منذ زمن بعيد، حين لم تقتحم العالم مكاسب المشاهدات والشهرة، كانت شعبوية الطب مقتصرة إلى حد بعيد على" المعالجين الروحانيين" الذين يدعون إخراج الجن وعلاج السرطان وعلاجات أخرى استعصت حتى على أرباب الطب وكباره.
لكنه مع ظهور منصات مثل" تيك توك" و" إنستغرام" و" إكس"، وعلى رغم أن بعضاً منهم تهافت نحوها، لكن لم يعودوا وحدهم، فبات يسابقهم أطباء حقيقيون درسوا الطب وقرأوا أدبياته، لكن المحتوى الطبي تحول إلى سباق تحكمه الخوارزميات، فمن يثير الجدل أكثر يحصد انتشاراً أوسع، ومن ينتشر أكثر يكتسب نفوذاً وشهرة.
ولم يعُد العلاج أكثر أهمية من" الإعجاب" والكم الهائل من المتابعين، مما أفرز أطباء ربما فشلوا في المهنة، وأرادوا الاستعاضة عنها بـ" اللايك الرقمي"، لكن ذلك لا يعني أن ليس ثمة أطباء حقيقيون يجلسون هناك في عياداتهم، يحملون" أمانتهم المهنية" مع معاطفهم وعطفهم على من أعيتهم الأجساد والحياة.
الـ" تيك توك" منبر وعيادة الأطباء ومرضاهمبتنا في عصر أذهل أطباؤه الأصحاء قبل المرضى، والدراسات الحديثة تقول ذلك، فثمة تحول رهيب لكثير من الأطباء نحو" صناعة المحتوى" ومنافسة" أمّيي الشهرة" اللاهثين نحوها.
وهذا التحول ربما يمكن تسميته" شعبوية الأطباء"، حين تحول بعض الأطباء من تقديم المعرفة الطبية المبنية على الأدلة إلى إنتاج محتوى يهدف إلى كسب التفاعل، حتى لو جاء ذلك على حساب الدقة العلمية.
ما تكشف عنه الأرقام يبدو مثيراً وعلى مقربة من أن يكون كارثياً، وهو حجم التحول في طريقة تلقي المعلومات الصحية، إذ أظهر مسح أُجري عام 2024 أن 56 في المئة من أبناء" جيل زد" يعتمدون على" تيك توك" مصدراً رئيساً للمعلومات الغذائية والصحية، بينما قال نحو ثلث المشاركين إنهم يعتمدون على المنصة أكثر من اعتمادهم على المتخصصين في الرعاية الصحية.
والأكثر إثارة للقلق أن واحداً من كل ثلاثة أفاد بأنه لا يتحقق أصلاً من صحة المعلومات الطبية التي يقرأها على الإنترنت.
80 في المئة من منشورات علاج السرطان" مضللة"ولا تقف المشكلة عند طريقة تلقي المعلومات، بل تمتد إلى جودة المحتوى نفسه، فوجد باحثون في معهد للأورام أن 80 في المئة من المنشورات المتعلقة بعلاج السرطان على منصات التواصل تضمنت معلومات" مضللة" أو غير دقيقة، في حين أظهر مسح وطني أميركي شمل أكثر من 4900 بالغ أن 35 في المئة يتعرضون باستمرار لكمية كبيرة من المعلومات الصحية المضللة على وسائل التواصل، بينما قال 45 في المئة إنهم يصادفون مثل هذه المعلومات بين الحين والآخر.
تكمن المشكلة في أن منصات التواصل تكافئ المحتوى الذي يثير الخوف أو الجدل أو الدهشة أكثر من المحتوى المتزن.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وهكذا قد يجد بعض الأطباء أنفسهم، تدريجاً، يعيدون صياغة رسائلهم بما يتوافق مع متطلبات الخوارزمية لا مع نتائج الأبحاث العلمية، حينها تتحول عبارة مثل" من الممكن أن يسبب هذا الدواء آثاراً جانبية في بعض الحالات" إلى" هذا الدواء يقتلك"، لأن الصيغة الثانية تحقق انتشاراً أكبر ومشاهدات أعلى.
ولو استعدنا ما مضى من أوبئة وفيروسات، نجد أن لكل أزمة متسلقين على أكتافها ولقاحاتها، وثمة أسماء لم نكُن نعرفها لكنها صعدت من رحم الأوبئة والكوارث، ذلك لأنهم يعرفون كيف يعزفون على أوتار" العامة" بطرق شعبوية لا تستند إلى أدلة علمية، إذ يلجأ بعض المؤثرين الصحيين إلى إثارة الشكوك حول اللقاحات أو العلاجات المثبتة علمياً، بالتوازي مع الترويج لمنتجات طبيعية ومكملات غذائية، ولنا في قصة" ضياء الطيبات" أكبر مثال، على رغم افتقار كثير منها إلى أدلة علمية تثبت فاعليتها، مما قد يؤدي في بعض الحالات إلى نتائج صحية أسوأ.
مع الطب اتخذوا" التسويق" مهنة آخرىوتشير مجلة طبية أميركية ذائعة الشهرة والصيت إلى أن المحتوى الطبي على منصات التواصل يتحول ربما، في بعض الحالات، من التوعية الصحية إلى التسويق واستقطاب التفاعل، وهو أحد أبرز مظاهر ما يصفه الباحثون بـ" شعبوية الأطباء".
وتدعم دراسات حديثة هذه المخاوف، إذ إن الأمر لا يقتصر على المبالغة في النصائح الطبية، لكنه امتد إلى الترويج لفحوص وإجراءات قد لا تستند إلى حاجة طبية فعلية، مما أشارت له دراسة نشرتها المجلة الطبية الأميركية (JAMA Network Open) عام 2025 لنحو 982 منشوراً على" تيك توك" و" إنستغرام" تناولت خمسة فحوص طبية مثيرة للجدل، نشرها مؤثرون يتابعهم أكثر من 194 مليون شخص.
وأظهرت النتائج أن 87.
1 في المئة من المنشورات ركزت على الفوائد المحتملة لتلك الفحوص، مقابل أقل من 15 في المئة فقط ذكرت أضرارها، فيما لم يشِر سوى ستة في المئة إلى أخطار التشخيص المفرط.
كذلك اتسم 83.
8 في المئة من المحتوى بطابع ترويجي، وشجع 50.
7 في المئة الجمهور مباشرة على إجراء الفحوص، في حين تبين أن 68 في المئة من أصحاب الحسابات لديهم مصالح مالية مرتبطة بما يروجون له.
وفي دراسة أخرى، وجد باحثون أن 80.
8 في المئة من الأطباء الذين حللوا محتواهم على وسائل التواصل نشروا معلومات مضللة حول لقاحات" كوفيد-19"، بينما نشر 76.
9 في المئة معلومات مضللة في أكثر من ملف صحي، مما يضاعف أثر التضليل عندما يصدر عن شخص يحمل صفة" طبيب".
لا تعني هذه الظاهرة أن كل طبيب نشط على وسائل التواصل يمارس الشعبوية، فأطباء كثرٌ يقدمون محتوى علمياً موثقاً يسهم في رفع الوعي الصحي وسد فجوة المعرفة لدى الجمهور.
وبينما منحت وسائل التواصل الأطباء فرصة غير مسبوقة للوصول إلى ملايين الأشخاص، فإنها وضعتهم أيضاً أمام اختبار مهني وأخلاقي جديد، فكلما ارتفعت قيمة" الإعجاب" و" المشاركة"، ازدادت الحاجة إلى حماية قيمة أكثر أهمية، هي ثقة المرضى بالمعلومة الطبية المبنية على الدليل العلمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك