لم يكن أحد يتوقع أن يجد فلاديمير بيتكوفيتش نفسه في قلب العاصفة، رغم أن المنتخب الجزائري حقق فوزاً ثميناً على الأردن وأعاد إحياء آماله في بلوغ الدور الثاني من كأس العالم 2026.
لكن هذه هي طبيعة كرة القدم في الجزائر؛ فالفوز لا يلغي النقاش، والانتصار لا يحجب الانتقادات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالخيارات الفنية وأسلوب اللعب، التي لا تلقى الإجماع كل مرة مع كل المدربين الذين أشرفوا على الخضر عبر التاريخ، وقبل المواجهة الحاسمة أمام النمسا، لا يبدو أن المدرب البوسني مطالب بالتأهل للدور الثاني، بل بإقناع الرأي العام أيضاً، وهي مهمة قد تكون أصعب من تحقيق الفوز أو التعادل.
منذ بداية المونديال، انقسمت الآراء حول أداء المنتخب الجزائري وخيارات المدرب التي اختلفت عند مواجهة الأرجنتين والأردن، فهناك من يرى أن بيتكوفيتش نجح في بناء منتخب منظم، أكثر توازناً وانضباطاً من السنوات الماضية، وأنه عرف كيف يعيد" الخضر" إلى سكة المنافسة ويحقق 23 انتصاراً و 4 تعادلات، مقابل 4 خسائر في 31 مباراة.
وفي المقابل، يرى آخرون أن الجزائر تملك من المواهب والإمكانات ما يسمح لها بتقديم كرة أكثر جرأة وجمالية، وأن المدرب ما زال متردداً ومتحفظاً في خياراته، سواء من خلال بعض الأسماء الأساسية أو طريقة تسييره المباريات، وأسلوب اللعب المتنوع الذي ينتهجه.
الحقيقة أن هذه الانتقادات ليست جديدة، فقد لازمت بيتكوفيتش منذ تعيينه، لكنها ازدادت مع كلّ قرار فني مثير للجدل وكل تغيير لم يحقق الإجماع، ويبدو أن جزءاً كبيراً من الجدل يعود إلى ارتفاع سقف طموحات الجماهير الجزائرية.
فبعد الانتصارات الودية المقنعة، بدأ كثيرون يتحدثون عن إمكانية الذهاب بعيداً في المونديال، وربما تكرار ملحمة 2014 أو حتى تجاوزها.
لكن كأس العالم لا يعترف بالأمنيات، بل بالتوازن والواقعية والقدرة على إدارة التفاصيل.
وما يحاول بيتكوفيتش القيام به هو بناء منتخب يعرف متى يهاجم، ومتى يدافع، وكيف يحافظ على توازنه أمام منتخبات تملك إمكانات كبيرة.
قد يعتقد البعض أن مواجهة النمسا ستكون في متناول الجزائر، لكن الواقع مختلف تماماً.
فالمنتخب النمساوي أثبت خلال السنوات الأخيرة أنه من أكثر المنتخبات الأوروبية تطوراً، بفضل أسلوبه القائم على الضغط العالي، والسرعة في التحول، والانضباط التكتيكي، وهي الأمور التي قادته إلى تصدر مجموعته في يورو 2024 أمام هولندا وفرنسا، وأدت به إلى الفوز على النرويج بخمسة لواحد، وعلى ألمانيا بهدفين لصفر، وعلى هولندا بثلاثة لهدفين، ولهذا، فإن أي اندفاع هجومي غير محسوب قد يمنح النمسا المساحات التي تجيد استغلالها، وهو ما يفسر حذر بيتكوفيتش في تصريحاته وتحضيراته.
قد تكون هذه المواجهة أهم اختبار لبيتكوفيتش منذ توليه قيادة المنتخب الجزائري، لأنها ليست مباراة استعراض، بل مباراة تأهل، وفي مثل هذه المواجهات، لا يهم كيف تفوز، بل أن تفوز.
فإذا نجح في قيادة" الخضر" إلى الدور الثاني، فإن كثيراً من الانتقادات ستتراجع، وسينظر إلى خياراته بمنظار مختلف.
أما إذا تعثر المنتخب وخرج من المونديال، فستعود كل الملفات إلى الواجهة، من اختيارات القائمة إلى التشكيلة الأساسية، ومن التبديلات إلى طريقة اللعب، وربما يمتد النقاش إلى مستقبل المشروع بأكمله، وهذه هي قسوة التدريب في المنتخبات الوطنية؛ فالنتائج وحدها هي التي تصنع الأحكام.
الجماهير الجزائرية من أكثر الجماهير شغفاً بمنتخبها، لكنها أيضاً من أكثرها مطالبة بالأداء الجميل إلى جانب النتيجة.
غير أن المونديال علمنا أن المنتخبات التي تذهب بعيداً ليست دائماً الأكثر إمتاعاً، بل الأكثر قدرة على التكيف مع ظروف المباريات المختلفة، وقد يكون بيتكوفيتش مؤمناً بهذه الفلسفة أكثر من أي شيء آخر، حتى وإن كلفه ذلك انتقادات لا تتوقف، في مواجهة ليست مجرد مباراة من أجل التأهل، بل امتحان لمدى نضج المنتخب الجزائري، واختبار لقدرة مدربه على الصمود أمام الضغوط، واتخاذ القرارات الصحيحة في أكثر اللحظات حساسية.
فإذا نجح" الخضر" في العبور إلى الدور الثاني، فسيكون بيتكوفيتش قد كسب أكثر من مباراة؛ سيكون قد كسب ثقة شريحة واسعة من المشككين، وأثبت أن المدربين يقاسون بما يحققونه في المواعيد الكبرى، لا بما يقال عنهم في منصات التواصل الاجتماعي.
أما إذا جاءت النتيجة بغير ما تشتهي الجماهير، فإن الانتقادات ستتضاعف، وسيبدأ فصل جديد من الجدل الذي لا ينتهي حول المنتخب الوطني.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الوحيدة في كرة القدم أن الملعب هو الحكم الأخير، وأن تسعين دقيقة قد تقلب كل الموازين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك