تُجسّد “العضية الجازانية” أحد أبرز مظاهر الزينة التقليدية التي ارتبطت بالمرأة في منطقة جازان منذ القدم، حيث شكّلت رمزًا للجمال والأناقة، وعكست هوية ثقافية واجتماعية متوارثة حافظت على حضورها في الذاكرة الشعبية والمناسبات التراثية حتى اليوم.
وتُعد “العضية” من تسريحات الشعر التقليدية التي اشتهرت بها المرأة الجازانية، إذ تعتمد على تقسيم الشعر وتضفيره بأساليب متقنة ومتوارثة، ثم تزيينه وتعطيره باستخدام أنواع مختلفة من الطيب والبخور والنباتات العطرية المحلية، ما يمنحها طابعًا جماليًا فريدًا يعكس البيئة والثقافة المحلية.
ويرتبط إعداد “العضية” بعادات اجتماعية خاصة، حيث كانت النساء يتعاونّ في تجهيزها خلال المناسبات والاحتفالات، ولا سيما حفلات الزواج والأعياد، باعتبارها جزءًا أساسيًا من زينة المرأة الجازانية ومظهرًا من مظاهر الفخر بالهوية والتراث.
ويبدأ موسم “العضية الجازانية” مع دخول فصل الصيف، الذي يشهد كثافة في إقامة حفلات الزواج والمناسبات الاجتماعية، حيث يزداد الإقبال على “المولبات” لإعداد العضية بمختلف أشكالها التقليدية، كما تحظى العضية بحضور بارز خلال الأعياد، لتظل أحد أهم رموز الزينة التراثية في المنطقة.
وتُعد نبتتا “الشذاب” و”البعيثران” العطريتان من المكونات الأساسية للعضية الجازانية المعروفة محليًا باسم “الولبة”، التي تُنفذها إحدى المختصات المعروفات بـ”المولبة”، إذ تبدأ عملية إعدادها بتقسيم شعر الرأس إلى جزأين فيما يُعرف بـ”فرقة الشعر”، ثم تضفيره بعناية ودقة.
وبعد ذلك، يُوضع مسحوق “الطيب” المكوَّن من المحلب والزر والهيل والجوزاء، والذي يُخلط بالماء للحصول على قوام ثقيل ومتماسك، ثم تُضاف إليه مادة “ظفر الطيب” المستخرجة من قواقع البحر، والتي تضفي على الخليط روائح عطرية مميزة وجذابة.
وعقب الانتهاء من وضع مسحوق الطيب ومزجه بالشعر، يُضاف النبات العطري المعروف لدى أهالي المنطقة باسم “الخطور” أو “المخضارة” بطريقة دقيقة ومنظمة، ثم يُنظم “الفل” على شكل سلاسل أو “مسابح” تغطي “الخطور” من الأسفل إلى الأعلى، ما يمنح العضية رونقًا وجمالًا خاصين.
وبعد أن تكتمل عملية “الولبة”، يتم وضع “المحف” المرصع بالجنيهات الذهبية على منتصف الرأس، أو ما يُعرف بـ”الهامة”، ما يزيد من جمال ورونق العضية، ويبرز مدى إتقان عمل “المولبة”، حيث تتطلب هذه المهنة التراثية الكثير من الوقت والعناية والمهارة والخبرة.
كما كانت المرأة الجازانية تُزيّن “العضية” بالحلي الذهبية والإكسسوارات التقليدية، إلى جانب استخدام أنواع من العطور الطبيعية والنباتات العطرية المعروفة في المنطقة، ما أضفى عليها قيمة جمالية وثقافية جعلتها تتجاوز كونها مجرد تسريحة شعر لتصبح رمزًا اجتماعيًا يعكس المكانة والذوق الرفيع.
ويرى المهتمون بالتراث الشعبي أن “العضية الجازانية” تمثل جانبًا مهمًا من الموروث الثقافي غير المادي في منطقة جازان، لما تحمله من دلالات تاريخية واجتماعية، مؤكدين أهمية توثيقها والمحافظة عليها وتعريف الأجيال الجديدة بها بوصفها أحد أبرز عناصر الهوية الثقافية للمرأة في جنوب المملكة.
ولا تزال “العضية” حاضرة في الفعاليات التراثية والمهرجانات الشعبية، شاهدةً على أصالة المرأة الجازانية وتمسكها بإرثها الثقافي، لتبقى رمزًا للجمال والتراث، وجزءًا أصيلًا من ذاكرة المجتمع الجازاني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك