الاتفاق الإيراني الأميركي، الذي شهد أجواءً إيجابية بين الطرفين بعد الجولة الأولى من المفاوضات، ما يزال يتأرجح بين التفاؤل بالمضي قدمًا وبين التشاؤم.
أصل المشكلة القائمة الآن، وربما تمتد إلى ما بعد الفترة المحددة لإنجاز اتفاق دائم، هو إسرائيل، التي تربط مواقفها وسلوكها بتحقيق شروطها، التي لا تتطابق مع الشروط الأميركية، وبالتأكيد لا تتطابق مع الشروط الإيرانية.
إسرائيل، التي تم إبعادها عن طاولة المفاوضات، تعمل على أن تفرض على طرفي المفاوضات أخذ الشروط الإسرائيلية بعين الاعتبار، عبر التحرك ميدانيًا في أكثر من جبهة متاحة، لإفساد أي اتفاق لا يلبي مصالحها وشروطها.
وبغض النظر عن المكابرة الإسرائيلية، فإن نتنياهو اضطر مرغمًا إلى الامتثال لأوامر الرئيس ترمب بوقف القصف على لبنان، وإتاحة الفرصة أمام المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية، لتقدم ما يمكن اعتباره سحب الشرعية عن ربط المسار اللبناني الإسرائيلي بالمسار الإيراني الأميركي.
وإسرائيل الرسمية، سواء على لسان نتنياهو أو وزير الحرب كاتس، تعلن جهارًا نهارًا أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب لا من لبنان ولا من غزة ولا من سوريا، وأنه، أي الجيش، سيحتفظ بوجوده في أي منطقة لضمان أمن شمال إسرائيل وإبعاد التهديدات، وأن إسرائيل لن تخضع لأي ضغوط خارجية أو داخلية.
وبينما تنعقد الجولة الخامسة من المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية، بإشراف ومشاركة من وزارة الخارجية الأميركية، يقوم الجيش الإسرائيلي، بالتزامن، بمعاودة القصف في جنوب لبنان، مما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى.
ولم يتأخر الرد من الحرس الثوري الإيراني، إذ أطلق تهديدًا حازمًا لإسرائيل، في حال واصل جيشها انتهاك الاتفاق في لبنان، غير أن الموقف الأميركي إزاء الخرق الإسرائيلي لم يتضح بعد.
والحديث عن الجولة الخامسة للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، في يومها الأول، التي يمثلها الجيش عن الجانب اللبناني، اتسم بالسلبية، ما أدى إلى تمديدها ليوم آخر، ويتضح أن الخلاف واسع بين الطرفين.
وتقدم إسرائيل اقتراحًا بأن يتولى الجيش اللبناني مهمة السيطرة على الأمن في مناطق شمال الخط الأصفر «النبطية على سبيل المثال»، بينما يصر الوفد العسكري اللبناني على انسحاب كامل للقوات الإسرائيلية جنوب الخط الأصفر قبل أي ترتيبات أخرى.
ويتضح أن لبنان الرسمي منقسم على ذاته بين المستوى العسكري، الذي يحاول الاستفادة من ربط المسار بالمسار التفاوضي الأميركي الإيراني، وبين المستوى السياسي، الذي يواصل العمل على فصل المسارين والتساوق مع الرؤية الإسرائيلية الأميركية.
والمعادلة التي يقوم عليها المستوى السياسي اللبناني والإسرائيلي تربط بين انسحابات متدرجة للجيش الإسرائيلي، وفق مدد غير محددة، بسحب سلاح حزب الله، بينما يرى المستوى العسكري اللبناني أن أي استحقاقات على الجانب اللبناني مرهونة بانسحاب الجيش الإسرائيلي من كل الأراضي اللبنانية.
ويدرك قادة الجيش اللبناني أبعاد ما تخطط له إسرائيل، التي تسعى لوضع الجيش في مجابهة دامية مع حزب الله وجزء كبير من المجتمع اللبناني، وإغراق لبنان في أتون حرب أهلية، الأمر الذي، بالتأكيد، يهدد وحدة الجيش اللبناني ويؤدي إلى تفككه.
إسرائيل تجد نفسها في زاوية حرجة، فهي لا تستطيع تحدي الرئيس ترمب، والمجازفة علنًا بإفشال حرصه على الحصول على اتفاق دائم مع إيران، وفي الوقت ذاته لا تستطيع القبول بابتلاع وهضم الهزيمة عبر الرضوخ.
ونتنياهو لا يزال يعلن أنه لم يكمل المهمة في إيران وغزة ولبنان، وأنه يصر على المتابعة، ويصدر أوامره للجيش الإسرائيلي بالتصرف على أنه يملك حرية الحركة في لبنان، مما يهدد بالتصعيد.
وفي إسرائيل، الكل يتفق على مواصلة الحرب، سواء في الحكومة أو المعارضة، وكذلك في المجتمع الإسرائيلي، الذي أبدى 54% منه دعمًا لمعاودة قصف العاصمة بيروت، كما أظهر استطلاع للرأي نشرته القناة 12 مؤخرًا.
وهذا الموقف والسلوك الإسرائيلي يضع الرئيس الأميركي أمام اختبار صعب، فعدا عن رغبته العارمة في متابعة المسار التفاوضي، وتفاؤله بإمكانية التوصل إلى اتفاق يضمن مصالح الولايات المتحدة، وبين محاولات إسرائيل الحثيثة لإفساد هذا المسار، خصوصًا بعد أن بدأت ثمار مفاوضات سويسرا تأتي أُكلها، حيث تم فتح مضيق هرمز، وتراجعت أسعار النفط، وأسعار البضائع، وأسعار تأمين السفن.
وحين تضع كل هذه التقاطعات والتحديات على طاولة البحث، فإنني أعتقد أن إسرائيل ستحصد فشلًا ذريعًا آخر، يتوج ما يرى 43% من الإسرائيليين أن إيران هي من انتصر في الحرب.
وليس أمام الدولة اللبنانية من خيارات سوى أن تعيد النظر في موقفها نحو التعامل مع موقف حزب الله والجيش اللبناني، ومغادرة الرهان على وعود أميركية غير موثوقة وأهداف إسرائيلية خبيثة، وإلا فإنها ستُتهم بالخيانة والتفريط، ما يشكل خطرًا على شرعية الرئيس اللبناني وحكومة سلام.
وهذا التوافق، في حال حصوله، سيعيد التوازن للسياسة اللبنانية، لكونه يؤدي إلى استبعاد وقوع لبنان في فتنة حرب أهلية، أرادتها إسرائيل طوال الوقت، وعملت على التحريض عليها بالتعاون مع أطراف لبنانية داخلية.
وإذا كانت الحرب الأهلية قد تراجعت بفضل وعي قيادة الجيش اللبناني، فإن عوامل كثيرة تستبعد استبدال هذا الفشل عبر إقحام سوريا في لبنان لتحقيق مهمة القضاء على المقاومة اللبنانية، وليس فقط سحب سلاحها.
وهل تُسلم إسرائيل بمثل هذا السيناريو؟ ولكن ماذا إن هرب نتنياهو نحو التصعيد في غزة والضفة الغربية؟ الجواب عند الرئيس ترمب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك