لم يعد المجرم يحتاج إلى كمين في شارع مظلم أو مطاردة طويلة حتى يصل إلى ضحيته، فاليوم قد تبدأ الجريمة برسالة على" واتساب"، أو تهديد عبر" فيسبوك"، أو مكالمة هاتفية لا تستغرق سوى ثوانٍ، لكنها قد تنتهي داخل أروقة النيابة ومحاكم الجنايات.
كيف غيرت الهواتف المحمولة خريطة الحوادث في مصر؟في السنوات الأخيرة، تحولت الهواتف المحمولة إلى صندوق أسود يحتفظ بكل شيء؛ رسائل، وصور، ومواقع جغرافية، ومحادثات صوتية، وسجل مكالمات، لتصبح أحد أهم الأدلة التي يعتمد عليها رجال البحث الجنائي والنيابة العامة في فك ألغاز القضايا.
ولعل أشهر مثال على ذلك قضية مقتل طالبة جامعة المنصورة نيرة أشرف، التي هزت الرأي العام في يونيو 2022.
فبعد وقوع الجريمة، كشفت تحقيقات النيابة العامة عن وجود رسائل تهديد نصية وصوتية على هاتف المجني عليها، أرسلها المتهم قبل أشهر من تنفيذ جريمته، تضمنت عبارات صريحة بالقتل والذبح، منها: " استعدي بقى للي هيحصل لك" و" مش هاسيب فيكي حتة سليمة"، وهو ما اعتبرته جهات التحقيق دليلاً على سبق الإصرار والترصد، إلى جانب تسجيلات كاميرات المراقبة التي رصدت تحركاته منذ استقلال الحافلة وحتى تنفيذ الجريمة.
ولم تتوقف خطورة الرسائل عند هذه القضية، فبعد عام ونصف تقريبًا، عادت أسرة نيرة أشرف إلى واجهة الأحداث مرة أخرى، عندما تلقت شقيقتها شروق أشرف رسائل تهديد بالقتل عبر مواقع التواصل الاجتماعي من شخص طالبها بالزواج، مهددًا بأن يكون مصيرها مثل شقيقتها إذا رفضت، وهو ما دفع الأسرة إلى تحرير محضر، وتمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط المتهم والتحفظ على هاتفه الذي احتوى على رسائل التهديد.
ولم تعد الرسائل مجرد وسيلة تواصل، بل أصبحت دليلًا جنائيًا كاملًا؛ فمن خلال تحليل المحادثات، وسجل المكالمات، وآخر موقع للهاتف، تستطيع الأجهزة الأمنية إعادة رسم الساعات الأخيرة في حياة الضحية أو تحركات المتهم بدقة.
ويؤكد خبراء الأدلة الرقمية أن حذف الرسائل أو مسح سجل المكالمات لا يعني اختفاءها بالكامل، إذ يمكن استعادة جزء كبير من البيانات باستخدام الوسائل الفنية الحديثة، وهو ما جعل كثيرًا من المتهمين يسقطون بسبب رسالة اعتقدوا أنها اختفت إلى الأبد.
هكذا تغيرت خريطة الجريمة في مصر؛ فلم تعد البداية طلقة أو سكينًا، بل قد تكون إشعارًا صغيرًا على شاشة هاتف… ينتهي بعده كل شيء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك