بدأ الأولياء، ومعهم المختصون في الطب النفسي، يلاحظون تزايدا لافتا في عدد الأطفال الذين يظهرون سلوكيات تشبه اضطرابات طيف التوحد، رغم أنهم لم يولدوا مصابين به وراثيا، أو لم يتم تشخيصهم من قبل مختصين في طب الأعصاب.
والتزايد المريب لهذه الحالات دفع بالخبراء إلى إعطائها وصف”التوحد المكتسب”، أو “التوحد الشبيه”، الذي يكون ناتجا عن البيئة.
وهي حالة ترتبط غالبا بالإفراط في استخدام الشاشات، الحرمان والإهمال العاطفي، العنف الأسري، الصدمات النفسية المبكرة.
علميا، يتم تصنيف التوحد الحقيقي على أنه اضطراب نمائي عصبي معقد، له جذور جينية وبيولوجية، إلا أن الخبراء يؤكدون اليوم أن بعض الأطفال قد يطورون أعراضا شبيهة بالتوحد، بسبب ظروف حياتية قاسية، كالعيش وسط الخلافات والأزمات، أو بسبب العزلة الرقمية المفرطة، التي تحرم الدماغ من التفاعل الإنساني الطبيعي… ثم إن مئات الدراسات الحديثة ربطت بين الإفراط المبكر في استعمال الهواتف الذكية واللوحات الإلكترونية والتلفاز، وبين ظهور أعراض اضطرابات التواصل والانسحاب الاجتماعي، لدى الأطفال الصغار، ما دون السابعة.
هل نحن أمام مرض جديد ينافس البقية؟في عيادات الطب النفسي للأطفال، لم تعد المشكلات تقتصر على فرط الحركة أو القلق أو الاكتئاب الطفولي فقط، بل ظهرت موجة جديدة من الأطفال، الذين يعانون اضطرابات التواصل والعزلة والانفصال عن الواقع الاجتماعي، إذ انتشرت عيادات برمتها، ومختصون أرطفونيون، وأطباء أعصاب لعلاج أعراض التوحد المكتسب، على غرار اضطرابات النطق والتواصل، القلق الاجتماعي، التأخر الإدراكي المرتبط بالشاشات، الإدمان الرقمي عند الأطفال، الانسحاب العاطفي… وحتى إن كان مصطلح “التوحد المكتسب” لا يزال يشكل محل نقاش علمي، لدى بعض المختصين القدامى، فإن الأطباء يجمعون على أن البيئة الحديثة أصبحت قادرة على خلق أعراض قريبة جدا من اضطرابات طيف التوحد، خاصة عندما يجتمع الحرمان العاطفي مع الإدمان الرقمي والصدمات النفسية.
تستعين غالبية الأمهات في هذا العصر بالتكنولوجيا، لمساعدتها في تربية الأطفال، باعتبارها حلا سريعا، فعالا، وغير مكلف، فتلجأ إلى إعطاء الهاتف للطفل الذي يبكي، أو يرفض الطعام.
أما كثير الحركة، أو الذي لا يستجيب لأوامر الهدوء، فيتم إخضاعه للشاشات لساعات طويلة، بينما يتمكن الوالدان من إكمال الواجبات اليومية، أو الراحة.
هذه العادات، تتسبب في ظهور تغيرات سلوكية خطيرة، خاصة على الرضع.
تشير أبحاث في علم الأعصاب، منشورة في مجلة BMC Public Health إلى أن التعرض المفرط للشاشات، في السنوات الأولى من العمر، قد يرتبط بارتفاع خطر ظهور اضطرابات تشبه طيف التوحد، واضطرابات التواصل الاجتماعي.
هذا، ما تؤكده أيضا الأخصائية في علم النفس، عائشة بن ربيع، عن بعض الأعراض مثل: “ضعف التواصل البصري، تأخر النطق والكلام، عدم الاستجابة عند مناداة الاسم، التعلق المفرط بالأجهزة، الانسحاب من اللعب الجماعي، سواء في الشارع أم في الروضة، نوبات الغضب والعنف عند سحب الهاتف أو إطفاء التلفاز، وتكرار الحركات والسلوكيات بشكل آلي… وهي أعراض ما بات يطلق عليه في علم النفس “المربية الرقمية”، التي يمكن تأكيدها بتحسن الحالة عند إبعاد الأطفال عن الشاشات، وإعادة دمجهم اجتماعيا”.
عندما يتسبب الأولياء في معاناة أطفالهممن جانب آخر، تؤكد الأخصائية النفسية والاجتماعية، كريمة رويبي، أن: “الطفل الذي يعايش الإهمال أو الخوف المستمر ويتعرض للصراخ والضرب، ينسحب نفسيا من العالم المحيط به كآلية دفاعية، فالدماغ في مرحلة الطفولة عندما يتعرض لتوتر مزمن أو خوف متكرر، يدخل في حالة “النجاة”، التي تجعله أقل قدرة على التفاعل الاجتماعي الطبيعي، وأكثر ميلا إلى العزلة والانغلاق”.
وهو ذات الشعور الذي يعيشه بعض الأطفال، الذين مروا بصدمات قوية، مثل انفصال الوالدين، أو فقدان أحدهما، أو التعرض للتنمر والإهمال… تضيف الأخصائية: “تظهر عليهم أعراض تشبه التوحد، كالصمت الطويل، رفض الاختلاط، التعلق بالأشياء، خاصة اللعب والشاشات، صعوبة التعبير عن المشاعر، الحساسية المفرطة للأصوات أو اللمس”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك