واشنطن: سلطت الزيارة الأخيرة التي قامت بها تشنغ لي وون، زعيمة حزب المعارضة التايواني “الكومينتانغ”، لأمريكا الضوء على التعقيدات والتطور التاريخي لنهج واشنطن تجاه قضية تايوان عبر الزمن.
ويقول بول هير- وهو زميل أول غير مقيم في مجلس شيكاغو للشؤون العالمية- في تحليل نشرته مجلة ناشونال انتريست الأمريكية، إنه يبدو أن تشنغ استقبلت في الولايات المتحدة بدرجة كبيرة من الشكوك، عقب زيارتها لبكين في نيسان/ أبريل الماضي، حيث التقت الرئيس الصيني شي جين بينغ، و”بدا أنها توائم موقف حزبها مع الإطار الذي يفضله شي لتنظيم العلاقات عبر مضيق تايوان”.
وأثار قطاع واسع من الجمهور الأمريكي الذي التقته تشنغ تساؤلات عن استعدادها للتواصل مع بكين رغم النهج المتشدد والعدائي الذي تنتهجه الصين تجاه تايبيه.
وأوضح هير، الذي شغل منصب مسؤول الاستخبارات الوطنية لشرق آسيا خلال الفترة من 2007 إلى 2015، أن ذلك يمثل تناقضا صارخا مع العلاقة الوثيقة تاريخيا بين واشنطن والكومينتانغ، والتي امتدت منذ الحرب العالمية الثانية وحتى فترة متقدمة من القرن الحادي والعشرين.
ويؤكد هير أن استقبال تشنغ في أمريكا أثار تساؤلا حول “ما إذا كانت واشنطن حولت بالفعل ولاءاتها ودعمها السياسي إلى الحزب الديمقراطي التقدمي”، مضيفا أن ذلك يطرح بعض المعضلات المحتملة في ضوء نقاط الخلاف بين سياسات الحزب وسياسات واشنطن بشأن العلاقات عبر المضيق ومبدأ “الصين الواحدة”.
وفي سياق أوسع نطاقا، “تندرج هذه القضية ضمن العلاقة الثلاثية بين واشنطن وتايبيه وبكين، وما يرافقها من رؤى متنافسة بشأن طبيعة العلاقات عبر مضيق تايوان.
فمن منظور واشنطن، تُعد تايوان ديمقراطية مزدهرة ومسالمة وفاعلة على الساحة الدولية، بينما تستهدفها الصين بمحاولات تقويض وضغوط وتهديدات بالهجوم ما لم تقبل تايبيه الدخول في حوار يهدف إلى تحقيق الوحدة”.
أما من منظور تايبيه، فالصورة لا تختلف كثيرا عن الرؤية الأمريكية، لكنها تتضمن أيضا توقعات، أو أملا بالحصول على حماية أمريكية من الضغوط، أو من أي هجوم صيني محتمل.
ورغم اختلاف الرؤى الثلاث، “فإنها تشترك في نقطة واحدة، وهي أن جميع الأطراف تبنت منظومات فكرية تعفي نفسها من أي مسؤولية عن التوترات عبر المضيق”.
ولهذا السبب أيضا، يبدو الحديث عن الحفاظ على استقرار “الوضع الراهن” أمرا غير مجد، لأن هذا المفهوم يحمل معاني مختلفة لكل طرف من الأطراف المعنية، كما أنه ليس مستقرا في حد ذاته.
ويرى هير، الذي كان زميلا زائرا في مجال الاستخبارات لدى مجلس العلاقات الخارجية، وانتُخب عضوا فيه مدى الحياة عام 2001، أن الأطراف الثلاثة تتحمل جزءا من المسؤولية عن حالة التقلب والتوتر المرتبطة بقضية تايوان، “ويتعين عليها بذل جهود أكبر لخفض التصعيد.
”وتتجلى “الهشاشة الخاصة بالموقف الأمريكي ضمن هذا المثلث في الأسئلة التي ما زالت دون إجابة بشأن موقف واشنطن من تشنج وحزب الكومينتانغ”، فقد ركز جانب كبير من الانتقادات الأمريكية الموجهة إلى تشنج على معارضة حزبها لحجم بعض بنود موازنة الدفاع التي اقترحتها حكومة الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم في تايوان، والتي تعتبرها واشنطن ضرورية لردع أي استخدام صيني محتمل للقوة ضد تايوان.
ورغم أن تشنغ تؤيد تعزيز القدرات الدفاعية لتايوان، فإنها تؤكد ضرورة أن يترافق ذلك مع الانخراط في حوار مع بكين بهدف خفض التوترات عبر مضيق تايوان.
ويرفض الحزب الديمقراطي التقدمي هذا التوافق كأساس للحوار مع الصين، فيما يبدو أن واشنطن قد قبلت ضمنيا موقف الحزب.
وعلاوة على ذلك، يرى العديد من المراقبين الأمريكيين أن تشنغ والكومينتانغ يبديان قدرا واسعا من التعاطف مع بكين ومع هدفها المتمثل في تحقيق الوحدة مع تايوان.
وبحسب هير، يستحق نهج تشنج تجاه بكين تدقيقا مكثفا، ولكن “يمكن القول إنها تطرح أسئلة صعبة وتواجه حقائق استراتيجية تتجنب كل من واشنطن وحكومة الحزب الديمقراطي التقدمي في تايبيه التعامل معها بشكل مباشر”.
ويؤكد الخبير الاستخباراتي أن من الأسهل بالنسبة للمراقبين الأمريكيين النظر إلى نهج تشنج وتصويره على أنه ساذج ومضلل، بدلا من مناقشة الظروف المحتملة اللازمة لإطلاق حوار عبر مضيق تايوان”.
وبحسب هير، فإن التركيز على البعد العسكري وحده لا يقتصر على إبراز التهديدات القادمة من بكين، بل يحد أيضا من النقاش حول الكيفية التي تطورت بها السياسات الأمريكية تجاه تايوان، ومدى مساهمة هذا التطور في تعقيد العلاقات عبر مضيق تايوان وزيادة التوترات القائمة”.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ضوء المخاوف التي كانت تبديها واشنطن خلال تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة إزاء الأجندة المؤيدة لاستقلال تايوان التي كان يتبناها الحزب الديمقراطي التقدمي.
وأخيرا، فإن التركيز على احتمال تحقيق الوحدة الصينية بالقوة يحجب عدم الارتياح المتزايد آخر من المشهد، يتمثل في تنامي الانزعاج الأمريكي حتى إزاء سيناريو تحقيق وحدة سلمية بين الصين وتايوان على أساس الرأي السائد الأن بأن تايوان تعتبر رصيدا استراتيجيا مهما للمصالح الأمريكية ويتعين ألا تخضع تحت أي ظروف للسيطرة الصينية.
وبدلاً من الإقرار بهذه المعضلات، ترى الرواية السائدة أن بكين هي وحدها المسؤولة عن الأزمة المتأججة في مضيق تايوان.
كما تصوّر تشنج وحزب الكومينتانغ على أنهما مجرد أدوات أو أطراف ساذجة تخدم المصالح الصينية من حيث لا تدري.
ويشير الخبير الاستخباراتي هير إلى بروز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كعامل غير متوقع في ملف تايوان، فعلى الرغم من تعرض تشنغ لانتقادات بسبب تأييدها بعض عناصر “السردية الجيوسياسية التقليدية” التي تتبناها بكين بشأن قضية تايوان، “فإن ترامب نفسه يبدو ميالا إلى تبني توجهات مشابهة في بعض الجوانب”.
وقال ترامب في تصريحات علنية أدلى بها عقب قمته مع الرئيس الصيني شي جين بينج في بكين في أيار/ مايو 2026، إنه “لا يتطلع إلى رؤية أي طرف يسعى إلى الاستقلال”، كما أرجأ لاحقا حزمة مبيعات أسلحة أمريكية كانت مقررة لتايبيه.
وبناءً على ذلك، يبدو أن ترامب قد يكون أقرب إلى تشنغ وحزب الكومينتانغ في نظرته إلى الأهمية النسبية للردع العسكري.
غير أن ترامب معروف بتقلب مواقفه واندفاعه في قضايا السياسة الخارجية، وفي الوقت الحالي، يبدو أن مواقفه وتصريحاته تساهم في إضعاف ثقة تايوان بأمنها وبقدرتها على الاعتماد على واشنطن كشريك أمني موثوق.
وفي ختام التحليل، يؤكد هير أنه يجب على واشنطن التعامل بجدية مع القضايا المعقدة والصعبة التي يثيرها نهج تشنج القائم على الانخراط والحوار مع بكين، بدلا من رفضه باعتباره مجرد سياسة استرضاء، أو الاكتفاء بمضاعفة الاعتماد على الردع العسكري، أو التظاهر بأن سياسة أمريكا القائمة على مبدأ “الصين الواحدة” ما تزال واضحة ومتسقة وذات مصداقية كما كانت في السابق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك