قبل نحو شهرين ونصف، وقف آخر الصحفيين الشهداء في قطاع غزة أحمد وشاح، أمام كاميرا الجزيرة مباشر، لا خلفها كما اعتاد أن يفعل، لكي يرثي شقيقه الصحفي محمد، ويبعث وهو يذرف الدموع رسالة يائسة إلى العالم" أوقفوا الاحتلال عن استهداف الصحفيين".
ولكن مجددا، يثبت العالم عجزه عن الحيلولة دون أن تمتد يد إسرائيل متى شاءت، لتنال حصتها من دماء الصحفيين الفلسطينيين، في سبيل محاصرة الرواية وخنق أصحابها، لا في حرب الإبادة التي امتدت لعامين فحسب، بل حتى في الشهور الثمانية الماضية التي أعقبت إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
جلّ الصحفيين الشهداء الذين وصل عددهم إلى 265 شهيدا، كانوا ناشدوا مرارا بإيقاف المقتلة التي تتربّص بهم، حتى تمكّنت منهم، فيما واصلت إسرائيل على الدوام، وصم الصحفيين بـ" الإرهاب"، وتغليف ما اقترفته بحقهم بتبريرات زائفة وأدلة مفبركة، في حين لم تسمح منذ بدء الحرب وحتى اليوم بدخول الصحفيين الأجانب إلى القطاع.
وباستشهاده، ينضم أحمد إلى شقيقه الشهيد، وتسعة صحفيين آخرين، قضوا نحبهم جراء استهدافات مباشرة، ضمن الخروقات الإسرائيلية شبه اليومية لاتفاق الهدنة في القطاع، وسبقهم 254 صحفيا، خلال الحرب التي وُصفت بأنها الأشد فتكا بالصحفيين في التاريخ.
وتاليا الصحفيين الـ11 الذين اغتالتهم إسرائيل عقب الإعلان عن وقف الحرب في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
أحمد وشاح | 20 يونيو/حزيران 2026عمل مصورا لقناة الجزيرة مباشر واستشهد جراء استهدافه بمسيّرة إسرائيلية رفقة اثنين من أصدقائه داخل منزل في مخيم البريج وسط قطاع غزة.
وكان أحمد يصوّر تقارير شقيقه محمد، الذي شغل مراسلا للقناة إياها، وعند استشهاد الأخير، تكفل برعاية أبناء شقيقه ومتابعة شؤونهم، فضلا عن مسؤولياته الأسرية.
إسلام هشام قنيطة | 13 أبريل/نيسان 2026بلغ إسلام من العمر 28 عاما.
عمل محررا في وكالة" فلسطين الآن"، واستشهد جراء قصف إسرائيلي استهدفه وسط مدينة غزة.
محمد وشاح | 8 أبريل/نيسان 2026اغتيل محمد (40 عاما) خلال عودته إلى منزله في مخيم البريج، إذ أطلقت طائرة استطلاع إسرائيلية صاروخا أصاب سيارته بشكل مباشر على شارع الرشيد الساحلي، جنوب مدينة غزة.
وعُرف بشجاعته المهنية، ومهاراته العالية في بناء شبكة مصادر موثوقة، وحضوره اللافت أمام الكاميرا.
آمال شمالي | 9 مارس/آذار 2026استشهدت الصحفية آمال محمد شمالي (46 عاما) التي كانت تعمل مراسلة لراديو قطر، إثر قصف إسرائيلي استهدف خياما للنازحين في منطقة السوارحة وسط القطاع.
أنس غنيم وعبد الرؤوف شعث وصلاح قشطة | 21 يناير/كانون الثاني 2026استهدفت الطائرات الإسرائيلية مركبة الصحفيين الثلاثة وسط قطاع غزة، خلال تواجدهم في مهمة عمل رسمية لتصوير وإنتاج قصص صحفية، وتوثيق افتتاح مخيم جديد لإيواء النازحين، الذي تقيمه اللجنة المصرية لإغاثة غزة، بعد نحو شهرين فقط من إعلان الهدنة.
محمود وادي | 2 ديسمبر/كانون الأول 2025استشهد جراء قصف مسيّرة إسرائيلية أثناء عمله في وسط مدينة خان يونس جنوبي القطاع ضمن منطقة بعيدة عن الخط الأصفر.
محمد المنيراوي | 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025قضى المحرر والصحفي في صحيفة فلسطين محمد المنيراوي خلال قصف إسرائيلي استهدف خيمته التي نزح إليها في مخيم النصيرات وسط القطاع.
أحمد أبو مطير | 19 أكتوبر/تشرين الأول 2025شنّت إسرائيل في ذلك اليوم عشرات الغارات الجوية على غزة بزعم استهداف" مواقع تابعة لحماس"، وأصابت إحدى الغارات المقر الرئيسي لشركة فلسطين للإنتاج الإعلامي (PMP) وسط غزة، مما أسفر عن استشهاد مهندس البث أبو مطير.
صالح الجعفراوي | 12 أكتوبر/تشرين الأول 2025يُعد أول صحفي غزي يستشهد بعد إعلان وقف إطلاق النار، إذ قضى برصاص مسلحين في حي الصبرة جنوبي مدينة غزة.
وكانت إسرائيل وضعت الجعفراوي (28 عاما) على قائمة أهدافها، وفق أحد منشورات الشهيد على مواقع التواصل، كما مارس الاحتلال حملات تشويه ضده وتحريض عليه، لقاء تغطيته النشطة للإبادة الجماعية في القطاع.
لماذا تواصل إسرائيل قتل الصحفيين؟في الإجابة، يرى مراقبون تعديلا طفيفا على السؤال ليصبح ذا جدوى في نظرهم، " لماذا لن تواصل إسرائيل قتل الصحفيين"، أي ما الذي سيمنع الاحتلال من ذلك؟ أمام قدرته على الإفلات التام من العقاب، وإخفاق الحكومات والمؤسسات الدولية رغم الجهود التي بذلتها في إيقافه.
وخلص تقرير نشرته لجنة حماية الصحفيين" سي بي جيه" في فبراير/شباط الماضي، إلى أن إسرائيل تتحمل مسؤولية ثلثي الضحايا الصحفيين في العالم، مشيرة إلى أن جيش الاحتلال ارتكب عددا من عمليات الاستهداف للصحفيين، يفوق ما ارتكبته أي قوة عسكرية حكومية أخرى على الإطلاق.
وتخلص مديرة قسم المناصرة في اللجنة الدولية، أميليا إيفانز، إلى القول إن عمليات القتل المستهدفة للصحفيين المحليين داخل غزة، إلى جانب حظر دخول وسائل الإعلام الدولية، شكل ضربة مزدوجة تُعزز" سيطرة إسرائيل على الرواية".
وعموماً، ظلت إسرائيل تنتهج الأسلوبين ذاتهما منذ أن شنّت حرب الإبادة على القطاع في أكتوبر/تشرين الأول 2023، يتمثل الأول بمنع الصحفيين الدوليين من دخول غزة إلا بمرافقة عناصر الجيش الإسرائيلي وتحت عين الرقيب العسكري.
وأمام ذلك، صار اعتماد العالم على الصحفيين الفلسطينيين بشكل كامل، لتوثيق الأحداث في القطاع، وهنا لجأت إسرائيل إلى الأسلوب الثاني، والمتمثل بالانتقام من الصحفيين الغزيين عبر ملاحقتهم وتهديدهم والتحريض عليهم وتشويه صورهم وصولا إلى استهدافهم.
لكن الصحفيين رغم ذلك، واصلوا إرسال تقاريرهم والتصوير والبث رغم خطورة الميدان، وغياب التفاعل الدولي.
وخلال الحرب، ساقت إسرائيل تبريرا لحظر دخول الصحفيين الأجانب إلى القطاع، باعتبار أن وجودهم قد يكشف مواقع الجنود الإسرائيليين على الأرض ويعرضونهم للخطر.
لكن بعد وقف إطلاق النار الذي شهد خروقات إسرائيلية يومية، منعت إسرائيل صحفيي العالم من دخول القطاع، تحت ذريعة وجود" مخاطر أمنية" وتهديد لسلامة الصحفيين.
وفي السادس من شهر يونيو/حزيران الجاري، قررت المحكمة الإسرائيلية العليا استمرار الحظر المفروض أمام الصحفيين، عقب سلسلة من التأجيل بلغ 6 شهور، للرد على التماس قدّمته جمعية الصحفيين الأجانب في إسرائيل.
ومنذ بدء الحرب قبل نحو 1000 يوم، أرسلت مؤسسات صحفية دولية دعوات عديدة، أملا بالسماح للصحفيين الدوليين بدخول القطاع، وتغطية الأحداث هناك بشكل مستقل، لكن دون أن تلقى تلك الدعوات أي صدى.
وفي آخر أبريل/نيسان الماضي، وجّه كبار رؤساء تحرير أكثر من 20 مؤسسة إعلامية، بما في ذلك" بي بي سي" و" سي إن إن" ورويترز ووكالة أسوشيتد برس، رسالة مشتركة إلى إسرائيل، من أجل التحدث مباشرة للمدنيين في قطاع غزة، ونقل ما يشاهدونه مباشرة، وفق الرسالة، لكن دون جدوى.
تطبيع قتل الصحفيين في غزةوتشير مديرة المعهد الدولي لسلامة الأخبار (INSI)، إيلينا كوزنتينو، إلى أن غزة كانت المثال الأكثر" فظاعة ووضوحا ووقاحة" على تطبيع الهجمات على الصحفيين.
وأضافت في حوار مع معهد رويترز للصحافة" ليس الأمر أن لا أحد يكترث لمقتل الصحفيين، فالناس يكترثون.
المشكلة تكمن في عدم حدوث أي تغيير".
وأوضحت كوزنتينو بأن الواقع المأساوي الذي يواجه الصحفيين في القطاع لم يتغير، فالجيش الإسرائيلي يواصل استهدافاته، فيما غرف الأخبار تواصل عمليها بالطريقة نفسها، رغم فقدان عدد غير مسبوق من الصحفيين، وأضافت مستنكرة" تم استيعاب فقدان الصحفيين في ضجيج الصراع، واستمرت القصة، ولكن بدون هؤلاء الأشخاص".
وتحذر كوزنتينو من أن استمرار قبول فكرة استهداف الصحفيين ومنعهم من الوصول والتغطية، واعتبارها ثمنا لممارسة الصحافة، سيُعد بمثابة إقرار وموافقة على عالم تُحجب في الحقائق، وينجح الجاني بالإفلات من العقاب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك