في السياسة، ثمة من يعلو صوته كلما ابتعد عن موقع المسؤولية، وكأن المنصب كان يكبح اندفاع الخطاب، لا يقيّده بالمسؤولية.
وما إن يغادر المشهد حتى يبدأ بإطلاق أرقام واتهامات بحجم العناوين الكبرى، دون أن يرافقها ما يكفي من الأدلة.
هكذا عاد الوكيل السابق لوزارة المالية، مسعود حيدر، إلى واجهة الجدل بإطلاقه ادعاءً عن اختفاء 140 مليار دولار من المال العام؛ رقمٌ لو صحّ لكان من أكبر قضايا الفساد المالي في تاريخ المنطقة، وليس العراق وحده.
غير أن هذا الادعاء قوبل بنفي مباشر من وزيرة المالية السابقة طيف سامي، التي أكدت أن ما طُرح لا يستند إلى وثائق أو بيانات رسمية، وأن منظومة الإيرادات النفطية والمالية تخضع لآليات رقابية وتوثيقية تجعل تمرير مثل هذا الرقم أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.
ولم يكن مسعود حيدر شخصية بعيدة عن دوائر القرار.
فقد تسلّم منصب وكيل وزارة المالية مطلع عام 2023 بعد مسيرة سياسية تنقّل خلالها بين مواقع مختلفة، بدءاً من حركة التغيير “كوران”، مروراً بالحزب الديمقراطي الكردستاني، وصولاً إلى وزارة المالية.
لكن، وبحسب مصادر مطلعة على عمل الوزارة آنذاك، فإن تجربته داخل المؤسسة لم تدم طويلاً، وسط حديث عن خلافات إدارية وتراجع في صلاحياته، انتهت بإعفائه من منصبه في تشرين الثاني/نوفمبر 2023.
وتشير المصادر نفسها إلى أن أداءه داخل الوزارة واجه انتقادات تتعلق بضعف الإلمام بتفاصيل الإدارة المالية الاتحادية، فضلاً عن خلافات مع عدد من المسؤولين التنفيذيين، وهي عوامل أسهمت في إنهاء مهمته.
المفارقة أن الرجل الذي يطرح اليوم اتهامات مالية ضخمة، يجد نفسه في مواجهة تساؤلات عن مصداقية خطابه، خاصة في ظل الجدل الذي رافق مسيرته السياسية، والتنقل بين أكثر من جهة، وما رافق ذلك من انتقادات لارتباط مواقفه بالاستحقاقات السياسية أكثر من ارتباطها بثوابت واضحة.
كما أن ما نُشر سابقاً بشأن اتهامات بحقه في قضايا فساد أو رشى يبقى ضمن إطار ما تداولته بعض وسائل الإعلام، ولا يمكن اعتباره حقيقة ثابتة ما لم يصدر بشأنه حكم قضائي بات أو إعلان رسمي من الجهات المختصة.
في النهاية، تبقى الاتهامات الكبيرة بحاجة إلى أدلة كبيرة.
أما الأرقام التي تُلقى في الفضاء العام بلا وثائق، فإنها قد تصنع ضجيجاً سياسياً، لكنها لا تصنع حقيقة.
فالمشهد العام يحتاج إلى الوقائع أكثر من الشعارات، وإلى الوثيقة أكثر من المنصة، لأن مصداقية الخطاب تُقاس بما يقدمه من إثبات، لا بما يثيره من صدى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك