لم يعد" العمق" مجرد مسافة جغرافية في حسابات الحرب الروسية الأوكرانية، بل تحول إلى ساحة معركة مفتوحة لكسر العظام وتجريد الخصم من أوراقه الاستراتيجية.
فى ليلة صاخبة غاب عنها الهدوء، تبادلت كييف وموسكو ضربات نوعية واسعة النطاق، تجاوزت خطوط المواجهة التقليدية لتستهدف مفاصل الطاقة وعصب الصناعات العسكرية الحساسة، مخلفة وراءها ضحايا مدنيين ودخانًا متصاعدًا يلخص مشهد التصعيد المستمر منذ فبراير 2022.
في عمق الأراضي الروسية، وتحديداً في مدينة" فولجوجراد"، كانت الأنظار تتجه نحو مجمع" تيتان-بارريكادي" العسكري؛ هذا العملاق الصناعي الذي لا يعد منشأة عادية، بل هو" العقل المغذى" الذي تشتبه كييف في مشاركته بإنتاج المكونات الحساسة لمنظومة صواريخ" أوريشنك" المرعبة، فضلاً عن تصنيع أنظمة المدفعية ومنصات الإطلاق.
أوكرانيا تقصف عصب منظومة صواريخ أوريشنك الروسيةأوكرانيا حسمت خيارها وأطلقت صواريخها المجنحة بعيدة المدى من طراز" FP-5 Flamingo" (البجع)، لتخترق هيبة الأجواء الروسية وتصيب الهدف بضربتين مؤكدتين على الأقل.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لم يتأخر في توثيق الحدث؛ إذ نشر مقطع فيديو للضربات عبر منصات التواصل الاجتماعي، موجهاً رسالة حاسمة ومباشرة لموسكو: " كل منشأة دفاعية روسية تشارك في الحرب ضد أوكرانيا هي هدف مشروع لضرباتنا بعيدة المدى".
ولم تقتصر الضربات الأوكرانية على عصب التصنيع فحسب، بل امتدت لتضرب الشريان الاقتصادي المغذي لروسيا؛ حيث أعلن جهاز الأمن الأوكراني" إس إس يو" عن استهداف محطة ضخ النفط الاستراتيجية" فطوروفو" للمرة الثانية خلال شهر يونيو بواسطة الطائرات المسيّرة، وهي المنشأة الحيوية التي تمد العاصمة موسكو بالوقود وتؤمن تدفق المنتجات النفطية للتصدير عبر موانئ بحر البلطيق.
جحيم المسيرات وأنقاض المدن الأوكرانيةعلى الجانب الآخر، عاشت المدن الأوكرانية ليلة مرعبة تحت وابل من الهجمات الروسية المكثفة التي شملت إطلاق 129 طائرة مسيّرة.
ورغم إعلان وسائل الإعلام الأوكرانية عن إسقاط أو إعاقة 113 منها، فإن الصواريخ والمسيرات الناجية خلفت دماراً واسعاً وموتاً في صفوف المدنيين، حيث قُتل شخصان وأصيب أكثر من عشرين آخرين.
الضربات الروسية ركزت بقوة على منشآت إنتاج تابعة لمجموعة" نافتوغاز"، أكبر شركة وطنية للنفط والغاز في أوكرانيا، وتحديداً في منطقتي بولتافا وخاركيف.
وفي دنيبروبتروفسك، تحول الليل إلى كابوس بعد أن هاجم الجيش الروسي حيين في المنطقة أكثر من 30 مرة بالطائرات المسيّرة والقنابل الجوية، مما أسفر عن مقتل شخص وإصابة اثنين.
وفي سومي شمالاً، خطفت طائرة مسيرة حياة مسن يبلغ من العمر 66 عاماً داخل منزله، في حين تسببت ضربات أخرى في زابوريجيا بدمار هائل في البنية التحتية المدنية وتضرر مبنى سكني مرتفع، حيث انتشل عمال الإنقاذ مواطنين من تحت الأنقاض وسط إصابة تسعة أشخاص بينهم طفلان.
خنادق الموت وانقطاع الطاقة في سوميأعلنت وزارة الدفاع الروسية توجيه ضربة دقيقة لمنشأة طاقة أوكرانية في مقاطعة سومي باستخدام مسيّرة من طراز" جيران-2 سيكر"، ما أدى إلى انقطع التيار الكهربائي عن المصانع التي تدعم المجهود الحربي الأوكراني، وذلك بعد يوم واحد من تدمير مراكز لوجستية في زابوروجيه وخاركوف.
وفي البعد الإنساني والعسكري الأكثر قتامة، نقلت المصادر الروسية عن جهاز الأمن الفيدرالي تقارير تشير إلى نزيف بشري حاد يعاني منه اللواءان الأوكرانيان (الـ47 الميكانيكي والـ71 المحمول جواً) في سومي، حيث تكتظ شبكات التواصل الاجتماعي بصرخات أقارب المجندين قسراً – والذين يعاني بعضهم من أمراض مزمنة – مؤكدين مقتلهم بأعداد كبيرة وبقاء جثامينهم داخل التحصينات الترابية، ليُدرجوا رسمياً في قوائم المفقودين، في منطقة خسرت فيها كييف – بحسب البيانات الروسية – أكثر من 1575 عسكرياً خلال أسبوع واحد فقط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك