يبدو أن تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران امتدت لتحدث انقساما في صفوف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، إذ كشفت تصريحات نائب الرئيس ووزير الخارجية مؤخرا عن تباين علني واضح بشأن الاتفاق مع طهران وموقف واشنطن من إسرائيل وانتهاكاتها المستمرة في لبنان.
ومن قلب البيت الأبيض، هاجم جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي الإسرائيليين المنتقدين لمذكرة التفاهم المبدئية الموقّعة إلكترونيا مع طهران، في حين فضل وزير الخارجية ماركو روبيو الاصطفاف خلف تل أبيب، معلنا دعمه لعدوانها العسكري في لبنان بزعم أنها تُعَد" ردا مبررا" على هجمات حزب الله.
ومنذ اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، بذلت إدارة ترمب جهودا حثيثة لإظهار نفسها بوصفها جبهة موحّدة ومتماسكة، بيد أن تصريحات فانس وروبيو الأخيرة -خاصة تلك المتعلقة بإسرائيل- أظهرت على الملأ ما يحاول البيت الأبيض جاهدا إخفاءه من تباين في المواقف.
فما أوجه الاختلاف بين نائب الرئيس ووزير خارجيته فيما يتعلق بإيران وإسرائيل؟ وهل يترجم هذا التباين في الرؤى إلى انقسام فعلي داخل أروقة الإدارة الأمريكية؟ماذا جاء في تصريحات فانس وروبيو؟شن نائب الرئيس الأمريكي -خلال كلمة ألقاها في البيت الأبيض الأسبوع الماضي- هجوما لاذعا على المسؤولين الإسرائيليين المنتقدين لمذكرة التفاهم الموقعة مع إيران، حيث أكد أن ترمب بات حليف إسرائيل الوحيد في الوقت الحالي، في إشارة إلى استمرار تل أبيب في تلقي مساعدات دفاعية أمريكية ممولة من ضرائب الأمريكيين بشكل دوري، على الرغم من كونها منبوذة دوليا.
وقال فانس للصحفيين في البيت الأبيض: إن" دونالد ترمب هو الرئيس الوحيد في العالم بأسره الذي يتعاطف مع إسرائيل في هذه اللحظة بالذات"، مضيفا أنه لو كان في مجلس وزراء الحكومة الإسرائيلية لما هاجم" حليفه القوي والوحيد المتبقي له في العالم بأسره".
وتقدم الولايات المتحدة لإسرائيل مساعدات عسكرية بقيمة نحو 4 مليارات دولار سنويا، غير أن البلدين يتفاوضان حاليا على اتفاقية مساعدات جديدة.
كما وجّه فانس رسالة إلى المنتقدين الإسرائيليين مفادها أن مشكلتهم ليس لها علاقة بما يفعله ترمب بشأن سياسات أمريكا الخارجية، وأن أي شخص في إسرائيل يعتقد ذلك يجب أن" يستيقظ ويدرك حقيقة الوضع الذي تمر به بلاده".
وانتقد أيضا بشكل خاص وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش -في مقابلة مع صحيفة" نيويورك تايمز" - بعد مهاجمتهم اتفاق التفاهم المبدئي مع إيران ومطالباتهم المستمرة بإحراق لبنان، متسائلا: " ما اقتراحكم بالضبط؟ أنتم دولة يبلغ عدد سكانها 9 ملايين نسمة.
لا يمكنكم ببساطة أن تعتمدوا على القتل كوسيلة لحل كل مشكلة من مشاكل الأمن القومي التي تواجهونها".
في المقابل، دافع روبيو عن الحملة العسكرية الإسرائيلية في لبنان، واصفا تصرفات إسرائيل بأنها" رد مبرر" على هجمات حزب الله.
وعندما وُجهت إليه أسئلة حول انتقادات فانس لإسرائيل، تجنب وزير الخارجية الأمريكي الإجابة مباشرة، قبل أن يعرض للحضور هجوما لحزب الله استهدف نقطة تفتيش إسرائيلية في وقت سابق من هذا الأسبوع.
ومنذ توليه منصبه، لم يغيّر روبيو موقفه من إسرائيل بتاتا -على عكس فانس- إذ حافظ على سجل قوي ومتسق في الدفاع عن" حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" طوال مسيرته السياسية.
وربما أبرز مثال على ذلك هو تأييده للانتهاكات الإسرائيلية الأخيرة في لبنان، نظرا لكونها تصب في مصلحة إسرائيل وتسهم في تحقيق الاستقرار والأمن لها بالمنطقة، من وجهة نظره.
تضارب التصريحات حول اتفاق التفاهمولم تظهر الاختلافات بينهما بشأن إسرائيل فقط، بل طفت على سطح الجولات الخارجية المتعلقة باتفاق التفاهم الأمريكي الإيراني.
فمن جهة، توجّه فانس إلى سويسرا لإجراء جولة من المحادثات مع المسؤولين الإيرانيين، وتحدث للصحفيين، الأحد الماضي، بنبرة متفائلة حول مسار المباحثات مع طهران، بينما كرر في الأسابيع الأخيرة تصريحات تشير إلى أن دول المنطقة قادرة على تمويل إعادة إعمار إيران.
كما أشار إلى إمكانية إقامة علاقة جديدة بين إيران والولايات المتحدة مبنية على التعاون في المستقبل.
على الجهة الأخرى، زار روبيو كلا من الإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين لطمأنة دول المنطقة بأن اتفاق التفاهم مع إيران لن يتضارب مع مصالحهم، بل سيحميها.
وخلافا لفانس، قال وزير الخارجية إنه لن يطلب خلال رحلته من دول المنطقة تمويل إعادة إعمار إيران، مشيرا إلى أن مثل هذا الاحتمال" بعيد المنال".
وشدد خلال اجتماع مع مسؤولين إقليميين، الخميس، على أن أي اتفاق يجب أن يكون صارما فيما يتعلق بمصالح الولايات المتحدة ومصالح حلفائها.
ماذا قال البيت الأبيض عن تباين تصريحات مسؤوليه؟نفى البيت الأبيض، على لسان المتحدثة باسمه آنا كيلي، بشدة أن يكون هناك أي تباين بين موقف فانس وروبيو بشأن الاتفاق مع إيران والهجمات الإسرائيلية على لبنان، مؤكدا أن" هناك معسكرا واحدا، وهو معسكر الرئيس ترمب، والإدارة بأكملها تقف بالكامل وراء جهود الرئيس لضمان عدم تمكّن إيران أبدا من امتلاك سلاح نووي".
ووصف المتحدث باسم وزارة الخارجية تومي بيغوت فكرة وجود أي انقسامات في السياسة الخارجية بين روبيو وفانس على أنها مجرد رواية" مبتذلة ومزيفة"، قائلا: " الإدارة بأكملها تقف صفا واحدا بنسبة 100% خلف الرئيس ترمب".
هذا ما أكده أيضا متحدث آخر باسم وزارة الخارجية، الذي شدد بدوره على عدم وجود أي تباين بين المسؤولين بشأن لبنان، مضيفا أن هدف الإدارة حاليا هو استعادة سيادة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها.
ورغم تباين المواقف والتصريحات، دعم كل من فانس وروبيو جميع قرارات ترمب فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، بما في ذلك اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو مطلع العام الجاري، وهجومه المباشر على إيران في فبراير/شباط، وصولا إلى قراره الأخير بالمضي قدما في مباحثات السلام مع طهران.
ماذا يعكس تباين تصريحات فانس وروبيو؟يبدو أن هذا التباين قد بدأ في رسم صورة مغايرة لتلك التي تريد إدارة ترمب تصديرها للعالم حول تماسك صفوفها ووحدة الرؤى لدى مسؤوليها حول أجندة الرئيس الأمريكي السياسية والعسكرية.
وترى وكالة رويترز أن هذا التباين يقدّم لمحة مبكرة عن مستقبل الحزب الجمهوري، إذ يُنظر إلى كل من فانس وروبيو على أنهما مرشحان محتملان لرئاسة الولايات المتحدة في عام 2028.
وبالتالي، فمن المرجّح أن سباق التنافس بينهما قد بدأ بالفعل لحشد أكبر عدد ممكن من الأصوات حتى يحين موعد الانتخابات، عبر إبراز مواقفيهما تجاه القضايا التي تمس حياة المواطن الأمريكي.
ونقلت رويترز عن مايكل روبين، باحث أول في معهد أمريكان إنتربرايز للأبحاث، أن روبيو وفانس يحملان وجهات نظر مختلفة بوضوح، وأنهما" يمثلان تيارين مختلفين" في الحزب الجمهوري.
في المقابل، لا ينبغي إغفال أن المسؤولين ينحدران من خلفيات مختلفة عند الحديث عن ملف السياسة الخارجية الأمريكية.
فقبل توليه منصبه العام الماضي، دأب فانس على انتقاد الحروب الخارجية باعتبارها إهدارا للأرواح والمال العام.
أما روبيو، فقد اشتهر في مجلس الشيوخ بكونه أحد أبرز" الصقور" المطالبين بمواقف أكثر تشددا تجاه إيران وروسيا وكوبا.
لذلك، يُعَد من السابق لأوانه الحديث عما إذا كان التباين الحالي مجرد اختلاف في وجهات النظر -الذي لطالما كان موجودا بين فانس وروبيو- أم إنه يعكس انقساما في صفوف إدارة ترمب، خاصة أن الرئيس الأمريكي نفسه لديه تباين في تصريحاته بين الحين والآخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك