هل سألت نفسك من قبل: كيف يمكن للإنسان أن يفهم ما يدور حوله إذا غابت عنه الأصوات والصور تماما؟ كيف يعرف أن شخصا اقترب منه أو أن طفلا يمد يده نحوه أو أن حديثا يدور في الغرفة؟ للوهلة الأولى يبدو الأمر أقرب إلى عزلة كاملة، كأن أبواب التواصل مع العالم أغلقت، لكن الواقع أكثر إدهاشا وتعقيدا مما نتصور.
في عالمنا يعيش آلاف الأشخاص الصم المكفوفين الذين فقدوا السمع والبصر بدرجات مختلفة، ومع ذلك لم ينقطعوا عن الحياة، ولم يتوقفوا عن التواصل أو فهم ما يجري حولهم.
بمساندة العلم والتقنيات الحديثة، طوروا طرقا أخرى لقراءة العالم لا تعتمد على العين أو الأذن، بل على حواس مختلفة قادرة على التقاط التفاصيل وترجمتها إلى معان ومشاعر ومعلومات.
list 1 of 4عندما يُصاب العالم بانفصام الشخصية وانعدام التوازنlist 2 of 4محنة الأسير محمود.
صاروخ بتر قدمه وضابط أطفأ نظره بكرسي من حديدlist 3 of 4بقيادة فيزيائي مصري.
علماء هارفارد يصنعون معالجات كمومية فائقة النحافةlist 4 of 4كان عكازه وعينه.
كفيف سوداني يبكي فقدان ابنه في الحربفي اليوم الدولي للإعاقة السمعية البصرية الذي يواكب ذكرى ميلاد الكاتبة الملهمة هيلين كيلر، نقترب من هذا العالم، لنرى كيف يقرأ الصم المكفوفون ما يدور حولهم، وكيف يعيدون اكتشاف الناس والأماكن والتفاصيل اليومية بطرق قد لا تخطر على بال كثيرين.
ليسوا معزولين عن العالم.
بل يقرؤونه بطريقة مختلفةالأصم الكفيف شخص يعاني من إعاقة حسية مزدوجة، يشار إليها أحيانا بـ" فقدان الحواس المزدوج" أو" ضعف الحواس المتعددة".
غالبا لا يكون الشخص أصمّا كليا ولا كفيفا كليا، لكن ضعف السمع والبصر معا يصل إلى درجة تسبب صعوبات كبيرة في الحياة اليومية، ويختلف مستوى الفقدان من حالة لأخرى، بما يجعل لكل شخص احتياجات رعاية فردية خاصة.
السؤال الطبيعي هنا: كيف يعيش هذا الشخص ويتواصل؟ الإجابة هي عبر" لغة اللمس" والإدراك الحسي.
الأشخاص الصم المكفوفون يخوضون تجربة إدراكية مختلفة للعالم؛ لا يعتمدون على السمع أو البصر، بل على قنوات بديلة أبرزها اللمس والإشارات الجسدية.
هذا الاختلاف لا يعني الانفصال عن المجتمع، لكنه يجعل التواصل أكثر تعقيدا ويتطلب انتباها أكبر من الطرفين.
في الحياة اليومية للصم المكفوفين، قد تتحول أبسط الإشارات الاجتماعية إلى تحد حقيقي؛ تعبيرات الوجه مثل الابتسامة أو الغضب ونبرة الصوت التي يعتمد عليها أغلب الناس لفهم سياق الحديث، تصبح غائبة تماما، فتظهر الحاجة لوسائل بديلة للتواصل تعتمد على اللمس والشعور بالاهتزازات.
توضح دراسات أن الاهتزازات يمكن أن تنقل معلومات عن المسافة والقرب والحركة، لتتحول إلى نوع من" اللغة الوظيفية" يساعد في التفاعل مع الأشخاص والبيئة.
تذكر الإرشادات الصحية أن الأصم الكفيف قد تتأثر قدرته على التواصل والحصول على المعلومات والتنقل، لكن ذلك لا يلغي استقلاليته، بل يدفعه لاستخدام وسائل بديلة تساعده على التفاعل مع العالم بشكل تدريجي ومنظم.
كثير من الصم المكفوفين يستخدمون أنظمة تواصل متقدمة، مثل الإشارات اللمسية أو التواصل عبر اليد، حيث تنتقل الكلمات والمعاني من خلال اللمس المباشر، لتتشكل" محادثة" لا تعتمد على الصوت أو الصورة.
كما تُدرك البيئة المحيطة عبر جمع إشارات عديدة، مثل القرب الجسدي والشعور بحركة الأشخاص ولمس الأشياء، بما يسمح بفهم ما يحدث بطريقة مختلفة لكنها فعالة.
بهذا المعنى، لا يكون الشخص الأصم الكفيف منفصلا عن العالم، بل قارئا له بلغة أخرى؛ يصبح اللمس نافذة للفهم، وتتحول الحركة والاهتزازات إلى أدوات بديلة للرؤية والسمع، ليظل التواصل ممكنا حتى في غياب الحاستين الأكثر اعتمادا لدى البشر.
كيف يعيد الدماغ اختراع الحواس؟ القراءة عبر الجلدوفق علم الأعصاب، يستطيع الدماغ أن يعيد كتابة خريطته.
حين تغيب الصورة أو الصوت، لا يتوقف عن البحث عن المعلومات، بل يعيد بناء طرق جديدة لقراءتها وفهمها.
تشير الأبحاث إلى أن الدماغ البشري يمتلك قدرة مدهشة على إعادة تنظيم أساليب استقبال المعلومات، بما يسمح لبعض فاقدي السمع والبصر بإدراك العالم عبر قنوات غير معتادة.
بالنسبة للشخص الأصم الكفيف، يصبح" الجلد" نافذته الأساسية إلى العالم، وتتحول اللمسة إلى لغة كاملة تحمل المعنى والمشاعر والمعلومة في آن واحد، عبر ما يعرف بالتواصل اللمسي المباشر، حيث تعاد توظيف مناطق في الدماغ مرتبطة بالرؤية أو السمع لمعالجة اللمس.
إحدى الدراسات المنشورة في مجلة" نيتشر نيوروساينس" أظهرت أن منطقة دماغية معروفة بدورها في التعرف على الأشكال عبر الرؤية أو اللمس تنشط أيضا عندما يتعرف الإنسان على شكل الأشياء عبر أصوات تمثل تلك الأشكال.
النتائج تشير إلى أن هذه المنطقة لا تستجيب للحاسة بقدر استجابتها للمعلومة نفسها، أي أن الدماغ يهتم بـ" ما يقال" أكثر من" كيف يصل".
دراسة أخرى بينت أن بالغين مكفوفين منذ الولادة تمكنوا من تعلم قراءة الحروف والتعرف على صور معقدة باستخدام" المشاهد الصوتية"، وهي أصوات منظمة تمثل الصور.
المنطقة الدماغية المسؤولة عادة عن قراءة الكلمات المكتوبة تنشط أثناء قراءة هذه الأصوات بعد فترة تدريب قصيرة، وهو ما يدعم فكرة أن بعض مناطق الدماغ مهيأة لمعالجة أنواع محددة من المعلومات بغض النظر عن الحاسة الناقلة.
وفي سياق مشابه، توصل باحثون إلى أن الأشخاص الذين استخدموا نظاما يحول الصور إلى أصوات استطاعوا استخلاص معلومات عن بيئتهم بدرجات أعلى من المتوقع حتى في المراحل الأولى من التعلم، مع تحسن واضح بعد تدريب محدود، في دلالة على قدرة الدماغ على التكيف السريع مع أساليب إدراك جديدة.
ولا يقتصر الأمر على الأصوات، فالتقنيات الحديثة تستفيد من حاسة اللمس أيضا.
إحدى الدراسات الحديثة على أجهزة التعويض الحسي المعتمدة على الاهتزازات أو الأصوات أظهرت أن هذه الأجهزة يمكن أن تزود المستخدم بمعلومات عن المسافة بين يده والأجسام المحيطة، وأن المشاركين حققوا معدلات نجاح مرتفعة في مهام الإمساك بالأشياء بعد استخدام هذه الأنظمة، وهو ما يعيد تأكيد قدرة الدماغ على ترجمة الإشارات اللمسية إلى" خريطة" عملية للعالم.
هل تصبح التكنولوجيا حاسة جديدة؟في هذا العالم، ظهرت أنظمة تواصل قائمة بالكامل على اللمس، مثل لغة" بروتاكتايل" (Protactile)، وهي نظام تواصل يعتمد على التفاعل الجسدي المباشر، حيث تستخدم اليد والذراع والجسم لنقل المعلومات بدلا من الإشارات المرئية.
هنا، لا يكون اللمس مجرد أداة مساعدة، بل أساس اللغة؛ تُبنى المحادثة عبر اتصال جسدي مستمر بين المتحدثين، ويستخدم اللمس لنقل تفاصيل عن البيئة واتجاه الأشخاص وحركتهم وتفاعلاتهم الاجتماعية داخل المكان.
إلى جانب ذلك، ظهرت تقنيات تعتمد على الاهتزاز كوسيلة تواصل رقمية، تحول الرسائل إلى أنماط اهتزاز محسوسة على الجلد.
هذه الأنظمة جرى اختبارها مع مستخدمين صم مكفوفين، وأثبتت إمكانية تعلمها واستخدامها في الإرسال والاستقبال بعد فترات تدريب قصيرة نسبيا، ليصبح الاهتزاز قناة تواصل فعالة ومستقلة.
توضح التجارب التقنية في مجال الأجهزة اللمسية أن أنماط الاهتزاز يمكن تصميمها لتحمل معاني مختلفة، فتسمح بنقل رسائل وإشارات معقدة عبر اهتزازات محددة.
وقد أظهرت هذه الأنظمة قدرة المستخدمين على التفاعل مع الإشارات وفهمها في سياقات الحياة اليومية.
وتشير دراسات إلى أن بعض أنماط الاهتزاز يمكن استخدامها لنقل" إشارات اجتماعية" وتعزيز التفاعل الاجتماعي، مما يفتح الباب أمام مشاركة الصم المكفوفين في محادثات جماعية، عبر أجهزة لمسية قابلة للارتداء وتصميم إشارات لمسية مخصصة للتواصل الاجتماعي الفعال.
كيف يعيد الذكاء الاصطناعي رسم علاقة الأصم الكفيف مع العالم؟تتجه الأبحاث الحديثة في الذكاء الاصطناعي إلى تطوير أجهزة قابلة للارتداء لا تكتفي ببناء جسور للتواصل، بل تعيد تشكيل طريقة إدراك البيئة لحظيا، عبر تحويل المشهد الواقعي إلى معلومات يمكن فهمها بالصوت أو الإشارات المساعدة.
أحد هذه الأنظمة يجمع كاميرا صغيرة مع معالج ذكي يحلل ما يحدث في المحيط؛ يتعرف على الأشخاص والأشياء والعوائق داخل المشهد، ثم يحول هذه البيانات إلى صوت أو إشارات مفهومة تساعد المستخدم على التفاعل مع المكان.
يمكن للمستخدم أيضا إضافة معلومات عن أشخاص وأشياء جديدة للتعرف عليهم لاحقا، بما يحسن دقة النظام مع الوقت.
هذه الأجهزة لا تمنح القدرة على" رؤية" العالم فقط، بل على تفسيره أيضا، إذ تستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي لفهم سياق المشهد، التفريق بين القريب والبعيد، وتقديم وصف لحظي يساعد على اتخاذ القرار أثناء الحركة، لتبني ما يشبه" وعيا مكانيا" مستمرا يمنح المستخدم تصورا حيا للمساحة المحيطة واتجاهات الحركة والفراغات والعوائق.
هنا تشير مراجعة علمية واسعة نشرت في 2020 إلى أن هذه الأجهزة تمثل اتجاها متسارعا في التكنولوجيا المساعدة، حيث يجري دمج الذكاء الاصطناعي مع تصميمات قابلة للارتداء بهدف تحسين الاستقلالية وتقليل الاعتماد على الآخرين في التنقل اليومي.
وتوضح المراجعة أن السنوات السابقة شهدت جهودا مكثفة لتطوير أجهزة مخصصة للمكفوفين وضعاف البصر، تحول الصور إلى أصوات، وتعزز قدراتهم الإدراكية أثناء التنقل في بيئات مألوفة وغير مألوفة -داخلية وخارجية- وترفع جودة الحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك