تحوّل المقاتلون المعارضون لطالبان والموجودون في مناطق حدودية بين باكستان وأفغانستان، إلى مصدر إضافي للتوتر بين كابول وإسلام أباد.
فقد شهدت هذه المناطق تصعيداً أمنياً من قبل كابول، إذ نفذت القوات الأفغانية غارات في 19 يونيو/ حزيران 2026، على مواقع في بلوشستان جنوب غربي باكستان وخيبر بختونخوا شمال غربي البلاد، رغم نفي إسلام أباد ذلك.
وبدأت بعض القبائل البشتونية في إقليم بلوشستان، منذ 20 يونيو/حزيران 2026، اعتصاماً مفتوحاً ونظمت تظاهرات ضد ما وصفته بوجود مسلحين معارضين لطالبان في المنطقة، والذين يعتقد أنه يتم تنظيمهم وتجنيدهم في بلوشستان ضد حكومة طالبان.
جاء ذلك بعد يوم واحد من إعلان وزارة الدفاع الأفغانية في بيان يوم 19 يونيو 2026، استهداف مراكز لتنظيم داعش- خراسان ومن وصفتهم بالمخربين في بلوشستان وخيبر بختونخوا.
وشددت على أن أفغانستان ستستهدف كل خطر يوجه إلى أمنها خارج البلاد، وحيث يتم إنشاؤه وتمويله.
وقالت الوزارة إن هذه المراكز" التي استُخدمت بالتعاون مع دوائر استخباراتية معادية لتخطيط هجمات ضد أفغانستان وتنظيمها، كانت بمثابة منصات انطلاق لعدة هجمات دامية في السابق".
وأضاف أنه" وفقاً للمعلومات الأولية، أصابت العملية أهدافها الرئيسية المحددة مسبقاً بنجاح"، من دون تقديم تفاصيل حول الخسائر.
لكن وزارة الإعلام الباكستانية نفت، في بيان يوم 19 يونيو 2026، ما قالته وزارة الدفاع الأفغانية، معتبرة ذلك أكاذيب ودعايات لا أساس لها من الصحة.
وقالت إن" هذه المزاعم كاذبة كعادتها"، مشيرةً إلى أن المعسكرات الإرهابية" تقع فعلياً وتُدار وتتلقى الرعاية من داخل الأراضي الخاضعة لسيطرة نظام طالبان الأفغاني".
واتهمت الوزارة كابول بإصدار مثل هذه البيانات للتغطية على ما وصفته بـ" رعايتها للإرهاب" في الدول المجاورة والمنطقة.
وذكرت من جهة ثانية أن" طائرة مسيّرة" تابعة لـ" نظام طالبان" اخترقت مجالها الجوي بالقرب من منطقة شينكو في مقاطعة خيبر، وأنه" تم رصدها وتحييدها على الفور".
لكن الواقع على الأرض وشهادات زعامات قبلية وبعض الإعلاميين المنتمين لشمال وجنوب غربي باكستان تعارض الموقف الرسمي الباكستاني، وتؤكد أن المسيّرات الأفغانية الانتحارية وصلت إلى العمق، وأصابت أهدافها بدقة.
كما تشير إلى أن هذه الأهداف شملت مركزاً لتدريب المسلحين في مقاطعة خيبر القبلية (يعتقد في الأوساط القبلية أنه تابع لتنظيم داعش فرع خراسان) ومزرعة ودار ضيافة لزعيم قبلي يدعى فيض الله خان في إقليم بلوشستان.
تصاعد التوتر بين كابول وإسلام أبادومنذ فبراير/ شباط 2026 تصاعدت التوترات بين كابول وإسلام أباد مع تزايد الاشتباكات الحدودية بين البلدين، حيث تتهم إسلام أباد حركة طالبان الأفغانية بإيواء متشددين يشنون هجمات داخل باكستان ودعمهم.
وتنفي كابول ذلك، وتقول إن الأنشطة المتشددة مشكلة داخلية باكستانية.
وتتعلق هذه التوترات بقضايا أمن الحدود وأنشطة الجماعات المسلحة، فضلاً عن تبادل الاتهامات بشأن استخدام هذه الجماعات لأراضي الطرف الآخر لشن هجمات عابرة للحدود.
ومنذ ذلك الحين دخلت عدة دول على خط الوساطة بين كابول وإسلام أباد لخفض التصعيد، من بينها الصين والسعودية.
وقبلها في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 كانت هناك وساطة قطرية وتركية، أفضت إلى توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في الدوحة بين كابول وإسلام أباد.
ومع تصاعد التوترات بين كابول وإسلام أباد وتبادل الضربات، أعلن وزير الدفاع الباكستاني خواجه آصف، في حوار مع قناة أي أر واي المحلية في 21 يونيو 2026، أن هناك مثلثاً نشطاً ضد باكستان وهو عبارة عن إسرائيل والهند وأفغانستان.
وأضاف أن إسرائيل والهند تقدمان المسيّرات لأفغانستان كي تضرب العمق الباكستاني.
في المقابل أعلنت حكومة طالبان، وفق تقارير برزت منذ 15 يونيو 2026، تشكيل قوة خاصة من الكوماندوز باسم القوة الهيبتية، منسوبة إلى اسم الزعيم ملا هيبت الله أخوند زاده، وسيكون قوامها في المرحلة الأولى 8 آلاف مقاتل.
هدف هذه القوة التمركز على الحدود مع باكستان والقضاء على أي خطر موجه من ذلك الجانب إلى الداخل الأفغاني.
وحول الضربات الأفغانية والتوترات بين كابول وإسلام أباد قال محمد بختيار خان، وهو أحد سكان منطقة بمقاطعة قلعه عبد الله التي يقع فيها منزل ومزرعة ودار ضيافة فيض الله خان باديزاي، إن مسيّرة واحدة في تمام الساعة الخامسة صباح يوم 19 يونيو 2026، استهدفت مزرعة لفيض الله خان.
محمد بختيار خان: ازدادت أعداد المسلحين والمقاتلين مع الزعيم القبلي فيض الله خان، بينهم كثير من الأفغانوأضاف محمد بختيار خان لـ" العربي الجديد"، أنه وبعد نصف ساعة استهدفت مسيّرة ثانية دار الضيافة، ثم بعد دقائق قصفت مسيّرة ثالثة المكان نفسه.
وأوضح أن مع سقوط المسيّرات ارتفعت سحب الدخان إذ نجم عنها تفجيرات كبيرة، مضيفاً أن بعض القبائل حاولت الوصول إلى المنزل لكن المنطقة كلها حوصرت من قبل عناصر مسلحة، تابعين للزعيم القبلي فيض الله خان.
وذكر محمد بختيار خان، أن فيض الله خان زعيم قبلي معروف وله ارتباطات قوية منذ القدم مع أجهزة الأمن.
ولفت إلى أنه في الآونة الأخيرة ازدادت أعداد المسلحين والمقاتلين معه، بينهم كثير من الأفغان.
هؤلاء المسلحون، بحسب محمد بختيار خان، مدربون على الأسلحة وبحوزتهم كل أنواع الأسلحة والسيارات، ويخرجون بالعشرات من دار الضيافة والمزرعة حيث يقيمون الحواجز الأمنية ويتجولون في المنطقة.
من جانبه قال الإعلامي الباكستاني طاهر خان لـ" العربي الجديد" إن الموقف الرسمي في باكستان لا يزال ينفي وقوع الهجمات بالمسيّرات داخل باكستان، ويعتبرها أكاذيب من جانب أفغانستان.
واستدرك أنه في حقيقة الأمر فإن المسيّرات استهدفت مواقع في باكستان، منها دار الضيافة ومزرعة للزعيم القبلي فيض الله خان باديزاي.
وشدد على أن هذه الأماكن المستهدفة لم تكن مراكز لـ" داعش" كما تقول وزارة الدفاع الأفغانية، " لكن هناك من يرى أن الرجل (فيض الله خان باديزاي) كان في مهمة تجنيد وتنظيم عناصر وضباط الجيش الأفغاني المنحل ضد حكومة طالبان".
طاهر خان: وصول المسيّرات الأفغانية إلى تلك المناطق، وإصابة أهدافها يعد أمراً خطيراً للغايةوبحسب طاهر خان، فإن المسيّرات أسفرت عن أضرار جسيمة، كما أن وصول المسيّرات الأفغانية إلى تلك المناطق، وإصابة أهدافها" يعد أمراً خطيراً للغاية، ويبدو أن جهود المصالحة بين الدولتين لم تفلح".
وأوضح طاهر خان أن وزارة الدفاع الأفغانية لم تعلن أن الهجمات جاءت انتقاماً لغارات جوية نفذها سلاح الجو الباكستاني شرقي وجنوبي أفغانستان في 10 يونيو 2026، " إلا أنها في اعتقادي انتقام لذلك، لكن لماذا وزارة الدفاع الأفغانية لم تشر إلى ذلك؟ لا نعرف السبب".
ما هي رسائل أفغانستان لباكستان؟لكن إعلان أفغانستان عن العملية الأخيرة يشير إلى أن كابول أرادت توجيه رسائل معينة إلى إسلام أباد.
وفي هذا السياق قال المحلل الأمني الأفغاني محمد إسماعيل وزيري، لـ" العربي الجديد"، إن هناك نقطتين مهمتين في بيان وزارة الدفاع الأفغانية، " أولاً أنه لم يذكر أنها (العملية) انتقام، وثانياً أنه أكد أن أي خطر موجه لأفغانستان سيتم القضاء عليه واستهدافه من حيث يتم تصديره قبل الوصول إلى أفغانستان.
هاتان النقطتان بحسب محمد إسماعيل وزيري، تشيران إلى أن" أفغانستان تخرج من موقع الدفاع والانتقام إلى موقع الهجوم على كل من يسعى التطاول على أمن البلاد".
منذ 20 يونيو 2026، شهدت مناطق في بلوشستان اعتصاماً مفتوحاً للقبائل، واحتجاجات ضد وجود المقاتلين الأفغان في المنطقة.
واعتبرت هذه القبائل أن المقاتلين يقيمون حواجز أمنية ويفتشون الناس ويمنعون السيارات من التحرك على بعض الطرق.
وبحسب القبائل فإن هؤلاء المسلحين يتجمعون في منطقة سرنانا تحت قيادة الزعيم القبلي محمد عيسي خان.
كما تعرض أحد شبان المنطقة للضرب على أيدي المسلحين بعد أن رفض السير في طريق آخر حدده المسلحون.
وعندما تدخلت نساء موجودات معه في السيارة، تطاول المسلحون عليهن وضربوهن، ما أدى إلى كسر ذراع إحدى النساء.
وعلى أثر الحادث خرج سكان سرنانا إلى الشوارع، ثم تضامنت معهم قبائل أخرى وبدأوا ينظمون الاعتصام، حيث أغلقوا الطرق الرئيسية ودعوا إلى نفير عام.
هل الاستخبارات الباكستانية متورطة؟قال سيد وليد آغا، الزعيم القبلي في المنطقة لـ" العربي الجديد"، إن" هؤلاء المسلحين الأفغان المعارضين لحكومة طالبان موجودون في المنطقة بالمئات يتم تجنيدهم ثم تنظيمهم في المنطقة بيد بعض الزعماء القبليين الذين لهم علاقات قديمة مع الاستخبارات الباكستانية".
وأضاف أن" الآن هؤلاء يقيمون حواجز أمنية ويفتشون السيارات، ويتطاولون على الرجال والنساء، لقد ضرب أحد وجهاء المنطقة ويدعى سيد نصير آغا، كما ضُربت نساء".
سيد وليد آغا: الاستخبارات الباكستانية تفعل كل شيء ولا تبالي بما يحدث للمواطنوذكر سيد وليد آغا أن" الاستخبارات الباكستانية تفعل كل شيء ولا تُبالي بما يحدث للمواطن، إذ تريد أن تمارس الضغط على حكومة طالبان".
وأضاف أن" صناع القرار في باكستان يدركون جيداً أن إسقاط حكومة طالبان لم يعد بمقدورهم".
وتساءل: " هؤلاء الجنود للجيش الأفغاني السابق ماذا فعلوا حينما كان العالم كله وراءهم، حتى يقوموا اليوم بأي شيء؟ ! " وفي رأيه" الهدف هو ممارسة الضغط على الحكومة الأفغانية وجعل هذه المنطقة خط النار الأول للدفاع عن باقي الأقاليم الباكستانية".
وشدد على أن" القبائل يقظة لا تسمح لمثل هذه الألاعيب، نحن ندافع عن أرضنا وعرضنا، ومطلبنا واحد، إخراج هؤلاء المقاتلين من مناطقنا".
واعتبر أن المسلحين" هم ضيوف الاستخبارات والجيش الباكستاني، بالتالي لينقلوهم إلى إقليم البنجاب، من دون ذلك لن نرجع إلى منازلنا وبإمكاننا أن نذهب إلى أبعد الحدود".
وبشأن المسيّرات الأفغانية، قال سيد وليد آغا إنها" أصابت الهدف بشكل دقيق".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك