الجزيرة نت - مساع لتخليد الإرث.. بصمات ترمب تعيد رسم خارطة العاصمة الأمريكية وكالة سبوتنيك - مسؤول فلسطيني لـ"سبوتنيك": إدانة إسرائيل لـ"إرهاب المستوطنين" تستهدف تضليل الرأي العام رويترز العربية - روبيو: اتفاق إسرائيل ولبنان يرسي آلية لنزع سلاح حزب الله القدس العربي - ماذا تريد سوريا من لبنان؟ الجزيرة نت - سجن سهام بن سدرين يعيد تونس إلى جدلية الانتقام وتطبيق القانون قناة الغد - اكتشاف جديد قد يحسن علاج الحالات الالتهاب الرئوي الحادة قناة القاهرة الإخبارية - بعد الاتفاق الإطاري بين تل أبيب وبيروت.. هل يتم فصل الساحة اللبنانية عن إيران؟ قناة الغد - ترمب يهدد برسوم 100% على دول تفرض ضريبة على الخدمات الرقمية التلفزيون العربي - اعتقالات وإنشاء بوابات حديدية.. إسرائيل تُواصل انتهاكاتها جنوبي سوريا قناة التليفزيون العربي - مروان قبلان للتلفزيون العربي: إسرائيل تريد وضع الجيش اللبناني في صدام مع حزب الله
عامة

«مقامات الرخام» لأحمد زنيبر: شعرية الفقد وتمثيل الوجود

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

تستدعي الكتابة عن التجربة الشعرية لأحمد زنيبر تفجيرا لخزان اللغة، وتثويرا لسؤال المعنى وبحثا عن الذات العالقة في ثبج الوجود؛ فهي تجربة رؤيوية منساحة ليس لها أحياز، قُدّت من الحياة في توثبها وتلبست بال...

تستدعي الكتابة عن التجربة الشعرية لأحمد زنيبر تفجيرا لخزان اللغة، وتثويرا لسؤال المعنى وبحثا عن الذات العالقة في ثبج الوجود؛ فهي تجربة رؤيوية منساحة ليس لها أحياز، قُدّت من الحياة في توثبها وتلبست بالواقع في تموجاته، فأفرزت لنا شعرا مرقوما يقطر ندى من كثافته ويفيض ماء من غضارته ويعزف على مقامات من الجمال المنداح في أفق رحيب، هناك حيث تستقر الذات في برزخيتها لتتحول إلى كائن أثيري شفيف، فارغ إلا من الحب، «يمشي الهوينى» وينفض عنه السوى ليحظى بمعانقة المطلق؛ حيث تربض الذات المتعالية باحثة عن لحظة صفاء وسكون.

يمثل فقدان الأم عند أحمد زنيبر فقدانا للوجود، الذي استحال غربة وتلاشيا؛ فالأم رمز للوجود الممتلئ وشرفة نطل منها على العالم، وظل ظليل يقي من لهيب الحياة الحارق، وبسرديتها نستعيد المعنى الهارب.

يقول الشاعر في «حرير الحكاية» وقد استبد به الحنين إلى لحظة البدايات، حيث كان صوت الأم يملأ الوجود يقينا، وكانت حكاياتها حريرا مضمخا بمعاني الصفاء والنقاء، في تضايف مع الرخام في نعومته ورقته: «آه/ يا أمي/ ربما انحرفت عن اليقين/ كي أقر للعالمين/ أنك من يذكرني بالعبور الأول/ نحو الذات».

ولكن رغم الفجيعة والغياب يعاود الشاعر نقش طريقه نحو «مقامات الرخام» ملتمسا ذاته المنفلتة من عقالها ليشهد لحظة التجلي، يقول: «هي ذي الكلمات/ تأبطت مدائن الزهر/ فلم أجدني/ إلا رملا في السراب/ يحصي اندهاشه في التجلي».

ولفظة التجلي هي ذروة الانكشاف واليقين الذي يصل إليه العبد العارف، والرؤية فيه رؤية قلبية لا حسية.

هكذا يغدو التجلي مقاما نورانيا لا يدركه إلا من أعد العدة لهذا السفر الروحي في عوالم المطلق.

لكن شاعرنا ترد عليه واردات وأحوال لا تدوم؛ لأنها مرتبطة بلحظات الذكرى والحنين وما يرافقها من ندم على ما فات؛ وهو ما يعبر عنه حرف الشرط الذي يفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط.

يقول الشاعر: «لو كنت أدري/ لم ألمسك/ تمسك بالسواد/ ما ارتدّ المقام/ بياتا/ على وتر الفقدان.

/ لو كنت أدري/ لم ارتجف المساء؟ / ما هوى الحرف إلى حتفه/ يروي قصة النهر/ في مرقص الفقدان/ لو كنت أدري/ لم ارتعش الضياء/ ما غاص الجفن في اللهيب».

وهنا يتحول المقام لحنا موسيقيا يرمز إلى التحرر والانطلاق والتماهي مع الوجود، فالموسيقى لغة الوجود المطلقة إذا استلهمنا فكرة نيتشه عن القوة الديونيسية للموسيقى بوصفها احتفالا بالحياة، رغم ما تنطوي عليه من معاناة وألم.

وقد اختار الشاعر مقام البياتي؛ لأنه أنسب تعبيرا عن المناجاة والتأمل والعودة إلى الذات والبحث عن السكينة، بعد حالة التفجع التي عبر عنها الشاعر تارة بوتر الفقدان، وتارة أخرى بمرقص الفقدان؛ في سخرية لاذعة تنبني على المفارقة والرغبة في الخروج من دوائر المأساة.

إنّ نكبة الشاعر في الفقدان هي طقس من طقوس التطهير النفسي، والعزف على الأوتار هو تعبير عن إرادة الحياة وتحويل للقبح إلى تجربة جمالية تستحق أن تعاش، رغم المسك المتلفع بالسواد، ورغم ارتجاف المساء وارتعاش الضياء، وهي التراكيب التي ترمز إلى اقتراب النهاية واتساع مساحة اللايقين في العودة.

لكن شاعرنا يعود إلى منبع الأم يكرع منه ماء نميرا ويتوشح بحرير الحكايات التي تركتها، فيستجمع قواه ليخرج من الأحوال المتبدلة إلى المقامات الثابتة، مقامات الصبر على الأقدار والرضا بقضاء الله.

يستحضر الشاعر وجع الفقد ومرثية الذات بصوت خفيض منكسر يجر وراءه أسئلة المعنى وهواجس الوجود المتسم بالقلق والفراغ، ويحاول أن يلتمس جوابا لهذه الأسئلة الملغزة من خلال استكناه الذات والتأمل العميق في الحياة، «فالذات الشاعرة، وهي تمارس نشاطها الطبعي، مع أو ضد الواقع من جهة، وأناها من جهة ثانية، تقدم تجربتها من زوايا نظر مختلفة، قابلة للقراءة والتأويل، سواء تعلق الأمر بهذه التجربة بوصفها حالة وجودية، أم باعتبارها مشروعا جماليا»، كما يقول أحمد زنيبر في (الانحياز إلى القصيدة)؛ ففي قصيدة «نمشي الهوينى» يفلسف الشاعر المعنى في علاقته بالذات والكينونة (من أكون؟ أو تكون؟ )، وكأن الشاعر لا يعنيه الجواب بقدر ما يعنيه السؤال الأسمى بلغة هيدغر، وهو ذاك المتعلق بالوجود (Sein) والدازاين (Dasein).

يتساءل الشاعر عن كينونته، التي فقدت ملامحها، وعن أحلامه التي سرقت، وعن وجهه العاري من قناع يتستر به من الأغيار، وعن حكايته المجهدة التي استبدت بها النفس الأمارة بالسؤال، وعن بوصلته التي ضاعت في اللامعنى واللايقين، وعن المسافات التي يطويها بلا خطو، ليختم قصيدته بسؤال وجودي عميق: (فمتى تورق القصائد؟ متى تزهر الأنغام في الطرقات؟ ) في دلالة على جفاف الأيام التي غابت عنها نغمة الحياة وأعدمت مقامات الفرح.

تلكم إدانة صارخة لواقع سمته الاغتراب والتمزق والفقد، ليكون الاحتماء بظل الأم وحكاياتها المخملية، عزاء للشاعر من فظاظة الحياة، وانتشالا له من قاع العالم السفلي وارتفاعا به إلى مقامات الرخام؛ حيث ينبت اليقين، وحيث يسمع نداء الأم صوتا رخيما لا يلطخه ضجيج السوى.

يقول الشاعر: «كل المسافات الآن بيد/ بلا خطو أو ذاكرة/ فمن يتوسل/ حاشية الصباح/ فمن أكون؟ / أو تكون؟ / هي ذي العين/ غيمة أمتطيها/ كلما تناهى إلى مدمعي/ صوت أمي/ يلملم جراح العمر/ أما آن لي/ أن أريح الحكاية مني/ ومن غرف الانتظار/ فمن يعيد للقناع/ وجهه؟ / من يرشد البوصلة؟ / فمن يقيني/ من حر الثلج/ ومن يقيني/ من يقيني؟ / فمتى تورق القصائد؟ / متى تزهر الأنغام/ في الطرقات؟ ».

إن استشكال الوجود عند أحمد زنيبر، ليس مجرد سؤال عرضي طارئ، بقدر ما هو سؤال جوهري يعكس طبيعة الجنس البشري الميال إلى التساؤل والفضول المعرفي.

لذلك لا نستغرب حينما نجد الكون الشعري لزنيبر يتأسس على نظرية السؤال أكثر من الجواب؛ ومن ثم كان سقراطيا يولد الأسئلة تلو الأخرى، ويحجب عن الكتابة الإبداعية تحجرها وتنميطها، كما يسعى إلى فتح الكتابة على آفاق جديدة وبث الحياة في أمشاج النص الشعري.

فلا نستغرب تواتر الاستفهام البلاغي الذي لا ينتظر منه الشاعر جوابا، فيخرج إلى معان استلزامية يجيزها السياق؛ أبرزها النفي (وهل في المدى من يفك اشتباك الصور؟ وهل من مجاز يعيد العبير إلى زهره؟ ) والتقرير (أليس الضئيل من الحب يكفي لكي يزهر العمر بين الأنام؟ ) والاستغراب والدهشة (فكيف لأعزل يمضي وحيدا إلى نصره؟ ) والشكوى والتحسر (لماذا تفارق شمس الحقيقة حلم الرصيف؟ ).

وهي الأسئلة الحارقة التي تحضر في ديوان «لك الكلمات وقطر الندى».

يكتب زنيبر ترانيمه بروحانية صوفي «يشدو خارج المدار»، فيحدث تطريبا يسري دبيبه في القلب «كقديس تملكه السحر»، تلكم مقامات ومكاسب لا أحوال ومواهب، لأنها متحققة في الرياضة والسفر، ومن أشراطها الثبات والاستقرار كحال الرخام في قوته وديمومته.

ولما كانت المقامات متعلقة بالمجاهدة والصبر والرضا، كان الرخام رديفا لها في القوة والثبات، فالذات لا تدرك مقاماتها إلا بالمكابدة؛ كحال من ينحت على الرخام الصقيل ليصنع من مادته إبداعا يقاوم الزمن.

إن العلاقة بين المقامات والرخام في الصلابة والرسوخ، كالعلاقة بين الأحوال والطين اللازب في التغير والتبدل.

يرشح عن التركيب الإضافي بين المقامات والرخام دلالة النقاء والصفاء والممانعة والتحلل من الأغيار، ولما كان ذلك كذلك، كان العنوان مؤشرا دالا على قدرة زنيبرعلى التأمل في معادلات اللغة وإعادة صوغ ألفاظها لخلق تجاور مدهش وتضايف بديع ينبئ عن كون شعري جديد يفلسف الذات ويستشكل الوجود.

إن بلوغ مقامات الرخام هو ارتقاء في مدارج السالكين، فنحن لا نقرأها إلا لنرتقي، بيد أن صعودنا إليها يحتاج سلما من رخام، يصمد أمام الأهوال والمفاوز؛ لذلك تغترف لغة المقامات من معين المتصوفة ومعجمها موغل في الإيحاء والتلميح، تارة في الكلمة المشبعة رموزيا، وتارة أخرى في التوليف الذي يجعل من الألفاظ البسيطة ذات طاقة رموزية تتفجر شلالا من المعاني بعد أن يخلق الشاعر ضيوفا لها من الكلمات التي تجاورها في تركيب مولد يغلب عليه التشظي والجمع بين الأضداد؛ فمقامات الرخام لا يمكن أن نصل إليها إلا بلغة متسامية، لغة تقول ما لا ينقال وتحجب أكثر مما تظهر، إنه انزياح مقصود عن لغة السوى، يجعل قصائد زنيبر تحلق في المطلق ويجعل فهمنا مقدودا وتأويلنا محدودا، لأننا نعلم يقينا أن الرؤيا تتسع والعبارة تضيق على حد تعبير النفري، وتجربة زنيبر تجربة حدسية لا عقلية لتعلقها بالمواجيد القلبية، تجربة قوامها (ستون عاما عبرت مثل البرق وقصصا وحكايا عن الحب وعن عدوى الجنون، عن ربيع ثائر في الشوارع بين صدى الأحياء في المقابر، ورعشة في صلاة الغائب، عن طفولة بلا قمح وأحلام بلا قمر).

إن الزمن عند زنيبر يتعالى على التحديد والتقييس؛ لأنه خارج عن مفهوم الزمن الفيزيائي، ومن ثم لا تقاس الستون عاما بعدد الشهور والأيام، ولكنها توزن بميزان المقامات، وإن بدت سنون مهدورة وأحلاما مؤجلة فإنها صنعت رؤية معتقة للعالم وخلقت للشاعر منزلة بينية تطل على مشارف المطلق، تقودها حكمة الأولين وتحصنها مقامات الصالحين.

يقول الشاعر في قصيدة «سر الرقراق»: «كم كنت وحيدا/ في ربى المجازات/ والرؤى/ أهفو إلى ظل امرأة/ قدت أناملها/ روضا من جنان/ ترسم الشمس نورا/ في يومي الطويل/ وفي ليلها».

إن تجربة زنيبر موغلة في الانغماس في الرؤيا، وتفتح للقارئ منافذ ضيقة للمجاوزة والعبور نحو المطلق.

لذلك فهي تجربة شبيهة بتجربة النفري جاء في (موقف أقصى كل شيء): «فسرت فرأيت العابرين ورأيت السائلين.

فقال لي: إن كل عابر عبر من جهة، وإن كل سائر سار من طريق.

فالعابرون معهم جهاتهم: فإليها يوجهون.

والسائرون معهم طرقاتهم: فإليها يرشدون.

فجزت العابرين، وجزت جهات العابرين، وجزت السائرين وجزت طريق السائرين»؛ إنه عبور وجواز نحو المطلق/المرأة (الأم) التي تستقر تحت أقدامها الجنان، ومنها ينبجس ضوء الشمس الذي ينير ليل العتمة، ويخرج الشاعر من عزلته وغربته ويمنحه ديمومة المطلق؛ فالمجاز لم يكن حقيقة، والرؤية لم تكن قلبية مما ولد الوحدة والفراغ لدى الشاعر.

ولعل كلمة المجازات يقصد بها الشاعر المجاز الوجودي لا البلاغي؛ لأنه متعلق بالكون وأحكامه وطرق إدراكه، لدخول اللغة في مضمار السوى وإخفاقها في إدراك الحقيقة أمام اتساع الرؤية.

المجاز غيبة لا رؤية، والانطلاق في الرحلة إلى المطلق (الأم) يكون من المجاز إلى الحقيقة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك