ليست الهجرة اللبنانية جديدة على «بلاد الأرز».
فثمة أجيال عديدة هاجرت إلى بقاع الأرض منذ أواخر القرن التاسع عشر يوم كان السفر مشقة محفوفة بالمخاطر ومغامرة في البحار مفتوحة على المجهول.
ارتبطت في غابر الزمان بالمجاعة أو الفقر أو الحروب، لكنها اليوم تحمل عاملاً إضافياً، لعله الأخطر، يتعلق بالأزمة السياسية وبتراجع الثقة بالدولة نفسها، ويأساً بالوطن.
الهجرة اليوم هي في واقع الحال انعكاس لأزمة وطنية مركّبة تتداخل فيها الأزمة المالية مع فقدان الثقة بالدولة واستمرار عدم الاستقرار الأمني، والانقسام حول هوية لبنان ووظيفته ودوره الإقليمي، ما يجعل شريحة واسعة من الشباب تبحث عن مستقبل لا يمكن بناؤه داخل هذه البقعة الجغرافية من العالم الذي مهما جالوا في أصقاعه، لن يجدوا مثيلاً لها على الأقل في عيونهم وقلوبهم.
في السرد التاريخي، بدأت أولى موجات الهجرة المنظمة في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر في زمن المتصرفية، قبل ولادة دولة لبنان بحدودها الحالية، نتاج الأزمات الاقتصادية التي ضربت صناعة الحرير، وارتفاع الضرائب في أواخر العهد العثماني، فاتجه آلاف اللبنانيين من جبل لبنان إلى الأمريكتين وخصوصاً البرازيل، والأرجنتين، والولايات المتحدة، والمكسيك، وأضحوا مواطنين فاعلين ومؤثرين في أوطانهم الجديدة.
توالت الهجرات اللبنانية في المجاعة الكبرى بين 1915 و1918 خلال الحرب العالمية الأولى، لتأخذ بعد الاستقلال في العام 1943 شكلاً جديداً تحت عنوان «هجرة الفرص».
قصد الشباب اللبناني، ومنهم من أصحاب الكفاءات، أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
لكن هجرة الكفاءات والاختصاصيين من مختلف القطاعات جاءت مع الطفرة النفطية في الخليج العربي، حيث ساهموا في نهضة وعمران الدول الخليجية، إلاَّ أن هؤلاء عادوا في غالبيتهم إلى بلادهم لاحقاً، بفعل عدم وجود فرص للحصول على الجنسية.
جاءت الحرب الأهلية في العام 1975 لتشكل نقطة تحوُّل في تاريخ الهجرة اللبنانية.
فعلى مدى 15 عاماً، سافرت مئات الآلاف من العائلات اللبنانية متجهين إلى أوروبا كما إلى أمريكا الشمالية بحثاً عن حياة آمنة وهرباً من جولات العنف التي اتسم كثير منها بأبعاد طائفية.
هؤلاء استقروا في الدول التي قصدوها وباتوا جزءاً من مجتمعاتها وحصل غالبيتهم على جنسياتها.
بين التسوية السياسية وحرب 2006حين انتهت الحرب في التسعينيات من القرن العشرين، ومع التسوية السياسية التي تُعرف بـ«اتفاق الطائف»، وحل الميليشيات وتولي رفيق الحريري رئاسة الحكومة حاملاً مشروعاً لإعادة الإعمار، بدأ اللبنانيون في الخارج بالعودة، لكن البلاد بقيت تحت سطوة وهيمنة النفوذ السوري، والسلاح بيد «حزب الله» تحت مسمى «المقاومة»، وشهدت اقصاءً سياسياً للزعماء المسيحيين، وتعثرات اقتصادية.
وجاء اغتيال الحريري الأب وسط صراعات إقليمية ليخرج الجيش السوري من البلاد وليُستبدل لاحقاً بنفوذ إيراني كان من نتائجه حرب تموز 2006 بين «حزب الله» وإسرائيل.
أعادت حرب تموز إلى أذهان اللبنانيين هواجس الحرب من جديد.
فغادر آلاف اللبنانيين إلى الخارج ومنهم أولئك الذين عادوا بعد هجرتهم الأولى.
اختار كثيرون الاستقرار في الخارج بعد فقدان الشعور بالأمن والاستقرار، فيما كانت مغادرة البعض مؤقتة.
إلا أن تداعيات الحرب، وما لحقها من توجه «حزب الله» إلى الداخل اللبناني وسيطرته التدريجية على القرار اللبناني، ولّد شعوراً لدى فئات واسعة من اللبنانيين بأن المستقبل سيكون على الدوام عرضة لاهتزازات سياسية وأمنية.
وبدا أكثر أن السلطة الحاكمة انغمست في لعبة المصالح والفساد.
من الانهيار الكبير إلى الحرب الأخيرةلا شك في أن الانهيار المالي الذي شهده لبنان في خريف 2019 شكَّل نقطة تحوّل غير مسبوقة، وخلق واقعاً جديداً ومختلفاً عما سبقه من أزمات اقتصادية عاشها اللبنانيون.
كان اللبنانيون في حالة من الصدمة واليأس.
انهارت العملة الوطنية، وجُمدت الودائع في المصارف، وجرى إجهاض «ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر» في وجه الطبقة السياسية الحاكمة، ثم جاء «تفجير مرفأ بيروت» في 2020 ليعمّق الشعور بانهيار مؤسسات الدولة.
دفع انهيار العملة الوطنية وحجز أموال الناس وانسداد الأفق السياسي الداخلي قسماً كبيراً من اللبنانيين إلى البحث عن فرص عمل في الخارج.
وتكشف موجة الهجرة الحالية أنها لم تعد تشمل الفئات الفقيرة وحدها، بل تمتد إلى أصحاب الكفاءات الذين يمتلكون القدرة على المغادرة.
فالطبيب الذي يهاجر، والمهندس الذي يؤسس شركته في الخارج، والباحث الذي ينتقل إلى جامعة أجنبية، لا يغادرون بسبب راتب أعلى فحسب، بل لأنهم يبحثون عن بيئة سياسية وقانونية أكثر استقراراً، تسمح لهم بالتخطيط لمستقبلهم من دون أن يكون رهناً بأزمة مالية جديدة أو مواجهة عسكرية جديدة.
هذا الواقع سيعيد لبنان إلى الوراء لسنوات من خلال فقدان قدراته البشرية ومن حيث اللحاق بالتطور العلمي والتقني و«الثورات الرقمية» وغيرها من المجالات.
لكن الأخطر هو ازدياد القناعة لدى اللبنانيين بأن البلاد ما عاد بالإمكان العيش فيها.
وتفاقم هذا الشعور بعد انخراط «حزب الله» بـ«حرب إسناد غزة» في اليوم التالي لعملية «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 التي شنتها حركة حماس ضد إسرائيل، ومن ثم انخراطه مجدداً في حرب إسناد إيران في آذار/مارس 2026 بعدما شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية على إيران ومقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي.
عاد السؤال الذي رافق اللبنانيين منذ عقود: هل يمكن بناء مستقبل مستقر في بلد يعود إلى دائرة الحرب كل عقد أو عقدين من الزمن؟ وبالنسبة إلى كثير من الشباب، لم تعد الهجرة مجرد وسيلة لتحسين الدخل، بل أصبحت خياراً لتجنب دورة متكررة من الأزمات.
فجيل عاش الانهيار المالي، ثم انفجار مرفأ بيروت، ثم الحرب، يرى أن مشكلته لا تكمن في أزمة عابرة، بل في غياب يقين بأن الدولة قادرة على حماية السلم الأهلي، أو تحصين البلاد من تداعيات الصراعات الإقليمية.
ماذا في الأرقام؟ لا توجد في لبنان إحصاءات رسمية دقيقة لعدد المهاجرين، إذ تقتصر بيانات الأمن العام ومنظمة الهجرة الدولية على تسجيل حركة الدخول والخروج عبر الحدود، وهي لا تُميِّز بين السفر المؤقت والهجرة الدائمة.
لذلك يعتمد الباحثون على تقديرات مستقلة، أبرزها الصادرة عن «الدولية للمعلومات»، التي تشير إلى أن نحو 800 ألف لبناني غادروا البلاد بين عامي 2012 وأيلول/سبتمبر 2025، فيما سجلت السنوات التي أعقبت الانهيار المالي أعلى معدلات المغادرة، مع نحو 472 ألفاً بين 2021 وسبتمبر 2025.
وفي المقابل، يظهر استطلاع «الباروميتر العربي» أن 38 في المئة من اللبنانيين يبدون رغبة في الهجرة، وترتفع النسبة إلى 58 في المئة بين الشباب ما يعكس استمرار الضغوط التي تدفع نحو مغادرة البلاد، هذا فيما تحدثت منظمة الهجرة الدولية عن ازدياد محاولات الهجرة غير النظامية، خصوصاً من شمال لبنان، حيث أصبح «فقدان الأمل» عاملاً لا يقل أهمية عن الفقر في دفع الشباب إلى ركوب البحر.
ما سبق من أرقام أتى قبل تداعيات «حرب الثأر لمقتل خامنئي».
في الواقع، هناك دول تعاني أزمات اقتصادية عميقة من دون أن تشهد النزيف البشري اللبناني نفسه، إنما ما يُميِّز الحالة اللبنانية هو تداخل الأزمة الاقتصادية مع أزمة سياسية مزمنة، ومع شعور متنامٍ بأن الدولة فقدت القدرة على حماية مواطنيها أو رسم أفق واضح للمستقبل.
صحيح أن بعضاً من الأمل تنامى بعد انتخاب رئيس للجمهورية وتعيين رئيس للحكومة وحكومة جديدة وتبدّل الخطاب الرسمي من «جيش وشعب ومقاومة» إلى «سيادة الدولة بقواها الذاتية» و«لا سلاح غير السلاح الشرعي» وتوصيف سلاح «حزب الله» بأنه خارج عن القانون، والبدء بمفاوضات مباشرة لبنانية – إسرائيلية والتوصل إلى اتفاق إطار بين البلدين، غير أن كل ذلك لا يضع اللبنانيين في وضع مريح نظراً إلى أن المهمة الملقاة على عاتق الدولة والسلطة والمؤسسات الأمنية، ولا سيما الجيش اللبناني، هي مهمة كبيرة وصعبة ومليئة بالتحديات، خصوصاً مع رفض «حزب الله» بشكل واضح وفج للتفاوض اللبناني – الإسرائيلي الذي من شأنه أن يقطع الطريق أو على الأقل يقلل من حجم استفادة إيران من الورقة اللبنانية.
اليوم، يرتفع منسوب الانقسام السياسي الداخلي على خلفية جرّ «حزب الله» البلاد إلى حروب متتالية لصالح أجندات ما فوق لبنانية ضمن المشروع الإقليمي الذي تقوده إيران، والذي تعرّض لضربات كبرى.
ولا تنعكس أزمة الثقة على المستوى السياسي فقط، بل تمتد إلى النقاش حول شكل الدولة نفسها.
يتمحور الانقسام الداخلي حول: إما العيش في دولة واحدة طبيعية تحكمها المؤسسات أو الذهاب للبحث عن أطر أخرى.
عاد في السنوات الأخيرة طرح اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة إلى الواجهة، كما أعادت بعض الشخصيات والأحزاب، ولا سيما في بعض الأوساط المسيحية، إحياء النقاش حول الفيدرالية باعتبارها مخرجاً من تعثر النظام المركزي.
ويرى مؤيدو هذه الطروحات أنها قد تعزز الإدارة المحلية والمساءلة، بينما يحذر معارضوها من أنها قد تعمق الانقسامات الطائفية وتهدد وحدة الدولة.
وبغض النظر عن الموقف من هذه الأفكار، فإن عودتها إلى النقاش العام تعكس حجم التراجع في الثقة بالنموذج الحالي لإدارة البلادويتمحور الانقسام أيضاً حول موقع لبنان في المنطقة، إذ يعتبر القسم الكبير من اللبنانيين، ولا سيما ضمن القوى المسيحية والسنية والدرزية، أن «حزب الله»، بوصفه القوة العسكرية الأبرز خارج إطار الجيش اللبناني، يمتلك تأثيراً حاسماً في قرارات الحرب والسلم، وأن ارتباطه بمحور تقوده إيران يجعل لبنان عرضة لتداعيات الصراعات الإقليمية.
ويقولون إن الأوان حان من أجل أن يعيش اللبنانيون بسلام داخل حدود دولتهم، وأن ينتهي استخدام لبنان ساحة صراع أو ساحة تصفية الحسابات أو صندوق بريد.
في المقابل، يؤكد «الحزب» وحلفاؤه أن سلاحه يشكّل جزءاً من استراتيجية الدفاع الوطني، وأن المواجهات مع إسرائيل تأتي في إطار ردع الاعتداءات وحماية لبنان، لا خدمة لأجندات خارجية.
وبغض النظر عن الموقف من هذين الطرحين، فإن استمرار هذا الانقسام منذ سنوات طويلة، أوجد واقعاً سياسياً تتعايش فيه رؤيتان متناقضتان لوظيفة الدولة ودور لبنان.
الأولى ترى أن خلاص البلاد يمر عبر حصر القرارين الأمني والعسكري بالمؤسسات الدستورية وتعزيز حياد لبنان عن الصراعات الإقليمية، والثانية تعتبر أن موقع لبنان الجغرافي وطبيعة الصراع مع إسرائيل يفرضان استمرار معادلة المقاومة إلى جانب الدولة.
المشكلة أن «حزب الله»، بتمسكه بروايته السياسية، يُحمِّل الجنوب اللبناني وبيئته الحاضنة واللبنانيين عموماً أكلافاً باهظة.
فكلما تأخر في قراءة المتغيرات والتأقلم معها ارتفعت التكلفة، وأصبح طريق الحلول أكثر تعقيداً وخطراً على لبنان ووحدته، وليس فقط على مزاج وقناعات اللبنانيين الراغبين بترك لبنان.
ترى مجموعة الأزمات الدولية أن لبنان يعيش «تراكماً للأزمات»، حيث تتداخل الانقسامات السياسية مع الانهيار الاقتصادي والضغوط الأمنية، فتضعف قدرة الدولة على اتخاذ القرار وتنفيذ الإصلاحات.
وفي هذا السياق، يصبح فقدان الثقة بالمؤسسات أحد أخطر تداعيات الأزمة، لأن المواطن لا يقيس مستقبله بحجم دخله فقط، بل بقدرته على توقع ما سيحدث بعد خمس أو عشر سنوات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك