في خضم انشغال السودان بالحرب والأزمات السياسية والاقتصادية، تمر أحياناً قرارات استراتيجية قد يتجاوز أثرها عمر الحكومات والأجيال , ومن بين هذه القرارات ما يتردد حول اتفاقية امتياز تعدين النحاس بولاية البحر الأحمر لمدة ثلاثين عاماً لصالح شركة صينية، مقابل استثمار يقدر بنحو 300 مليون دولار، وحصة سودانية تبلغ 30% من الأرباح.
القضية هنا ليست موقفاً من الصين، ولا رفضاً للاستثمار الأجنبي، ولا دفاعاً عن وزير أو هجوماً عليه؛ القضية أبسط وأعمق- هل يدرك السودان القيمة الحقيقية للنحاس في الاقتصاد العالميالجديد؟ النحاس- نفط القرن الحادي والعشرينلعقود طويلة كان النفط هو المعدن الاستراتيجي الأول، أما اليوم فإن النحاس يتقدم بسرعة ليصبح “عصب” الاقتصاد الرقميفالثورة العالمية في السيارات الكهربائية، الطاقة المتجددة، الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، تعتمد بصورة متزايدة على النحاستشير التقارير العالمية إلى عجز متزايد في إمدادات النحاس خلال العقد القادم، مما يعني أن قيمته المستقبلية ستكون أعلى بكثير من قيمته الحاليةمقارنة بين عقلية الأمس وعقلية المستقبل -وجه المقارنةعقلية الموارد (الأمس)عقلية الاستدامة (المستقبل)المدةعقود طويلة وثابتةعقود قصيرة مع بنود تمديد مشروطةالعائد نسبة ربح ثابتةعائد مرتبط بسعر السوق العالمي التكنولوجي لشراء جاهزنقل معرفة وتدريب محليا لتنمية إيرادات لخزينة الدولة تنمية مجتمعية ومشاريع محلية تحديات العقد الطويل هل من الحكمة منح امتياز يمتد لثلاثين عاماً وفق شروط ثابتة في سوق يشهد تغيرات متسارعة؟إن أخطر ما في العقود طويلة الأجل هو احتمال تحولها إلى “عقود إذعان” مع مرور الوقتالدول الرائدة مثل تشيلي وزامبيا لم تعد تعتمد على نسب ثابتة، بل طورت أنظمة متدرجة تربط عوائد الدولة بأسعار السوق العالمية، بحيث تزداد حصة الدولة كلما ارتفعت الأسعارما وراء الأرقام- التنمية والبيئةإن الاقتصاد الحديث لا يقيس نجاح الصفقات بحجم الاستثمار الأولي فقط، بل بـ “المحتوى المحلي”-العمالة والتدريب- إلزام الشركة بتوظيف وتدريب الكوادر السودانية في المناصب الفنية والإدارية العليا، لا مجرد العمالة اليدويةالأمان البيئي- في بيئة حساسة كالبحر الأحمر، يجب أن يتضمن العقد معايير صارمة للتخلص من المخلفات الكيميائية وتحمل الشركة المسؤولية القانونية والمالية عن أي أضرار بيئيةالتنمية المحلية- المواطن الذي يعيش فوق الثروة يجب أن يكون المستفيد الأول من مشاريع البنية التحتية والخدمات التي تصاحب الامتيازإن المطلوب ليس إغلاق الباب أمام الشراكات الدولية، بل إخضاع أي اتفاقية استراتيجية لمراجعة اقتصادية مستقلة، ونشر تفاصيلها للرأي العام، وإدراج بنود مراجعة دورية كل خمس سنوات تسمح بإعادة التفاوضإن التاريخ لن يرحم الحكومات التي باعت ثروات المستقبل لتغطية عجز الميزانية الحاضروالسؤال الذي سيبقى مطروحاً , وهل نبيع النحاس وفق احتياجات اللحظة الراهنة، أم نديره باعتباره ثروة استراتيجية تخص الأجيال القادمة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك