تكرّرتْ قصّة آدم مع إبليس، سبع مرات، في مواضع عدّة من كتاب الله، ولعلّ الحكمة من ذلك أن تترسّخ في أذهاننا حقيقةٌ من الحقائق الكبرى التي تقوم عليها علاقة العبد بخالقه، ونفهم أساس الامتحان الذي نخوضه في هذه الحياة.
نقرأ القصّة في كلّ مرّة، فيلفت انتباهَنا كيف أنّ آدم وحوّاء –عليهما السّلام- أذنبا فتاب الله عليهما وغفر لهما.
لكنّ إبليس حينما عصى ربّه –قبل ذلك- لعنه الله وطرده من رحمته، فيتبادر إلى أذهاننا السؤال: لماذا تاب الله على آدم وحوّاء ولم يتب على إبليس، مع أنّ الجميع عصى أمر الله في الملأ الأعلى؟ !والجواب عن هذا السّؤال نجده في كتاب الله واضحا بيِّنا ليكون درسا لبني آدم إلى أن تقوم السّاعة؛ آدم وحواء حينما أذنبا وعاتبهما ربّهما، لم يقولا: ولماذا -يا ربّنا- أبحت لنا كلّ ما في الجنّة إلا هذه الشّجرة؟ لماذا هذه الشّجرة بالذّات؟ لم يقولا ذلك، إنّما اعترفا بخطيئتهما من أوّل وهلة، وأظهرا الخضوع والانكسار وسألا ربّهما الكريم أن يغفر لهما: ((فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين)).
أمّا إبليس، فإنّه حينما عصى أمر الله وأبى أن يسجد لآدم، وسأله ربّه بكلّ رفق: ((مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُك))؛ ماذا كان جوابه؟ هل اعترف بخطئه وندم وخضع وطلب المغفرة؟ كلا، بل قال بكلّ جرأة وصلف وتكبّر: ((أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ))، فكان جزاؤه أن قال الله له: ((فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِين)).
سوّلت له نفسُه الأمّارة بالسّوء أنّ النّار أفضل من الطّين، وبالتالي لا يصحّ أن يسجد من خُلق من النّار لمن خلق من الطّين! ونسي اللّعين أنّ الطّين سبب الحياة والخير والنّماء وعنوان التواضع والثّبات، وأنّ النّار سبب الهلاك والإتلاف وعنوان الحدّة والطّيش والاضطراب!ومن ذلك اليوم الذي طرد فيه إبليس من رحمة الله؛ أخذ على عاتقه أن يكون هدفه الأكبر أن يوقع بني آدم في الخطأ الذي وقع فيه هو وكان سببا في طرده من رحمة الله، بمعنى أنّ غاية إبليس ليست أن يوقع الإنسان في الخطأ والمعصية فقط، إنّما غايته أن يصل بالإنسان إلى أن يصرّ على خطئه ويبحث لنفسه عن الأعذار والمبرّرات!الإنسان حينما يخطئ ويذنب، فإنّه يكون مثل أبيه آدم، إنسانا خطّاءً متى ما اعترف بخطئه وكره المعصية من نفسه وطأطأ رأسه واستغفر مولاه؛ في المستدرك على الصحيحين أنّ النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- قال: “إنَّ الشَّيْطانَ قالَ: وعزَّتِكَ يا ربِّ، لا أبرَحُ أُغوي عِبادَكَ ما دامَتْ أرواحُهُم في أجسادِهِم، فقالَ الرَّبُّ تباركَ وتَعالَى: وعِزَّتي وجَلالِي لا أزالُ أغفِرُ لهم ما استَغْفَروني”.
هكذا يغفر الله لعبده ولو قضى عمره على تلك الحال ما دام يذنب بضعف أو شهوة أو غفلة، وما دام يكره ذنبه ويتمنّى لو يقلع عنه ويتخلّص منه، ويعترف بخطئه في كلّ مرّة ويخضع لمولاه ويطلب عفوه ومغفرته.
لكنّ العبد إذا أصرّ على خطئه، وحاول تبريره، فإنّه ينتقل من معصية أبيه آدم إلى معصية عدوّه إبليس، ويصبح إبليس قدوتَه وقائده، وهواهُ إلهَه ومعبودَه، ويعرّض نفسه ليختم الله على قلبه ويحرمه الهداية: ((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُون)).
واقعنا… من خطيئة آدم إلى خطيئة إبليس!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك