وافق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على خطة عسكرية مكثفة مدتها 40 يومًا قدمها جهاز الأمن الأوكراني، تهدف إلى تكثيف الضغط العسكري على روسيا وإجبارها على إنهاء الحرب والجلوس إلى طاولة المفاوضات.
وجاء الإعلان الأوكراني عقب اجتماع عقده زيلينسكي مع رئيس جهاز الأمن الأوكراني اللواء يفغيني خمارا، الذي قدم تقريرًا مفصلاً حول خطة كييف للعقوبات والعمليات بعيدة ومتوسطة المدى.
وأشاد زيلينسكي بأداء جهاز الأمن، مشيرًا إلى أنه أظهر على مدى عدة أشهر متتالية أعلى مستوى من الأداء في الدفاع عن مواقع أوكرانيا على الخطوط الأمامية عبر الاستخدام المكثف للطائرات بدون طيار.
في السياق ذاته، كشف إيفان ستوباك، الضابط السابق في جهاز الأمن الأوكراني، أن هذه العملية التي تستمر 40 يومًا أُسندت مباشرة إلى أجهزة الاستخبارات وتحديدًا جهاز مكافحة التجسس وجهاز النخبة «ألفا» التابع للأمن الأوكراني.
وتوقع ستوباك في تصريح لقناة الغد أن تشهد الفترة المقبلة وحتى نهاية فصل الصيف سلسلة من الهجمات المتواصلة على عمق يتراوح بين 1500 و2000 كيلومتر داخل الأراضي الروسية، مستهدفة مصافي النفط والمنشآت الاقتصادية الحيوية لإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر الاقتصادي بروسيا الاتحادية.
في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن أوكرانيا شنت بالفعل هجومًا جويًا ليليًا كبيرًا وُصف بأنه أحد أكبر هجمات الطائرات المسيرة منذ بداية الحرب قبل أكثر من أربع سنوات، حيث طال الهجوم 12 منطقة روسية بالإضافة إلى شبه جزيرة القرم والبحار المحيطة بها.
وأكدت الدفاع الروسية أن منظوماتها الجوية اعترضت وأسقطت 660 طائرة مسيرة أوكرانية، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل في 17 مايو من العام الماضي والذي شاركت فيه 556 مسيرة.
من جهتها، أعلنت دائرة الأمن الأوكرانية أنها استهدفت بطائراتها المسيرة سفن البحرية الروسية ورادارات الدفاع الجوي في مدينة كيرتش، الميناء الاستراتيجي بشبه جزيرة القرم، موضحة أن الضربات أصابت سفينتي الاستطلاع وزرع الألغام «فولغا» و«فياتكا»، بالإضافة إلى عبّارة الشحن والركاب «بيتروبافلوفسك»، مما تسبب في اندلاع حريق هائل.
كما أفادت وكالة «أسترا» الروسية المستقلة على الإنترنت بتعرض مصنع كيماويات ومحطة لتوليد الطاقة الكهرومائية في «نوفوموسكوفسك» لهجوم أسفر عن اندلاع حريق، في حين صرح عمدة موسكو، سيرغي سوبيانين، بأن الدفاعات أسقطت 47 طائرة مسيرة كانت تحلق باتجاه العاصمة دون تسجيل إصابات أو أضرار.
تركز كييف هجماتها الأخيرة بشكل مكثف على شبه جزيرة القرم الخاضعة للسيطرة الروسية منذ عام 2014، نظرًا لكونها تشكل قاعدة لوجستية عسكرية رئيسية تستخدمها موسكو لدعم قواتها في جنوبي أوكرانيا، حيث يرى خبراء أن كييف تراهن على استخدام ورقة القرم مستقبلاً في أي تسوية محتملة.
في هذا السياق، أوضح إيفان أوس، مستشار السياسة الخارجية بالمعهد الوطني، أن أوكرانيا تسعى تدريجيًا لخلق وضع تصبح فيه تكلفة الاحتفاظ بالقرم بالنسبة لروسيا باهظة جدًا ومستنزفة.
وأضاف أوس في تصريح لقناة الغد أن كييف قد تطرح في المستقبل سيناريو تسوية يسمح لروسيا بإيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين في القرم، مقابل شرط أساسي وهو إعادة محطة زابوروجيا للطاقة النووية والمناطق المحيطة بها للسيطرة الأوكرانية.
تواصل روسيا تصعيد هجماتها الصاروخية والجوية، حيث شنت ضربات مكثفة بالصواريخ والطائرات المسيرة والقنابل الانزلاقية القوية استهدفت العاصمة كييف، ومنطقتي «أوديسا» و«زابوروجيا» جنوبًا، و«سومي» و«خاركيف» شمال شرق البلاد، مما أسفر عن مقتل 3 مدنيين وإصابة 29 آخرين وإلحاق أضرار بالغة بالمباني ومحطات الوقود والمنشآت المدنية السكنية ومقرات البريد.
وأعلنت القوات الجوية الأوكرانية أن دفاعاتها الجوية تمكنت من اعتراض وإسقاط 174 طائرة مسيرة روسية من أصل 189 طائرة أُطلقت خلال الليل، فيما تمكنت أربعة صواريخ باليستية من طراز «إسكندر-إم» من اختراق الدفاعات وضرب مواقع متفرقة.
وأفاد رئيس منطقة خاركيف، أوليغ سينييهوبوف، أن القصف الروسي طال المدينة و16 مستوطنة أخرى مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة سبعة، بالإضافة إلى مقتل امرأة وإصابة ثلاثة أشخاص في هجوم منفصل بمسيرة استهدف وسط مدينة «إيزيوم».
من جهته، أشار الدكتور سعيد سلام، مدير مركز فيجين للدراسات من كييف، إلى أن هذه الضربات الأوكرانية مبررة عسكريًا وقانونيًا بموجب القانون الدولي في إطار الدفاع عن النفس والرد على القصف الروسي المستمر منذ سنوات على البنية التحتية المدنية والمنشآت السكنية والطاقة في أوكرانيا.
وأكد سلام لقناة الغد أن أوكرانيا تستهدف بشكل حصري في غالبية الأحيان البنية التحتية العسكرية واللوجستية وقطاع النفط الذي يمول آلة الحرب الروسية، وأن سقوط مدنيين روس ليس مقصودًا ولم يتعدى العشرات خلال العامين الماضيين.
وشدد سلام على أن الحرب تحولت إلى استنزاف استراتيجي متبادل يضغط فيه كل طرف على المقومات الاقتصادية للآخر، مشيرًا إلى أن وضع أوكرانيا يبدو أفضل بفضل استدامة الدعم الأوروبي المالي والعسكري الذي تم تأكيده في مؤتمر إعادة الإعمار الأخير، في حين تعاني الميزانية الروسية لعام 2026 من عجز كبير تجاوز المقررات السنوية بعد تخصيص 50% منها للحرب، ما أدى لوقف بيع البنزين والديزل في 83 إقليمًا روسيًا نتيجة فقدانه، تزامنًا مع تسجيل خسائر بشرية كبيرة على الجبهة تصل لـ35 ألف قتيل وجريح شهريًا.
في المقابل، اختلف سمير أيوب، الكاتب والباحث السياسي من سان بيترسبورغ، مع سعيد سلام، مؤكدًا أن التصعيد مستمر لأن الدول الأوروبية لا تريد حلاً يعالج الأسباب الجوهرية للصراع، وتضغط على كييف للاستمرار في استهداف البنى التحتية والمناطق المدنية الروسية بالمسيرات والصواريخ، مستشهدًا بضربات طالت مبنى سكن طلاب في لوغانسك وأسفرت عن مقتل 21 طالبًا، واستهداف حافلة أطفال قطار ركاب مدني.
وأضاف أيوب لقناة الغد أن هذه الهجمات ورغم إحداثها حالة مؤقتة من عدم الاستقرار، إلا أنها لم ولن تؤثر على مجرى العمليات العسكرية على الأرض، بل إن المبادرة الميدانية باتت بيد القوات الروسية التي حققت تقدمًا ودخلت مدينتي «كراسني ليمان» و«كونستانتينوفكا».
واعتبر أيوب أن أهداف كييف من هذه الحملة سياسية بحتة لإقناع الغرب بقدرتها على القتال لضمان تدفق المساعدات، إلى جانب محاولة إرهاب الشارع الروسي، مؤكدًا أن روسيا تمتلك موارد ومقومات تخولها الصمود في الصراع لسنوات طويلة جداً، وأن الاستنزاف الحقيقي يقع على الدول الأوروبية التي تعاني أزمات اقتصادية وانقسامات سياسية.
وحذر من أن استمرار هذا الضغط قد يدفع القيادة الروسية في النهاية إلى تصعيد نوعي يشمل استخدام أسلحة أكثر دمارًا أو استهداف مصانع السلاح داخل الدول الأوروبية نفسها.
على الرغم من احتدام المعارك وحرب الاستنزاف المتبادلة، شهد الملف الإنساني عملية تبادل جديدة لأسري الحرب بين الطرفين، حيث أعلن مسؤولون حكوميون نجاح العملية التي أسفرت عن إطلاق سراح وإعادة 160 أسير حرب من كل جانب، وتم تأمين عودتهم إلى ديارهم عبر أراضي بيلاروسيا.
واعتبر أيوب أن هذا التبادل المستمر للأسرى، إلى جانب وجود اتصالات مباشرة ومستمرة بين وزيرة الشؤون الإنسانية في روسيا ونظيرها في كييف لتبادل المعلومات والآراء حول شؤون الأسرى، يمثل بصيص أمل وإشارة على قدرة البلدين على التواصل والتوصل إلى اتفاقيات مشتركة لو ترك الخيار لكييف بمفردها بعيدًا عن الوصاية والضغوط الأوروبية التي تمنع نظامها من الانخراط في مفاوضات سلام شاملة تنهي الصراع وتأخذ المصالح الأمنية الروسية بعين الاعتبار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك