طهران- “القدس العربي”: أعادت التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الخميس، بشأن ضرورة دراسة إعادة فتح سفارة بلاده في طهران، ملف العلاقات الإيرانية- الكندية إلى صدارة اهتمام وسائل الإعلام مجدداً.
وقال كارني إن عدم وجود سفارة كندية في إيران يحدّ من قدرة حكومة بلاده على تقديم الخدمات القنصلية لمواطنيها، مؤكداً أن وجود سفارة في دولة ما لا يعني بالضرورة تأييد سياسات حكومتها.
ورغم تشديده على أنه لم يُتخذ بعد أي قرار بشأن استئناف العلاقات أو إعادة فتح السفارة، فإن هذه التصريحات، بعد ما يقرب من 14 عاماً على قطع العلاقات الدبلوماسية، أعادت إحياء النقاش حول مستقبل العلاقات بين طهران وأوتاوا.
وتُعد العلاقات بين إيران وكندا من أكثر العلاقات التي تأثرت خلال العقدين الماضيين بالخلافات السياسية، والملفات القضائية، والعقوبات، والأزمات الدولية.
فعلى الرغم من أن البلدين أقاما علاقات دبلوماسية عام 1955، واحتفظا لعقود بسفارتين فاعلتين في طهران وأوتاوا، فإن مسار العلاقات بدأ يشهد تدهوراً متسارعاً منذ مطلع العقد الأول من الألفية الثالثة.
وكانت قضية الصحفية والمصورة الإيرانية الكندية زهرا كاظمي من أوائل الأزمات الكبرى بين البلدين.
ففي صيف عام 2003، أوقفت كاظمي أثناء تصويرها أمام سجن إيفين، ثم توفيت بعد أيام خلال احتجازها.
وأعلنت السلطات الإيرانية أن سبب الوفاة كان إصابة في الرأس، إلا أن القضية تحولت إلى أحد أبرز ملفات الخلاف بين البلدين، إذ طالبت الحكومة الكندية مراراً بإجراء تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين، وظلت القضية لسنوات ضمن الملفات الرئيسية في العلاقات الثنائية.
وبعد ذلك، تفاقمت الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وملف حقوق الإنسان، والتطورات الإقليمية، ما أدى إلى مزيد من التدهور في العلاقات.
وانضمت كندا إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية في فرض مجموعة من العقوبات الاقتصادية والمالية على إيران، كما دعمت في المحافل الدولية قرارات تنتقد طهران.
وفي المقابل، وصفت السلطات الإيرانية هذه السياسات بأنها تدخلية ومنسجمة مع سياسات واشنطن وتل أبيب.
غير أن نقطة التحول الكبرى في العلاقات جاءت عام 2012، عندما أعلنت الحكومة المحافظة برئاسة ستيفن هاربر في 7 أيلول/سبتمبر من ذلك العام إغلاق السفارة الكندية في طهران، وتعليق العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وطالبت الدبلوماسيين الإيرانيين بمغادرة كندا خلال خمسة أيام.
وبررت أوتاوا قرارها آنذاك بمخاوف أمنية، إضافة إلى البرنامج النووي الإيراني، وملف حقوق الإنسان، والسياسات الإقليمية لطهران.
أما إيران، فاعتبرت الخطوة قراراً سياسياً وغير بنّاء، ويأتي في إطار السياسات الأمريكية والإسرائيلية.
ومنذ ذلك الحين، لا يمتلك البلدان سفارات في أراضي بعضهما بعضاً، وتقتصر الاتصالات الرسمية على قنوات محدودة وغير مباشرة.
ولم يقتصر غياب العلاقات الدبلوماسية على تداعياته السياسية، بل تسبب أيضاً في مشكلات واسعة لمواطني البلدين.
فالإيرانيون المقيمون في كندا يضطرون إلى إنجاز كثير من معاملاتهم القنصلية، مثل تجديد جوازات السفر، وتنظيم الوكالات، ومعاملات الأحوال المدنية، وغيرها من الخدمات الإدارية، عبر مكتب رعاية المصالح الإيرانية في واشنطن أو من خلال السفر إلى دول ثالثة.
وفي المقابل، لا يتمكن المواطنون الكنديون من الحصول على خدمات قنصلية مباشرة من بلادهم في حال واجهوا مشكلات داخل إيران.
ولا تقتصر العلاقات الإيرانية الكندية على خلافات العقدين الأخيرين، إذ يعود أحد أشهر فصول تاريخها إلى عام 1979، خلال أزمة احتلال السفارة الأمريكية في طهران.
ففي ذلك الوقت، تمكن ستة دبلوماسيين أمريكيين من الفرار من السفارة، وساعدتهم السفارة الكندية ودبلوماسيوها على مغادرة إيران سراً، في عملية عُرفت لاحقاً باسم “كندین کابر” والتي استند إليها فيلم هوليوود “آرغو” الذي أُنتج عام 2012.
ورغم انقطاع العلاقات السياسية، لا تزال الروابط الإنسانية بين البلدين واسعة النطاق، إذ تضم كندا اليوم واحدة من أكبر الجاليات الإيرانية في الخارج.
ووفقًا لتعداد السكان لعام 2021، أعلن أكثر من 280 ألف شخص في كندا أنهم من أصول إيرانية، بينما تشير الجمعيات الإيرانية الكندية إلى أن عدد الكنديين من أصل إيراني يتجاوز 400 ألف نسمة.
ويتركز معظمهم في تورونتو وفانكوفر ومونتريال وأوتاوا، ويشغلون مواقع بارزة في مجالات الطب والهندسة والتكنولوجيا والأعمال والجامعات والخدمات المالية.
ويُعد هذا الوجود البشري الواسع أحد أهم الأسباب التي تدفع إلى إعادة طرح مسألة إعادة فتح السفارات.
وفي السنوات الأخيرة، برزت قضية إسقاط الرحلة “بي إس 752” التابعة للخطوط الجوية الدولية الأوكرانية كواحدة من أكبر نقاط الخلاف بين البلدين.
ففي الثامن من كانون/الثاني يناير 2020، أُسقطت الطائرة بصاروخين أطلقهما الحرس الثوري الإيراني بعد دقائق من إقلاعها من مطار طهران، ما أدى إلى مقتل جميع ركابها البالغ عددهم 176 شخصاً، بينهم 55 مواطناً كندياً و30 آخرون من المقيمين الدائمين في كندا.
وأصبحت هذه القضية محوراً رئيسياً في السياسة الكندية تجاه إيران، إذ طالبت الحكومات الكندية المتعاقبة بتحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين وتعويض عائلات الضحايا، كما شكلت أوتاوا مع أوكرانيا وبريطانيا والسويد “المجموعة الدولية للتنسيق والاستجابة” لمتابعة الملف قانونياً.
وفي المقابل، أقرت السلطات الإيرانية بأن إسقاط الطائرة وقع عن طريق الخطأ نتيجة ظروف عسكرية وخطأ بشري، مؤكدة أنها باشرت الإجراءات القضائية وتعويض أسر الضحايا، لكن الخلافات بشأن آلية التحقيق والمسؤولية القانونية لا تزال قائمة.
وعقب هذه الحادثة، شددت كندا إجراءات منح التأشيرات ودخول الأراضي الكندية للمسؤولين الإيرانيين.
كما أدرجت الحكومة الكندية الحرس الثوري الإيراني على “قائمة المنظمات الإرهابية”.
وفي سياق متصل، واصلت كندا انتقادها لملف حقوق الإنسان في إيران، وفرضت خلال السنوات الأخيرة عقوبات على عشرات المسؤولين الإيرانيين، متهمةً إياهم بانتهاكات حقوق الإنسان، ومطالبةً بملاحقتهم قضائيًا.
وبعد احتجاجات عام 2022، وسعت أوتاوا نطاق العقوبات المالية والهجرية ضد شخصيات ومؤسسات إيرانية، بينما اعتبرت طهران هذه الإجراءات غير قانونية وتدخلًا في شؤونها الداخلية.
وفي أحدث مظاهر التوتر بين البلدين، منعت السلطات الكندية مؤخرًا دخول مهدي تاج، رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم، الذي كان قد وصل إلى تورونتو للمشاركة في اجتماع تنسيقي خاص بكأس العالم 2026، قبل أن يُجبر على العودة إلى إيران.
ورغم كل هذه الخلافات، لا تزال كندا من أبرز الوجهات التي يقصدها المهاجرون الإيرانيون.
وخلال السنوات التي شهدت فيها سياسات الهجرة الكندية مزيداً من الانفتاح، ارتفع عدد الإيرانيين الوافدين إلى البلاد بصورة ملحوظة، الأمر الذي عزز الروابط الإنسانية والاقتصادية بين المجتمعين، حتى في ظل استمرار القطيعة السياسية.
ويرى عدد من المحللين أن استمرار غياب العلاقات الدبلوماسية لم يسهم في حل الخلافات، بل حدّ من فرص الحوار وإدارة الأزمات، معتبرين أن وجود سفارات حتى بين الدول المتخاصمة يمكن أن يسهل معالجة القضايا القنصلية، وحماية المواطنين، وتقليل سوء الفهم بين الحكومات.
وتؤكد إيران باستمرار أنها لا تعارض استئناف العلاقات الدبلوماسية على أساس الاحترام المتبادل، لكنها تربط ذلك بتغيير السياسة الكندية والتخلي عما تصفه بـ “السياسات العدائية”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك