استمتع إيرلينغ هالاند براحة نادرة أمس الجمعة، عندما واجه المنتخب النرويجي نظيره الفرنسي في بوسطن، لكنه قد لا يكون ممتناً لمدربه، إذ وضع قرار ستوله سولباكن الجريء بإجراء 10 تغييرات على التشكيلة الأساسية في المباراة الثالثة بدور المجموعات حداً موقتاً لمطاردة هالاند للحذاء الذهبي، ومنح في الوقت نفسه دفعة لأحد منافسيه بعدما سجل عثمان ديمبيلي ثلاثية رائعة قادت فرنسا إلى الفوز (4 - 1).
لكن سولباكن لن ينزعج من ذلك على الإطلاق، وقال هذا الأسبوع، عندما سئل عما إذا كان سعي هالاند وراء جائزة فردية قد يتأثر بهذا القرار" لا أهتم بذلك إطلاقاً".
سولباكن يستلهم تجربة فرنسا في المداورةوكان سولباكن لمّح خلال مؤتمره الصحافي هذا الأسبوع إلى احتمال إجراء تغييرات على تشكيلته، والمثير للاهتمام أنه استلهم الفكرة من فرنسا نفسها، بعدما أراح ديدييه ديشان عدداً من لاعبيه خلال المباراة الأخيرة بدور المجموعات في كأس العالم الماضية في قطر قبل أربعة أعوام، حين شارك كل من كيليان مبابي وأنطوان غريزمان وعثمان ديمبيلي المباراة من على مقاعد البدلاء.
وقال المدرب" يمكننا أن نتعلم كثيراً من فرنسا.
لقد تمكنوا من خوض المباراة الثالثة في دور المجموعات مع إراحة بعض اللاعبين.
لقد تصرفوا بذكاء".
ولعل سولباكن فوجئ قليلاً عندما اختار ديدييه ديشان هذه المرة نهجاً مختلفاً، إذ دفع بتشكيلة قوية أمام النرويج سعياً إلى حسم صدارة المجموعة التاسعة.
وكان سولباكن حذر قبل اللقاء من خطورة الثنائي مبابي ومايكل أوليسيه، لكن قوة فرنسا تجلت في أن نجم المباراة كان لاعباً آخر تماماً، بعدما تألق ديمبيلي بصورة لافتة.
جدل الزخم وتجارب المنتخبات الكبرىوتوجد بالطبع حجج واضحة ضد إراحة اللاعبين في هذه المرحلة من البطولة، فالزخم الذي صنعته النرويج بفوزها في أول مباراتين تبدد مع خسارة ثقيلة، لكن من يستطيع الجزم بأن التشكيلة الأساسية كانت ستقدم أداء أفضل أمام منتخب بقوة فرنسا؟وفي الواقع، يبقى وجود" الزخم" في كرة القدم موضع نقاش، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن مستوى الفريق في مباراة ما لا يؤثر إلا بصورة محدودة في نتيجة المباراة التالية.
ومن اللافت أن المثال الذي استشهد به سولباكن، وهو فرنسا عام 2022، يقدم حالة مثيرة، إذ خسر الفريق الرديف بقيادة ديشان أمام تونس (0 - 1) لكن فرنسا بلغت النهائي وكادت تحرز لقب كأس العالم.
وبالمناسبة فعلت إنجلترا شيئاً مشابهاً عام 2018 عندما أراح غاريث ساوثغيت عدداً من لاعبيه أمام بلجيكا.
وكان دافعه يتعلق جزئياً بالحفاظ على جاهزية نجومه، وجزئياً بمنح دقائق لعب لعدد أكبر من اللاعبين لتعزيز روح الانتماء والمعنويات داخل المجموعة.
وخسرت إنجلترا (0 - 1) لكنها تجاوزت التوقعات في بقية مشوار البطولة وبلغت نصف النهائي قبل أن تخسر أمام كرواتيا.
والمفارقة أن ساوثغيت دفع لاحقاً بتشكيلة أقوى أمام بلجيكا في مباراة تحديد المركز الثالث، لكن فريقه تعرض لهيمنة المنافس وخسر بنتيجة (0 - 2).
ضغط البطولة وجدوى الحفاظ على اللياقةوسيكون لكل مدرب أسلوبه ونهجه خلال اليومين المقبلين، وسألت صحيفة" اندبندنت" توماس توخيل قبل هذه النسخة من كأس العالم عما إذا كان سيفكر في إجراء تغييرات على تشكيلة إنجلترا خلال دور المجموعات، فأجاب أنه سيفعل ذلك، لكنه حذر من إجراء تغييرات كثيرة ربما تؤدي إلى فقدان الانسجام بين اللاعبين.
لكن من الواضح أنه إذا كانت هناك نسخة من كأس العالم تستدعي إراحة اللاعبين، فهي هذه النسخة، إذ إن البطولة تضم للمرة الأولى 48 منتخباً و104 مباريات، معظمها يقام وسط درجات حرارة مرتفعة للغاية، وحتى استراحات شرب المياه التي تستغرق ثلاث دقائق والتي استحدثها جياني إنفانتينو، لن تغير من التأثير القاسي الذي تفرضه البطولة على اللاعبين مع استمرار المنافسات.
بالطبع يملك هالاند أسباباً أكثر من غيره للحصول على الراحة، بعدما خاض موسماً مرهقاً مع مانشستر سيتي ضمن أكثر الدوريات كثافة من الناحية البدنية في العالم.
كما أن مارتن أوديغارد الذي حصل أيضاً على راحة أمام فرنسا، تحمل بدوره عبئاً كبيراً هذا الموسم، شمل خوض نهائي دوري أبطال أوروبا.
طريق النرويج بعد خسارة الصدارةوبذلك ضحت النرويج عملياً بأي أمل في إنهاء دور المجموعات بالصدارة، ومن المرجح أن تواجه فرنسا جارة النرويج الاسكندنافية، السويد، ضمن دور الـ32، وستقام تلك المباراة في نيو جيرسي، وقد يعقبها لقاء محتمل في دور الـ16 أمام ألمانيا في فيلادلفيا.
أما طريق النرويج، فيمر الآن عبر ساحل العاج التي تملك ترسانة هجومية مميزة، ولا سيما على الطرفين بوجود يان ديوماندي وأماد ديالو في دالاس، وبعدها قد تواجه البرازيل في نيو جيرسي.
فهل كان طريق النرويج سيكون أسهل لو تصدرت المجموعة؟ هذا المراسل شاهد السويد تتلقى هزيمة قاسية أمام هولندا في هيوستن الأسبوع الماضي، ولذلك فإن إجابته الفورية ستكون نعم.
فالسويد تبدو، على الأرجح، أقل مستوى بقليل من ساحل العاج.
لكن في المقابل، ستقام مواجهة الإيفواريين على ملعب دالاس المكيّف، مما قد يمنح النرويج قدراً أكبر من الانتعاش إذا بلغت دور الـ16، كما أن ساحل العاج ستواجه منتخباً نرويجياً استعاد كامل نشاطه بعد تلك الليلة التي حصل فيها لاعبوه على الراحة.
وبالطبع لا يوجد أي ضمان بأن هالاند ورفاقه كانوا سينجحون في انتزاع الصدارة حتى لو بذلوا أقصى ما لديهم في بوسطن.
كما لا يوجد ضمان بأن السويد كانت ستكون منافسهم، نظراً إلى أن القرعة لم تكُن قد حسمت بعد.
وليس هناك أيضاً ما يؤكد أن السويد كانت ستكون خصماً سهلاً، بالنظر إلى ما تملكه من قدرات هجومية وإلى حجم التنافس التاريخي بين البلدين الذي كان سيحول المباراة على ملعب" ميتلايف" إلى أجواء" ديربي" مشتعلة.
فمعظم المنتخبات الأخرى قد ترحب بمواجهة السويد، لكن ليس النرويج.
قرار المجازفة وأولوية مصلحة الفريقفي النهاية قررت النرويج المجازفة، ومن نحن حتى نشكك في قرار سولباكن؟ فهذا رجل توقف قلبه لمدة سبع دقائق بعد تعرضه لسكتة قلبية أثناء التدريب عام 2001.
وهو يدرك، أكثر من معظم الناس، ما هو المهم في الحياة وفي كرة القدم، ويبدو أن الحذاء الذهبي ليس من بين تلك الأولويات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك