قناة الجزيرة مباشر - مصر تواجه إيران لحسم قمة المجموعة السابعة في مونديال 2026 قناة التليفزيون العربي - صحف عالمية تتوقف على موقف الجمهوريين من الحرب على إيران، ومساعي ترمب لمنع نتنياهو من تفجير الاتفاق قناة الشرق للأخبار - بعد التوقيع.. ماذا قال نتنياهو عن تحجيم نفوذ إيران وحزب الله اليوم؟ روسيا اليوم - فيدان: تركيا مستعدة لتنظيم اجتماع لوفدي روسيا وأوكرانيا لإجراء مفاوضات روسيا اليوم - قرقاش يعلق على اتصال بن زايد وعراقجي: موقف الإمارات يتسم بالوضوح والشفافية التامة قناة الغد - بوركينا فاسو تقطع علاقاتها مع فرنسا وتتهمها بـ«الطموح الاستعماري» قناة الغد - غزة.. شهداء بغارات إسرائيلية وحماس تتوجه للقاهرة بمقاربات جديدة روسيا اليوم - تونس: الحكم بالسجن 25 عاما على رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة السابقة سهام بن سدرين قناة الغد - الإمارات تخصص 10 ملايين دولار لدعم متضرري زلزالي فنزويلا روسيا اليوم - كرامات الشيخ كوكو.. مسؤول مصري سابق يستذكر موقفا "أطاح به" من منصبه
عامة

كأس العالم 2026.. الكاميرا التي ترحب بك والكاميرا التي تطاردك

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ ساعتين

في مساء 6 يناير/كانون الثاني الماضي، خلال معرض الإلكترونيات الاستهلاكية، وعلى الشاشة المقعرة العملاقة التي تكسو جدران قاعة" سفير" (Sphere) في لاس فيغاس، من الداخل والخارج معا، ظهر رئيس الاتحاد الدولي ...

في مساء 6 يناير/كانون الثاني الماضي، خلال معرض الإلكترونيات الاستهلاكية، وعلى الشاشة المقعرة العملاقة التي تكسو جدران قاعة" سفير" (Sphere) في لاس فيغاس، من الداخل والخارج معا، ظهر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) جياني إنفانتينو إلى جوار رئيس شركة لينوفو يانغ يوانكينغ، في حدث مرتقب.

كان الجمهور التقني ينتظر عرضا حول التقنيات الجديدة المستخدمة في بطولة كأس العالم 2026، وكان العرض على قدر الانتظار؛ نظام جديد للذكاء الاصطناعي يحمل اسم" فوتبول إيه آي برو"، ومجسمات رقمية ثلاثية الأبعاد للاعبين تعيد بناء اللقطات الحاسمة، وتقنيات موعود بها" ستغير كيفية تقديم أكبر حدث في تاريخ البشرية" بحسب وصف المنظمين.

list 1 of 2دبلوماسية القميص الأحمر.

كيف تصنع كرة القدم صورة المغرب عالميا؟list 2 of 2" البحار الأربعة" ضد إسرائيل.

كيف أنصفت الجغرافيا تركيا وسوريا؟كانت تلك هي الواجهة؛ براقة، ومصقولة، ومعدة بعناية للمشاهدة.

في الفترة نفسها تقريبا، وعلى بُعد آلاف الكيلومترات من مسرح لاس فيغاس، كانت عدّة مدن أمريكية مضيفة تُنجز عملًا من نوع آخر، لا شاشة له ولا جمهور، فكانت مدينة سياتل توسّع شبكتها من الكاميرات وأجهزة قراءة لوحات السيارات في محيط ملعبها.

وفي العاصمة واشنطن، كان مسؤول في وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، الجهاز الفيدرالي الذي يتولّى اعتقال المهاجرين غير النظاميين داخل البلاد وترحيلهم، يستعدّ ليمثُل أمام لجنةٍ في الكونغرس، حيث سيرفض أن يتعهّد بوقف عمليات وكالته قرب الملاعب أثناء البطولة.

" كان العرضان يجريان في الوقت نفسه، لكن بلغتين مختلفتين، وبنية تحتية واحدة"كان العرضان يجريان في الوقت نفسه، لكن بلغتين مختلفتين، وبنية تحتية واحدة.

وهنا تبدأ حكايتنا، ففي صلب ما يُسوَّق على أنه تقنية" لسلامة الجماهير" بنية مراقبة واحدة، تُباع لجمهورين مختلفين باسمين مختلفين.

تُقدَّم للمدن المضيفة بوصفها وسيلة لتنظيم دخول الجماهير وتأمين الملاعب، وتستخدمها في الوقت نفسه أجهزة الإنفاذ الفيدرالية الأمريكية أداة للتعرّف على الأشخاص وتتبّعهم.

الكاميرا ذاتها، والشركة المورِّدة ذاتها في كثير من الأحيان، وربما قاعدة البيانات ذاتها، ما يختلف هو الاسم الذي يُطلَق عليها.

نحاول هنا أن نقرأ ما لا يُعرض على المسرح.

نحن لا نسأل عن التقنية التي تُزين البطولة، فتلك تملأ نشرات الأخبار، بل نتساءل عمّن يصنع كاميرات" سلامة الجماهير"، ومن يستخدمها أيضا، وإلى أين تذهب الصور التي تلتقطها بعد أن تنتهي المباراة الأخيرة، وكيف صار ممكنا أن يُقبَل كل هذا في وضح النهار؟حين تنزع عن الأمر لغته التسويقية، تبدو الصورة على الأرض أبسط مما يوحي به مصطلح" الملعب الذكي"، وأثقل في الوقت نفسه.

ما جرى تركيبه في المدن المضيفة للبطولة ليس وسيلة ترفيه أو تنظيم تُسهّل دخول الجمهور، بل طبقات متراكمة من أدوات تتعرف على الأشخاص وتتابع تحركاتهم.

دعنا نوضح أولا ماهية ما نتحدّث عنه، فحين نقول" كاميرا تعرف على الوجه"، فنحن لا نعني كاميرا مراقبة تقليدية تكتفي بتسجيل ما يمر أمامها، بل نعني نظاما يحول ملامح الوجه إلى بصمة رقمية فريدة، ثمّ يقارنها بقاعدة بيانات تضمّ ملايين الوجوه ليحدّد صاحبها بالاسم في ثوان.

هذه التقنية، إلى جانب أخواتها من أجهزة قراءة لوحات السيارات وقواعد البيانات البيومترية (التي تعمل بخصائص الجسد كالوجه والبصمة وقزحية العين)، لا تكتفي بأن ترى، بل تتعرف وتطابق وتتابع.

والفارق بين الرؤية والتعرف هو الفارق نفسه بين كاميرا تحرس بوابة، ومنظومة تعرف من أنت أينما حللت.

" الفارق بين الرؤية والتعرف هو الفارق نفسه بين كاميرا تحرس بوابة، ومنظومة تعرف من أنت أينما حللت"مثلا، في ملعب" جيليت" في ولاية ماساتشوستس، أحد ملاعب البطولة، يدخل المشجع ويدفع ثمن طعامه عبر نظام يتعرف على وجهه، طورته شركة" فيس تك" ونفّذته شركة" إن دبليو إن".

بينما في سياتل، توسعت شبكة الكاميرات وأجهزة قراءة لوحات السيارات في محيط الملعب.

وفي مدن أخرى، من ميامي إلى منطقة خليج سان فرانسيسكو، تتكرر القصّة بتفاصيل مختلفة وبنية تحتية واحدة، من كاميرات وقواعد بيانات بيومترية وغرف تحكم تجمع هذه المعطيات كلها في مكان واحد.

لم تولد هذه البنية مع البطولة، ولن تموت بانتهائها، فمنذ موسم 2024، باتت ملاعب دوري كرة القدم الأمريكية (NFL) الـ 32 كلها تستخدم تقنية التعرّف على الوجوه التي تطوّرها شركة" ويكت".

أي أن الأمريكي الذي يذهب لمشاهدة مباراة في أحد أيام عطلة نهاية الأسبوع، قد مر فعلا من بوّابة التعرّف على الوجه قبل أن تصل البطولة.

لذا، لم يخترع كأس العالم تلك البنية التحتية، إنّما يمنحها مناسبة للتوسع أكثر، وذريعة تجعل قبولها أسهل.

تخبرنا التجارب القريبة أن تلك الذريعة تدوم أطول من المناسبة نفسها؛ خذ مثالا قريبًا من قلب أوروبا الديمقراطية، لا من دولة تُتهم عادة بالتسلط والمراقبة الجماعية.

فقبل أولمبياد باريس 2024، أقرّ البرلمان الفرنسي قانونا يسمح باستخدام المراقبة بالفيديو المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الأماكن العامة، وكان أول قانون من نوعه في الاتحاد الأوروبي.

سُوِّق القانون باعتباره إجراء مؤقتا لمناسبة مؤقتة، تنتهي صلاحيته في مارس/آذار 2025.

" يصف تأثير المزلاج تحول التدابير المؤقتة إلى حقائق دائمة بسبب صعوبة عكسها"لكن قبل أن تنتهي صلاحيته بأسابيع، قدّمت الحكومة الفرنسية مشروع قانون جديد لتنظيم أولمبياد الشتاء 2030، وكان من بنوده تمديد التفويض باستخدام المراقبة بالخوارزميات حتّى عام 2027.

الحدث المُقبل صار مبررا لاستمرار قانون الحدث الذي مضى، هذا ما يوصف في علم الاجتماع بـ" تأثير المزلاج" أو" عولمة الاستثناء"، حيث تتحول التدابير المؤقتة إلى حقائق دائمة.

هذا هو النمط الذي تُتيح البطولات الكبرى تكراره؛ منظومة تُقبل لأنّها" مؤقتة" و" استثنائية"، ثم تجد، حين تنقشع المناسبة، أنّها بقيت واستمرت.

وما يصحّ على الأولمبياد يصحّ على كأس العالم، فكلاهما حدث عالمي عابر، يجلب حشودًا وكاميرات ومخاوف أمنية، ويمنح الحكومات الغطاء ذاته لتثبيت ما كان يصعب تثبيته في الأوقات العادية.

وما يجعل نسخة كأس العالم 2026 جديرة بقراءة خاصّة، أن السؤال فيها لم يَعُد ما الذي ستؤول إليه هذه الكاميرات بعد سنوات، بل من يقف خلفها الآن، في اللحظة ذاتها التي تُركَّب فيها.

لنتتبع الأمر من جهة الشركات، وليس من جهة الشعارات.

حين تنظر إلى قائمة الشركات التي تورّد التقنية للبطولة، وتضعها بجانب قائمة الشركات التي تورّد التقنية لأجهزة الإنفاذ الفيدرالية الأمريكية، تجد أن القائمتين تتداخلان بوضوح، فأحيانا تكون الشركة نفسها على القائمتين معا، وأحيانًا تكون التقنية نفسها وإن اختلف الاسم التجاري.

سنبدأ بالشريك التقني الرسمي للبطولة، شركة لينوفو الصينية، وهي ذاتها تورد، بحسب ما تذكره على موقعها، الحواسيب والخوادم لعشرات الوكالات الفيدرالية الأمريكية مدنية وعسكرية.

وهي شركة صدرت بحقّ منتجاتها تحذيرات أمنية أمريكية متتالية، من وزارة الخارجية عام 2006، ومن وزارة الأمن الداخلي عام 2015، ومن استخبارات هيئة الأركان المشتركة عام 2016، ومع ذلك استمرّ التعاقد معها.

اللافت هنا ليس أن شركة بعينها صدرت تحفظات بشأنها، بل أنّ معيار" الخطر الأمني" يُطبق حين يناسب سياسيا، ويُغض الطرف عنه حين يناسب تجاريا.

الشركة ذاتها التي يجري التحذير منها رسميا، تقف على منصّة الإعلان عن بطولة كأس العالم كشريك تقني رسمي.

" شركة لينوفو الصينية، الشريك التقني الرسمي للبطولة، تورد الحواسيب والخوادم لعشرات الوكالات الفيدرالية الأمريكية المدنية والعسكرية"المثال الآخر هي شركة" بالو ألتو نتوركس"، المنخرطة في خدمات الأمن السيبراني المتصلة بالبطولة، ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، وقّعت الشركة اتفاقية مع إدارة الخدمات العامة الأمريكية (GSA)، تمنح جميع الوكالات الفيدرالية، ومنها وزارة الأمن الداخلي ووكالة الهجرة، خصمًا يصل إلى 60% على منتجاتها الأمنية.

وفي فبراير/شباط 2026، أكملت الشركة صفقة استحواذ بقيمة 25 مليار دولار على شركة" سايبر آرك" المتخصّصة في إدارة الهويات الرقمية.

الشركة التي تؤمّن شبكات البطولة، تؤمّن كذلك شبكات الجهاز الذي يلاحق المهاجرين.

والمثال الأوضح على التداخل المباشر هو شركة" داتاماينر"، إذ تقدّم الشركة خدمات تحليل البيانات في الوقت الحقيقي لفعاليات كبرى من بينها ما يتّصل بالبطولة، ولديها في الوقت نفسه عقد مع وكالة نظم المعلومات الدفاعية الأمريكية (DISA)، كما قدّمت خدماتها سابقا لمراكز الاندماج الاستخباراتي، وهي مراكز تجمع المعلومات الأمنية من الأجهزة الفيدرالية والمحلية وتشاركها فيما بينها.

واللافت في شركة داتاماينر أنها، بحسب وثائق رصدها تحقيق استقصائي، تتجنّب بعناية وصف نفسها بأنّها أداة" مراقبة"، وتقدّم نفسها بوصفها منصّة" تنبيهات" في الوقت الحقيقي.

الوظيفة واحدة، لكن التسمية مختارة بعناية.

" حين لا تكون الشركة نفسها على الطرفين، يكون المشترك هو التقنية"وحتى حين لا تكون الشركة نفسها على الطرفين، يكون المشترك هو التقنية، فشركة فيس تك، التي تورد نظام التعرّف على الوجوه في ملعب" جيليت"، تذكر في موادّها التسويقية الرسمية أنّ تقنيتها تُستخدم في" أمن الحدود" إلى جانب التطبيقات المدنية.

والكاميرا التي تتعرف على وجه المشجع عند بوابة الملعب، هي غالبا من فئة الكاميرا التي تتعرّف على وجه المهاجر في الشارع.

ربما تختلف الجهة المُشغلة، ولكن تبقى الآلة واحدة.

على الجهة المقابلة من هذا التداخل، تقف أسماء صار حضورها في عمل أجهزة الإنفاذ موثقا، مثلًا حصلت شركة" بالانتير" على عقد بـ 30 مليون دولار مع وكالة الهجرة لبناء نظام لتتبع المهاجرين أطلق عليه اسم" إيميغريشن أو إس".

وشركة" كليرفيو إيه آي" المتخصصة في التعرف على الوجوه، حصلت على أكبر عقد في تاريخها مع الوكالة ذاتها.

هذه الشركات لم تُعلَن موّردة لتقنيات البطولة، لكنّها تعمل بالتقنيات نفسها التي جرى تركيبها في المدن المضيفة للبطولة.

وهي تذكّرنا بأن السوق الذي يبيع للملعب، والسوق الذي يبيع لوكالة الترحيل، هو سوق واحد بزبونين.

قد يقول قائل إن هذا التداخل بين الموردين قديم قدم الأحداث الكبرى نفسها، وإن كل بطولة ضخمة تستدعي حضورا أمنيا مكثفا، وهذا صحيح في جزء منه.

لكن النمط المعتاد في الماضي كان متعاقبا، لا متزامنا، أي تُركَّب المنظومة تحت عنوان الحدث، ثم بعد رحيل الجماهير بأشهر أو سنوات، يُعاد توظيفها بهدوء لأغراض أخرى.

ما يميز نسخة كأس العالم 2026 أن المسافة الزمنية بين الوجهين تقلصت حتى كادت تتلاشى، إذ قد يعمل الوجهان معًا في الأسبوع نفسه.

والدليل على ذلك جاء من فم الجهة المعنية نفسها؛ في 10 فبراير/شباط 2026، سُئل المدير المكلف لوكالة الهجرة والجمارك آنذاك، تود لايونز، في شهادة أمام لجنة الأمن الداخلي في مجلس النواب الأمريكي، عما إذا كانت وكالته ستوقف عملياتها قرب الملاعب أثناء البطولة.

وجهت السؤال النائبة الأمريكية نيلي بو، التي تضم دائرتها الانتخابية ملعب" ميتلايف" في نيوجيرسي، حيث تقام المباراة النهائية.

وفي جوابه، فصل لايونز بين ذراعين للوكالة؛ قال إن ذراع تحريات الأمن الداخلي (HSI)، المعني بمكافحة التهريب والاتّجار بالبشر، " جزء أساسي من المنظومة الأمنية الشاملة لكأس العالم"، وهو ذراع عمل فعلا في أحداث رياضية كبرى من قبل، وحضوره في حد ذاته ليس مفاجئا.

لكن النقطة الحاسمة جاءت فيما لم يقله، حين طُلب منه أن يتعهّد بوقف عمليات ذراع الإنفاذ والترحيل (ERO)، الذي ينفذ الاعتقالات والترحيل، حول الملاعب، فرفض أن يتعهّد بذلك.

لم يكن هذا تسريبًا ولا تخمينًا، بل موقفا علنيا، مسجلا في وثائق الكونغرس.

الباب الأمني مفتوح باسم أحد الذراعين، وباب الترحيل لم يُغلَق أمام الذراع الآخر.

" نفذت وكالة الهجرة الأمريكية ما لا يقل عن 167 ألف عملية اعتقال في المدن الـ 11 المضيفة لمباريات كأس العالم خلال 7 أسابيع فقط"ولفهم وزن هذا التصريح، لا بد من قراءته في سياق ما تفعله الوكالة فعلا، فبحسب تحليل أجرته منظّمة هيومن رايتس ووتش لبيانات حصل عليها مشروع" ترصُّد بيانات الترحيل" عبر قانون حريّة المعلومات الأمريكي، نفّذت وكالة الهجرة ما لا يقل عن 167 ألف عملية اعتقال في المدن الـ 11 المضيفة الأمريكية وما حولها، في غضون نحو 7 أسابيع فقط، بين 20 يناير/كانون الثاني و10 مارس/آذار 2025.

ولوضع هذا الرقم في سياقه، تُشير بيانات مشروع" ترصد بيانات الترحيل" إلى أن اعتقالات الوكالة في الداخل الأمريكي تضاعفت أكثر من 4 مرات خلال عام 2025، في إيقاع غير مسبوق تركز جانب كبير منه في المدن الكبرى، وهي ذاتها المدن التي تستضيف مباريات البطولة.

وعلى المستوى الوطني، تُظهر بيانات وكالة الهجرة نفسها، بحسب ما حللته وكالة أسوشيتد برس، أن أكثر من 70% ممّن كانوا قيد الاحتجاز في منتصف عام 2025 لم تُوجَّه إليهم إدانات جنائية.

يكفي أن نقرأ الرقمين معًا؛ مدن تُركَّب فيها بنية تحتية ضخمة للمراقبة باسم استقبال 6 ملايين زائر من الخارج.

وجهاز يعمل في المدن ذاتها، أوقف فيها مئات الآلاف، أغلبهم بلا سوابق، ورفض أن يتعهّد بوقف اعتقالاته أثناء الحدث الذي يجلب هؤلاء الزوّار.

لاحظ هنا أنّ الرواية الرسمية لا تكذب حين تقول إن هذه الإجراءات" لسلامة الجماهير"، لكنها فقط تختار أن تذكر وجهًا واحدًا من المنظومة، وتترك الوجه الآخر خارج الحديث.

والوجه الآخر لا يحتاج إلى أن يُفعَّل لاحقا، فهو يعمل اليوم، في المدن ذاتها، على من قد يكون بينهم زائر جاء لحضور المباراة.

وهو ما يدفعنا إلى سؤال أصعب: إذا كان هذا التقارب معلوما ومُعلنا إلى هذا الحد، فلماذا لا توقفه آليات الرقابة السياسية المعتادة؟في الماضي، كان الجدل حول المراقبة الجماعية يدور حول ما يجري في الظل، فكانت تلك المنظومات تُبنى بهدوء، وحين تنكشف، يظهر الاعتراض عليها.

كان السلاح الأساسي في يد منتقدي المراقبة هو فضح ما كان خفيا، لأن الخفاء ذاته كان شرط بقاء المنظومة.

ما تغيّر في نسخة كأس العالم 2026 أن هذا الشرط سقط، فلم يعد التقارب بين بنية البطولة وأجهزة الإنفاذ سرًا يُكشَف، بل صار أمرا يُعلن ويُدافع عنه بقوة.

تأمّل المشهد الحالي يظهر أن أكبر منظّمات حقوق الإنسان في العالم تطلق تحذيرات، والإدارة الأمريكية لا تنكر، بل تمضي في طريقها.

إذ أصدرت أكثر من 120 منظّمة، في مقدّمتها الاتحاد الأمريكي للحرّيات المدنية ومنظّمة هيومن رايتس ووتش ومنظّمة العفو الدولية، توصية رسمية تحذّر الجماهير من السفر إلى مدن البطولة الأمريكية، وهو إجراء غير مسبوق بهذا الحجم في حدث رياضي.

ووصفت منظّمة العفو الدولية في تقريرها المخاوف من أن تتحوّل البطولة إلى تهديد للجماهير والمجتمعات بدل أن تكون احتفاء بها.

" أصدرت 120 منظمة حقوقية توصية تحذر الجماهير من السفر إلى مدن البطولة الأمريكية، وهو إجراء غير مسبوق بهذا الحجم في حدث رياضي"وبدلا من أن يثير هذا حرجًا رسميا يدفع إلى التراجع، يسير الأمر في الاتجاه المعاكس، وهو أمر واضح منذ فترة، ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، منح الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) جائزته الأولى من نوعها، التي أسماها" جائزة الفيفا للسلام"، للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي تقود إدارته حملة الترحيل ذاتها.

لذا لم يعد التقارب بحاجة إلى تبرير، بل صار يحتفي بنفسه على المسرح أمام الجماهير.

ومع انطلاق بطولة كأس العالم، بدا التناقض الرسمي نفسه معروضا في العلن، فكان رئيس لجنة الاستضافة في ميامي قد نقل عن وزير الخارجية ماركو روبيو طمأنة بأن وكالة الهجرة" لن تكون في الملعب".

لكن وزير الأمن الداخلي ماركواين مولين قال إن عملاء الوكالة وذراعها للتحريات سيكونون" في الميدان كل يوم" خلال البطولة، وإن الاعتقالات" ليست مستبعدة"، وإن الوكالة" تبحث دائما عن الأسوأ بين الأسوأ".

وحين سُئل أندرو جولياني، المسؤول المكلف بملف البطولة في البيت الأبيض، عن المخاوف من مداهمات الوكالة، أجاب بأن الرئيس" لا يستبعد أي شيء من شأنه أن يجعل المواطنين الأمريكيين أكثر أمانا".

وفي مارس/آذار الماضي، قدّم بعض النواب الديمقراطيين 3 مشاريع قوانين في الكونغرس الأمريكي لمنع وكالة الهجرة من تنفيذ حملات اعتقال قرب الملاعب ووسائل النقل خلال البطولة، حملت عناوين مثل" قانون إنقاذ كأس العالم" و" قانون العبور الآمن إلى كأس العالم".

بالطبع لم يمر أي من هذه القوانين، وهو ما يسلط الضوء على حقيقة إضافية وهي أن معظم المشرعين رفضوا هذه القوانين في العلن، في دليل إضافي على أن المراقبة بل والاعتقال التعسفي لم تعد أسرارا يتكتم عليها بل مواقف تعلن بأريحية.

" فشل الفيفا في الالتزام بإطار حقوق الإنسان الذي وضعته للبطولة، وفشلت المدن المضيفة في تقديم خطط تلتزم بهذا الإطار"يصبح هذا الإعلان أوضح حين نضعه بجوار ما تعهد به الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) نفسه مكتوبا، ضمن إطار حقوق الإنسان الخاص بالبطولة، الموقع في يوليو/تموز 2024، من التزام المنظمة والمدن المضيفة بالترحيب بكل الأفراد في بيئة يشعرون فيها بالأمان وحريّة ممارسة حقوقهم.

بل إن الوثيقة تحدّد المهاجرين وعائلاتهم واللاجئين وطالبي اللجوء بوصفهم من الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، وتشترط حمايتهم بصرف النظر عن وضعهم القانوني.

ولكن بحلول أبريل/نيسان الماضي، كانت كل لجان المدن المضيفة تقريبا، عدا واحدة، قد أخفقت في تقديم خطط العمل الحقوقية التي يفرضها هذا الإطار، أو قدّمت خططا تتجاهل المخاطر.

النص المكتوب يقول شيئا، والواقع العملي يقول نقيضه، والطرفان معلومان للعيان.

هنا تحديدا يكمن مربط الفرس، إذ لم يعد السؤال هو ما الذي يُخفى عنا، بل كيف صار من الممكن أن يُقال علنا ما كان يُفترَض أن يُخفى.

والجواب، في تقديرنا، يكمن في اللغة التسويقية ذاتها.

تخيل مشجعا يدخل الملعب، عند البوابة، تلتقط كاميرا صورة وجهه، وتخبره الشركة المشغلة أن الأمر اختياري، وأن صورته محفوظة بصيغة مشفرة، وأن له أن يطلب حذفها متى شاء.

شركة ويكت، التي تشغل هذه الأنظمة في ملاعب كثيرة، تحرص في موادها التسويقية على تأكيد ذلك.

حتى إن مديرها التنفيذي، جيف بوم، يقول إن ثمة سوء فهم شائعا مفاده أنهم" يمسحون وجوه كل من في الملعب"، بينما الموافقة هنا هي حجر الأساس، إذ من المفترض أن يختار الشخص، أو أن يتراجع.

الآن، تخيل المشجّع نفسه يغادر الملعب إلى شارع في المدينة، هنا تنقلب القاعدة رأسا على عقب.

منذ مايو/أيار 2025، بات بحوزة عملاء وكالة الهجرة في الميدان تطبيق اسمه" موبايل فورتيفاي" يتيح للعميل أن يلتقط صورة وجه أي شخص في الشارع، ثم يطابقها فورا مع قاعدة بيانات تضمّ أكثر من 200 مليون صورة، تجمعها الوكالة من سجلات وزارة الأمن الداخلي وخدمة التحقق من المسافرين في الجمارك وصور التأشيرات وجوازات السفر ورخص القيادة في الولايات.

لا وجود لموافقة، ولا خيار تراجع، وتُحفظ الصورة 15 عاما، حتى لو كان صاحبها مواطنا أمريكيًا.

" يتيح تطبيق موبايل فورتيفاي لعملاء وكالة الهجرة التقاط صورة أي شخص في الشارع ومطابقتها فورا مع قاعدة بيانات تضم أكثر من 200 مليون صورة"والأخطر من ذلك ما كشفه النائب الأمريكي بيني تومسن أمام الكونغرس من أن مسؤولين في الوكالة أبلغوه بأن التطابق الذي يجريه التطبيق يُعَد" تقريرا قاطعا" لوضع الشخص، وأن بإمكان العميل أن يتجاهل دليلا على المواطنة الأمريكية، بما في ذلك شهادة الميلاد، إذا قال التطبيق إن الشخص أجنبي.

وفي وثيقة حصلت عليها منصة" 404 ميديا" الاستقصائية عبر قانون حرية المعلومات، تبين أن الوكالة لا تمنح الأشخاص فرصة رفض جمع بياناتهم البيومترية أو الموافقة على ذلك طوعا.

ضع الصورتين جنبا إلى جنب، في الداخل، نظام يقوم على الموافقة ويعد بالحذف ويصف نفسه بأنه" تحقق" وليس" مراقبة".

بينما في الخارج، نظام لا يعرف الموافقة ولا الحذف، ويعامل نتيجته بوصفها حكما قاطعا يعلو على شهادة الميلاد.

الشخص واحد، والمدينة واحدة، والأسبوع واحد.

ما يفصل بين النظامين ليس التقنية، فالكاميرا كاميرا والوجه وجه والخوارزمية من الفئة نفسها.

ما يفصل بينهما هو الاسم ونظام الموافقة المرسوم حوله.

وهنا نصل إلى قلب الحكاية؛ حين تسمع عبارة" الاستخدام المزدوج" للتقنية، يُخيَل إليك أنها وصف محايد لخاصية في الآلة، كأن المطرقة تصلح للبناء وللهدم.

لكن" الاستخدام المزدوج" في حالتنا ليس وصفا للبنية، بل تنازل لغوي مدروس، فهو الصيغة التي تسمح للمنظومة الواحدة أن تمر من بابين سياسيين في آن واحد.

تدخل من الباب الأول باسم" تجربة الملعب الذكي"، فتلقى ترحيبا، وتدخل من الباب الثاني باسم" التعرف الأمني"، فتلقى تمويلا.

والشركة ذاتها، كما رأينا في حالة داتاماينر، تعرف أي اسم تستعمل مع أي زبون.

تصف نفسها بأنها منصّة" تنبيهات" حين يلائمها ذلك، وتبيع القدرة نفسها لجهاز استخباراتي حين يلائمها ذلك.

اللغة التسويقية هنا ليست تعليقا على المنظومة، بل جزء منها، وربّما أهمّ أجزائها.

لأن البنية المعدنية من كاميرات وخوادم لا تستطيع وحدها أن تعبر الحاجز السياسي، ما يعبر بها هو الاسم.

جرب أن تصف المنظومة نفسها بمفردات وكالات الإنفاذ الصريحة: " توسع دائم في المراقبة البيومترية في 16 منطقة حضرية يموَّل عبر ميزانية بطولة رياضية"، وسترى كيف تنهار صلاحيتها السياسية في الحال.

المفردة هي العنصر الحامل، هي التي تجعل ما لا يُقبل مقبولا.

إلى هنا، نقف على أرض موثقة؛ نعرف أن البنية التحتية يجري تركيبها، ونعرف من يورّدها، ونعرف أن وكالة الهجرة أعلنت حضورها في تأمين البطولة ورفضت أن تتعهّد بوقف اعتقالاتها حولها، ونعرف أن نظامين متعارضين للموافقة يعملان على الأشخاص ذاتهم.

لكن هناك سؤالا أبعد، تتوقّف عنده الأدلّة المفتوحة، ومن الأمانة أن نقف عنده نحن أيضًا دون أن ندّعي امتلاكنا جوابا صريحا.

السؤال هو: هل تتدفّق البيانات فعلا، في الوقت الحقيقي، من منظومة" أمن البطولة" إلى منظومة الإنفاذ الفيدرالية؟ بعبارة أوضح، حين تلتقط كاميرا الملعب وجه مشجّع، هل تصل تلك الصورة، آنيا أو لاحقا، إلى قاعدة البيانات التي يطابق عليها عميل وكالة الهجرة في الشارع؟ما نستطيع قوله بثقة هو أن البنية التقنية تسمح بذلك، الأنظمة من الفئة نفسها، والشركات الموردة تعمل على الطرفين، وقدرة الربط بين قواعد البيانات موجودة وموثقة في منتجات هذه الشركات.

وما نستطيع قوله أيضًا إن تطبيق" موبايل فورتيفاي" نفسه يطابق صور الأشخاص ضد سجلات مدنية لا علاقة لها بالجريمة، من رخص القيادة إلى جوازات السفر، ما يعني أن الجسر بين أنظمة الهوية المدنية وأنظمة الإنفاذ قائم فعلا في اتجاه واحد على الأقل.

لكن ما إذا كانت بيانات الملاعب تحديدًا تمر عبر هذا الجسر، فهو أمر لا تكشفه المصادر العلنية حتّى لحظة كتابة هذه السطور.

قد يكون التدفّق قائمًا عبر مراكز القيادة الموحّدة، وهي غرف عمليات تجمع ممثّلي الشرطة المحلية والأجهزة الفيدرالية وأمن البطولة في مكان واحد لتنسيق الاستجابة لحظة بلحظة.

وقد يكون محكومًا باتفاقيات لم تُنشر، وقد لا يكون قائمًا أصلًا على هذا النحو المباشر.

الاحتمالات الثلاثة واردة، ولا يسمح المتاح من المعلومات بالحسم بينها.

نطرح هذا بوصفه السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا طوال أسابيع البطولة، فالفارق بين" البنية التحتية تسمح" و" البنية التحتية تفعل" فارق جوهري، ونحن لا نخلط بينهما هنا، بقدر ما نوضح الصورة القائمة أمامنا.

ما يعنينا أن السؤال نفسه صار مشروعًا، لأنّ المسافة بين القدرة والفعل، في ظل هذا التداخل المعلن، لم تعد تحتاج أكثر من قرار إداري.

والقرار الإداري أصبح الآن أهون ما يُتّخذ وأصعب ما يُكتشَف.

" المسافة بين القدرة والفعل، في ظل هذا التداخل المعلن، لم تعد تحتاج أكثر من قرار إداري"في النهاية، ستجد أن الكاميرا التي تَعِد بأن تُسهّل دخولك إلى الملعب، هي الكاميرا التي قد تتعرّف على وجهك في الشارع.

والشركة التي تبيع" تجربة المشجّع"، تبيع القدرة ذاتها لمن يطابق وجوه المارّة بقاعدة بيانات تضمّ أكثر من 200 مليون صورة.

والمنظومة التي تدخل من باب" سلامة الجماهير"، تخرج من باب آخر باسم آخر.

الواجهة واحدة، والوظيفة مزدوجة، والذي يفصل بينهما ليس سوى الكلمة التي نختارها لوصفها.

ويبقى السؤال الذي لا تُجيب عنه البطولة، بل تؤجّله إلى ما بعدها.

حين تنطفئ الكشّافات وتُطوى الشباك وتغادر الجماهير، ماذا يبقى واقفًا في المدينة، يراقب شارعا فارغا، بانتظار مناسبة قادمة تبرر بقاءه؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك