الناصرة- “القدس العربي”: كشف الأرشيف الرسمي في إسرائيل، الجمعة، مستندات تاريخية حول مداولات حكومتها بشأن العملية الفدائية الفلسطينية المعروفة بـ “عنتيبي”، في مثل هذا اليوم عام 1976، وفيها جرى اختطاف طائرة تابعة لـ “الخطوط الجوية الفرنسية” وعلى متنها ركاب إسرائيليون.
وانشغلت الصحافة العبرية بشكل واسع بالذكرى الخمسين للعملية التي تصفها بالبطولية، بالتركيز على عملية تخليص قوات كوماندوز إسرائيلية الركاب، وعلى ما جرى داخل الغرف الحكومية الموصدة خلال إدارة الأزمة والاستعداد للعملية التي تمّت في الرابع من تموز / يوليو 1976.
إسحاق رابين: يجب تحميل الحكومة الفرنسية مسؤولية مصير الإسرائيليين على متن الطائرة، وليس إعفاءها من هذه المسؤوليةوكانت الطائرة، في مثل هذا اليوم قبل خمسة عقود (27.
06.
1976)، قد هبطت في أثينا كمحطة أولى في طريقها من تل أبيب إلى باريس، وفي العاصمة اليونانية صعد عدد من فدائيي “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” وناشطان يساريان ألمانيان، وأمروا ربانها بالهبوط في مدينة بنغازي، حيث يجرى تزويدها بالوقود، ثم أقلعت إلى مطار عنتيبي قرب عاصمة أوغندا.
وهناك قام الخاطفون بإطلاق سراح معظم الأجانب، تاركين 105 من الركاب وأفراد الطاقم كرهائن، غالبيتهم العظمى من الإسرائيليين واليهود (من أصل نحو 250 راكبًا كانوا على متن الطائرة).
وطالب الخاطفون بصفقة تبادل تقوم فيها إسرائيل بالإفراج عن أسرى فلسطينيين مقابل إخلاء سبيل الركاب، لكن إسرائيل لجأت إلى الحيلة بالمماطلة وبالمفاوضات ريثما يتم الاستعداد لخيار عسكري من أجل تخليص الرهائن.
وتكشف المستندات التاريخية أن الخيار العسكري لم يكن مطروحًا في البداية على طاولة حكومة إسحق رابين، الذي طلب فحص إمكانية عقد صفقة.
ويقول أحد المستندات الأرشيفية إن نبأ الاختطاف وصل إلى رابين خلال اجتماع دوري لحكومته، فأوقف الحديث وقال: “يبدو أن طائرة الخطوط الجوية الفرنسية قد اختُطفت”.
وقد مرّت خمسون عامًا على أحداث 27 حزيران / يونيو 1976، تكشف “أرشيفات الدولة” في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، وللمرة الأولى، عن محاضر سرية لاجتماعات الحكومة ومجلس الوزراء والفريق الوزاري الخاص الذي شُكّل، والدراما التي أحاطت بقرار التفاوض مع الخاطفين.
كما تكشف عن الخداع والتخطيط الإسرائيلي المحكم قبل عملية عنتيبي، وعرض خطة العملية بالتفصيل على الوزراء، بالإضافة إلى تسجيلات فريدة لمناقشات رابين مع رجاله، ونصوص محادثات بين العقيد باروخ بار ليف والزعيم الأوغندي عيدي أمين.
إيلي مزراحي (في المحادثة مع شلومو أفينيري) عن الفرنسيين: “اسمع، إنهم خونة وعاهرات”وحسب هذه المستندات، طالب الخاطفون بالإفراج عن 53 أسيرًا في إسرائيل وخارجها، إلى جانب فدية مالية، مقابل إطلاق سراح الرهائن.
ووضعوا إنذارًا نهائيًا بإعدام رهينتين كل ساعة إذا لم تُلبَّ مطالبهم بحلول الأول من تموز / يوليو، لكنهم وافقوا لاحقًا على تمديد المهلة حتى الرابع من تموز / يوليو، بعد موافقة إسرائيل على التفاوض.
ولكن في اليوم الذي كان من المقرر أن ينتهي فيه الإنذار، وفي عملية إنقاذ دراماتيكية وغير مسبوقة، نُقل عناصر الجيش الإسرائيلي على متن طائرات نقل كبيرة إلى بُعد نحو 4000 كيلومتر من إسرائيل، واقتحموا الطائرة في أوغندا.
خلال عملية الإنقاذ المعقدة، قُتل ثلاثة رهائن إسرائيليين، وقائد قيادة العمليات الخاصة في جيش الاحتلال الإسرائيلي، المقدم يوناتان (يوني) نتنياهو، الذي قاد قوة الاقتحام، وهو شقيق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، كما قُتل حارس أوغندي في برج المراقبة.
لكن محاضر الجلسات تُظهر أن رابين لم يكن لديه في اللحظات الأولى سوى جهة اتصال مركزية واحدة: فرنسا، التي اختُطفت طائرتها.
ففي الاجتماع الحكومي نفسه الذي قاطعه لإبلاغ الوزراء بالاختطاف، أوضح رابين أن نيته كانت “تحميل الحكومة الفرنسية مسؤولية مصير الإسرائيليين على متن الطائرة، وليس إعفاءها من هذه المسؤولية”.
ومع ذلك، كانت إسرائيل في الوقت نفسه تعمل عبر قنوات سرية إضافية، في مناورات دبلوماسية منحتها وقتًا ثمينًا.
ويستدل من الوثائق الأرشيفية أيضًا أنه في الأول من تموز / يوليو، وفي اللحظة الأخيرة من الإنذار الذي وجّهه الخاطفون، أعلنت الحكومة الإسرائيلية استعدادها للدخول في مفاوضات معهم، رغم أنها كانت حتى ذلك الحين تتبنى “مبدأ عدم التفاوض مع الإرهابيين”.
وردًا على ذلك، رفض الطرف الآخر الإنذار، وسمح بأثر رجعي باستكمال الاستعدادات للعملية.
وحسب الأرشيفات، فإنه بعد نحو ساعتين من إعلان رابين عن عملية الاختطاف، وتحديدًا في الساعة 2: 30 ظهرًا، هبطت الطائرة الفرنسية المختطفة في بنغازي، ليبيا.
وشكّل رابين فريقًا وزاريًا خاصًا للتعامل مع القضية بشكل مستمر برئاسته، وضمّ الفريق وزير الأمن شيمون بيريز، ووزير الخارجية يغال آلون، ووزير القضاء حاييم تسادوك، ووزير النقل جاد يعقوبي، ووزير الدولة يسرائيل جليلي.
وخلال الأسبوع الذي سبق بدء العملية، عقد الفريق 18 اجتماعًا.
وفي مساء اليوم نفسه، أرسلت الحكومة الإسرائيلية رسالة إلى الحكومة الفرنسية، تتوقع منها ضمان سلامة جميع الركاب والإفراج الفوري عنهم.
وأكدت فرنسا موقفها نفسه، أي أنها مسؤولة عن أمن الركاب الإسرائيليين.
كانت إسرائيل في تلك الفترة قد حمّلت القيادي في “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” الشهيد وديع حداد مسؤولية خطف الطائرات، ولاحقه “الموساد”وتتضمن التسجيلات التي كُشف عنها اليوم محادثات بين رئيس ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، إيلي مزراحي، ورابين ومسؤولين آخرين.
فعلى سبيل المثال، سُجلت محادثة بينه وبين المدير العام لوزارة الخارجية آنذاك، شلومو أفينيري، شدد فيها على أن البلاغ الذي أُرسل من إسرائيل إلى فرنسا بشأن اختطاف الطائرة سيُنشر قبل وصوله إلى السلطات الرسمية في باريس.
واقترح مزراحي على أفينيري أن يُبلغ السفير الإسرائيلي في باريس السلطات الفرنسية بوصول البلاغ قبل نشره في وسائل الإعلام، كدرس من هجوم عملية معالوت، التي احتجز فيها فدائيون فلسطينيون طلابًا إسرائيليين رهائن، وطالبوا بتدخل فرنسا ورومانيا للتوسط في اتفاق لإطلاق سراحهم.
وأوضح مزراحي موقفه قائلًا: “لقد تورطنا في مشاكل مع الفرنسيين والرومانيين آنذاك بسبب أنواع مختلفة من البث الإذاعي الذي سمعوه سابقًا، وحدثت تعقيدات ومشاكل”.
وأضاف: “لن نخلق مجددًا إمكانية منح الفرنسيين ذريعة لاحقًا لعدم قدرتهم على فعل ذلك بهذه الطريقة، ولن نسمح أن يُلغي هذا إمكانية ممارسة ضغط كامل على الليبيين وما شابه ذلك.
أنا في هذه المسألة التي تتعلق بأرواح بشرية ورهائن، ولن أنسى ذلك أبدًا، لأني أتذكر جيدًا ما حدث بخصوص معالوت”.
وفيما يتعلق بنشر المعلومات في إسرائيل، قال مزراحي: “سأنتظر حتى يتم التأكد من وصولها إلى الرئيس الفرنسي أو إلى أعلى مستوى مسؤول، حتى لا يكون لديهم قضية لاحقًا.
اسمع، إنهم خونة وعاهرات”.
فرد عليه أفينيري: “هذا صحيح”.
وكانت إسرائيل في تلك الفترة قد حمّلت القيادي في “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” الشهيد وديع حداد مسؤولية خطف الطائرات، ولاحقه “الموساد”، وقيل إنه اغتيل في عملية تسميم بشوكولاتة بلجيكية كان معروفًا أنه يرغبها، لكن هذا لم يثبت ويؤكد رفاقه الأقربون أنه توفي متأثرا بمرض عضال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك