فإن أهم ما يجب أن نحلله هو عدد المشاركين».
وزاد موضحا: «في الوقت الذي يشارك فيه المغاربة بالمئات في الجوائز خارج الحدود، حتى تلك الجوائز التي قيمتها المالية ضعيفة، لا يشارك إلا العشرات وأقل في جائزة المغرب للكتاب، وهذا طبعا يسائل الثقة في المؤسسة التي تشرف على الجائزة، بل الثقة في الوزارة المشرفة، ويسائل أيضا تاريخ هذه الجائزة وقيمتها الرمزية عند النخبة المبدعة التي تكتب ولم تعد تنتظر شيئا من الوزارة».
وفي قراءة هادئة، يرى الشاعر والكاتب عبد الهادي روضي أن اللغط والسخط المتكررين يعودان في عمقهما إلى غياب مشروع ثقافي حقيقي وقلق إبداعي إنساني لدى كل من الوزارة الوصية والكتاب أنفسهم، مما أنتج نصوصا متخبطة تفتقد لمفهوم «التجربة» الحقيقية.
ودعا روضي المثقفين والكتاب إلى مصالحة ذاتية تنطلق من المعرفة النقدية والتقييم الموضوعي الذاتي، خاصة أن الجائزة تظل خاضعة لتقلبات وأمزجة المحكمين.
وفي ختام تعليقه، بارك للمتوجين.
يشار إلى أن كل دورة من دورات جائزة المغرب للكتاب تعيش على إيقاع الجدل، لكن أشهر خلاف حولها يعود إلى دورة 2021، حين تقدم تسعة كتاب ومفكرين توجوا «مناصفة» بطلب لوزارة الثقافة للحصول على المكافأة المالية كاملة دون تجزيء، وهو ما ردت عليه الوزارة بسحب الجائزة منهم نهائيا، ليلجأ الكتاب إلى القضاء الإداري الذي أنصفهم في النهاية وقضى بإلغاء قرار السحب الوزاري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك