انتهى أمس الخميس الإضراب القطاعي للبنوك والمؤسسات المالية في تونس الذي استمر لمدة ثلاثة أيام، من دون الحسم في الخلاف بين النقابات وأصحاب العمل بشأن قضايا عدة منها زيادة الأجور، ووسط توقعات بعودة التصعيد مجدداً داخل القطاع بعد إعلان الجامعة العامة للبنوك الاستناد إلى مجلسها القطاعي لمناقشة التحركات المقبلة من أجل تحصيل حقوق مالية ومهنية لـ25 ألف موظف.
وخاضت الجامعة العامة للبنوك والمؤسسات المالية إضراباً قطاعياً قالت إن نسبة المشاركة فيه بلغت 87%، وسط ردات فعل متباينة لدى التونسيين بشأن توقف الخدمات المصرفية والمالية، حيث لم يحظَ إضراب القطاع البنكي بحجم التعاطف الشعبي الذي ترافقه إضرابات قطاعات أخرى مثل التعليم أو الصحة أو النقل.
وقال الكاتب العام لنقابة البنوك والمؤسسات المالية سامي الصالحي إن الإضراب حق مشروع يكفله القانون، مؤكداً أحقية العاملين في القطاع المالي في الدفاع عن مكاسب مهنية ومالية تكفلها اتفاقيات القطاع.
وأكد الصالحي في تصريح لـ" العربي الجديد" أن غاية الإضراب لم تكن شل القطاع المالي، بل الدفاع عن الحق النقابي وضمان مستوى تأجير جيد للعاملين في القطاع، الذين يواجهون كغيرهم من التونسيين تداعيات التضخم على معيشتهم اليومية.
وأشار الصالحي في سياق متصل إلى أن النقابات ستعود إلى قواعدها من أجل تنسيق التحركات القادمة التي سيقررها المجلس القطاعي، مرجحاً تقرير خطوات تصعيدية جديدة.
وكشف إضراب القطاع المصرفي مفارقة لافتة؛ فرغم الأهمية المحورية للبنوك في الدورة الاقتصادية، بقي تأثير الإضراب على الحياة اليومية لجزء كبير من التونسيين محدوداً نسبياً، حيث تكشف بيانات رسمية حول الإدماج المالي أن أكثر من 50% من التونسيين ما فوق سن 18 ليست لهم تعاملات مالية مع البنوك، بينما يقدر عدد الأرصدة المفتوحة لدى المصارف بأكثر من 10 ملايين رصيد في بلد يقل عدد سكانه عن 12 مليوناً.
وفي تونس يهيمن الاقتصاد النقدي على أغلب المعاملات اليومية للمواطنين، حيث يعتمد عدد كبير منهم، خصوصاً في المناطق الداخلية والقطاع غير المنظم، على التعاملات النقدية المباشرة أكثر من اعتمادهم على الخدمات البنكية الحديثة.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الاقتصاد الموازي يستحوذ على نسبة هامة من النشاط الاقتصادي في البلاد، وهو ما يجعل فئات واسعة من المواطنين بعيدة نسبياً عن المنظومة البنكية، باستثناء عمليات سحب الرواتب أو بعض المعاملات الإدارية الأساسية.
ورغم محدودية تعامل التونسيين مع القطاع المالي، تمثل البنوك أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد في البلاد، حيث تمر عبر شبكة المصارف أغلب عمليات دفع الأجور والتحويلات المالية وتمويل المؤسسات والاستثمار والتجارة الخارجية والعمليات التجارية اليومية.
يؤكد الكاتب والمحلل الاقتصادي صهيب المزريقي أن محدودية التعاطف الشعبي مع إضراب موظفي القطاع البنكي سببها الخلط الحاصل لدى العامة بين ما يسجله القطاع من نتائج مالية إيجابية خلال السنوات الأخيرة، وحقوق الموظفين في الحصول على زيادات في الرواتب.
وقال المزريقي لـ" العربي الجديد": " حققت أغلب البنوك التونسية نمواً متواصلاً في أرباحها رغم تباطؤ الاقتصاد وارتفاع التضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما يزيد في توتير العلاقة بين التونسيين والجهاز المصرفي، رغم أن موظفي البنوك الذين يخوضون الإضراب يعانون بدورهم من تسلط كارتل البنوك".
وخلال السنوات الماضية، استفادت المؤسسات البنكية من توسع دورها في تمويل الدولة التي أصبحت من أكبر المقترضين في السوق المحلية، حيث توجه البنوك جزءاً متزايداً من مواردها نحو الاكتتاب في سندات الخزانة وتمويل العجز العمومي، وهي عمليات تعتبر أقل مخاطرة مقارنة بتمويل المؤسسات الاقتصادية الخاصة.
وأثار هذا التوجه انتقادات من قبل منظمات اقتصادية تعتبر أن تمويل الدولة أصبح أكثر جاذبية للبنوك من تمويل الاستثمار والإنتاج، ما يحد من قدرة المؤسسات على الحصول على التمويلات الضرورية للنمو وخلق مواطن شغل.
ووفق دراسة صادرة عن المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية (حكومي) في يناير/كانون الثاني الماضي تحت عنوان" أي تحولات من أجل نظام مالي منصف ومدمج وعصري؟ "، فإن المشاريع الاقتصادية الجديدة تَلقى نسبة رفض للتمويل من قبل البنوك تبلغ 42% من المطالب، مقابل 25% بالنسبة للمشاريع القديمة.
وترفض نقابات البنوك تحميل العاملين مسؤولية الخيارات الاستراتيجية للمؤسسات المالية، معتبرة أن الأرباح المرتفعة التي تحققها البنوك لم تنعكس بالقدر الكافي على الأجور وظروف العمل.
وفي عام 2022، أظهرت نتائج استطلاع قامت به منصة" برامبر" أن 79% من حرفاء البنوك في تونس غير راضين جزئياً أو كلياً عن خدمات القطاع البنكي، و69% منهم يُفكّرون في نقل حساباتهم إلى بنك آخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك