وفي تحرك عملي، أقرّت وزارة التعليم الصينية برنامجاً وطنيّاً تحت عنوان" رعاية القيم الرجولية" يستهدف الطلاب من مرحلة رياض الأطفال وحتى الثانوية، وتتضمن الخطة التعليمية الجديدة تدابير مكثفة تشمل" التوسع في توظيف وتدريب معلمي ومدربي الأنشطة الرياضية من الذكور، إلزام الطلاب بممارسة رياضات تنافسية تعتمد على القوة البدنية والخشونة، تحويل الثقافة الصحية إلى مادة أساسية إلزامية".
ولا تقتصر الخطة على الجانب البدني، بل تمتد لمواجهة ما تصفه بكين بـ" التأثير السلبي للمؤثرين ونجوم البوب" على وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث تبدي السلطات قلقاً بالغاً من تنامي شعبية نجوم الـ (C-Pop) المتأثرين بثقافة البوب الكورية، والذين يظهرون بملابس ومساحيق تجميل تُصنفها الإدارة الصينية كظاهرة" تخنّث" غريبة على المجتمع.
التحرك الحكومي جاء استجابةً لمقترح تقدم به" سي زيفو"، المستشار البارز في المؤتمر السياسي للشعب الصيني، والذي انتقد فيه بشدة السمات الحالية للأولاد الصينيين، واصفاً إياهم بـ" الضعف والخجل والدونية".
وأرجع زيفو هذه الظاهرة إلى غياب النموذج الذكوري، وهيمنة المعلمات الإناث على المدارس الابتدائية ورياض الأطفال، محذراً من أن" الميل الأنثوي" المتزايد يهدد بشكل مباشر بقاء وتنمية الأمة الصينية، لدرجة أن الشباب" لم يعودوا يرون في البطولات الحربية ميزة أو قدوة".
في السياق ذاته، يرى تانغ هايان، مؤسس نادي" بكين بويز" للرياضات البدنية، أن سياسة" الطفل الواحد" التاريخية في الصين عمّقت الأزمة، حيث ينشأ الطفل وحيداً ومحاطاً برعاية مفرطة من ستة بالغين (الوالدين والأجداد)، في بيئة تخلو من الانضباط الذكوري.
هذا القلق المشترك دفع شرائح واسعة من العائلات الصينية إلى إلحاق أبنائهم بمعسكرات رياضية قاسية بدأت تنتشر في بكين والمدن الكبرى.
وتهدف هذه المعسكرات إلى تعليم الأولاد الاستقلالية والمواجهة عبر تدريبات بدنية شاقة، وأنشطة تعزز الاعتماد على النفس مثل إجبارهم على غسل ملابسهم يدوياً.
وتبرر إحدى الأمهات إلحاق ابنها بهذه المعسكرات بغياب الأب المستمر بسبب العمل، مما جعل الطفل ينشأ وسط والدته وجدته ويفتقر للشخصية الأبوية الحازمة، ليصبح أكثر عرضة للتنمر في محيطه.
ويرى مراقبون دوليون أن هذه الإجراءات تتجاوز البعد الاجتماعي إلى أبعاد سياسية وعسكرية استراتيجية؛ إذ حذرت وسائل إعلام حكومية من أن" نقص الرجولة" جعل قطاعاً واسعاً من الشباب غير لائقين للخدمة العسكرية في جيش البلاد.
ويوضح جوشوا أيزنمان، المسؤول عن دراسات الصين في مجلس السياسة الخارجية الأمريكية، أن مخاوف الحزب الشيوعي ترتبط بعقدة تاريخية تعود إلى" قرن الذل" (1839-1949)، وهي الحقبة التي تعرضت فيها الصين لهزائم متكررة واستعمار من قوى دولية كبرى، ولذلك يرى الحزب أن البناء الجسدي القوي هو السلاح الاستراتيجي لمقاومة الغرب والتفوق عليه.
بينما لاقى البرنامج تأييداً واسعاً من قطاع من المواطنين عبر منصة (Weibo)، والذين تساءلوا: " كيف يمكن لهؤلاء الشباب الناعمين الدفاع عن البلاد في حال حدوث غزو خارجي؟ "، يرى منتقدون وحقوقيون أن هذه السياسات تعزز التمييز الجنسي القائم على النوع، وتقدم مفهوماً فضفاضاً وقسرياً للرجولة، هدفه الأساسي تسخير الأفراد لخدمة مصالح الدولة العسكرية والسياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك