العربية نت - ميسي يشاهد مبارة الأرجنتين والأردن من دكة البدلاء العربي الجديد - مأساة عائلية تهز نجم هولندا قبل مواجهة المغرب في المونديال فرانس 24 - مونديال 2026: كولومبيا تفرض التعادل على البرتغال (0-0) وتنهي دور المجموعات في الصدارة قناة الجزيرة مباشر - انفجارات في الكويت والجيش يعلن التصدي لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة فرانس 24 - الامارات ترحب بالتوصل إلى اتفاق إطار ثلاثي بين لبنان وإسرائيل روسيا اليوم - كولومبيا تحافظ على القمة.. والبرتغال تعبر إلى دور الـ32 من مركز الوصافة سكاي نيوز عربية - الكونغو الديمقراطية تحقق تأهلا تاريخيا لدور الـ32 بالمونديال الجزيرة نت - أهداف بالجملة وإثارة غائبة.. هل أفقد نظام الـ48 مونديال 2026 بريقه؟ العربي الجديد - اقتصاد الحرب في غزة المنكوبة... مهن اندثرت وأخرى ولدت قناة التليفزيون العربي - اشتباكات في كراتشي.. مسلح يفجّر سيارة مفخخة قرب مقر قيادة قوات حرس الحدود الباكستانية
عامة

«نحيل يتلبسه بدين أعرج» مجموعة قصص الأردني جلال برجس: نصوص تعاين العالم كوهم وتبحث في أسئلة المصير

القدس العربي
القدس العربي منذ ساعتين

قريبة من الحياة، هكذا هي القصة القصيرة، فهي تعمل على التفاصيل الصغيرة، كالحياة نفسها، التي لا تتغير عبر الأحداث الكبرى، وربما تكون لحظة خاطفة تمر علينا، لكننا لا نلاحظ أهميتها إلا بعد مرور فترة طويلة ...

قريبة من الحياة، هكذا هي القصة القصيرة، فهي تعمل على التفاصيل الصغيرة، كالحياة نفسها، التي لا تتغير عبر الأحداث الكبرى، وربما تكون لحظة خاطفة تمر علينا، لكننا لا نلاحظ أهميتها إلا بعد مرور فترة طويلة من الزمن.

ومن أجل ذلك تبدو النوع الأدبي المنوط به تسجيل هذه اللحظات، لتركيزها على حدث واحد، أو موقف محدد، والأفضل أن يكون عدد الشخصيات قليلا.

وبديهيا، وربما من باب التذكير، يمكن استعادة ما تلقيناه عن خصائصها التقليدية المتوارثة، التي تصنع نصا جيدا يهدف إلى إحداث أثر لدى القارئ:النهاية المؤثرة العصية على النسيان.

فهي تختلف عن الرواية في طبيعتها ووظيفتها، وكما يرى فرانك أوكونور، أحد منظريها الكبار، فهي «صوت الإنسان الوحيد»، تعبر عن تجربة فردية خاصة لشخص يشعر بالعزلة والاغتراب، أو الصراع مع المجتمع، مانحة انحيازها للمهمشين الذين لا يملكون سلطة أو مكانة قوية.

ومن أجل العمل على ذلك، نراها غالبا ما تركز على اللحظات الإنسانية الفارقة، كاشفة لنا بواطن الشخصية وموقفها من الحياة.

لن أطيل في الاستشهاد، لكنني أتذكر هنا أن أشهر القصص التي حفرت لها مكانا في تاريخ هذا النوع، لدى كاتبين من عظماء القصة القصيرة، وهما الروسي أنطون تشيخوف والفرنسي غي دي موباسان، هي تلك القصص التي تميزت بالخصائص سالفة الذكر، والتي يبدو أن أوكونور استمد أفكاره منها.

وأنا أيضا منحاز إلى القصة القصيرة، كتابة وقراءة، لذا أسعدني اتجاه الكاتب الروائي الأردني جلال برجس إلى هذا الفن الرائع، بعدما أثبت تفوقه في مجال الرواية، وحصول بعض أعماله على جوائز عربية مرموقة، حيث بدا لي أنه يكتبها بالمهارة عينها التي ينسج بها الروايات.

فهي ليست استراحة بين روايتين ليضمن بها بقاء اسمه حاضرا على الساحة، لكنها عمل متقن يحاول أن يجد من خلاله مكانا بين مبدعيه الكبار.

في مجموعته «نحيل يتلبسه بدين أعرج»، يحاول الكاتب، من خلال البناء اللغوي، أن يحدث لدى القارئ اتساعا مفاجئا في الوعي، متخذا نماذج قصصية لا تعتمد على الحكاية القصيرة، وليست رواية مختصرة، ولكنها لحظات إنسانية يستيقظ معها الإدراك والفضول، ما يجعل العالم أكثر عمقا مما كان عليه قبل القراءة.

نجد ذلك، على سبيل المثال، في قصة «مرايا غير نافذة»، إذ يفتتحها بمشهد دال، ليحيطنا علما منذ البداية بأي شخصية سنتابع: «ما عاد ينظر في المرآة؛ فكلما كان يحدق بوجهه فيها، يطل وجهه من زجاجها الفضي، ويصوب نحوه بصقة هازئة، تستقر على جبينه، ثم يتوارى، مبتسما ببلاهة تشبه بلاهة من يتابعون أخبار الحرب، وهم يأكلون (الفشار)».

إنسان استهلكته الحياة حتى لم يبق منه شيء.

إنه لا يتحطم عندما يواجه هذا الوجه الغريب، لكن ترويعه يأتي من هذا الذي يعرفه أكثر من نفسه.

فالمرآة ليست شبحا، والبصقة التي ستظل تلازمه كلما نظر إليها ليست إهانة عابرة، إنها مواجهة الإنسان لذاته، للنسخة المخفية تحت ضغوط الحياة.

لذلك جاءت النهاية مأساوية، عندما ذهب إلى الحلاق لكي يستعيد ملامحه التي نسيها، بعدما أضرب عن النظر إلى المرآة لفترة طويلة، منسحبا من الحياة، ولاجئا إلى الكتابة.

وحين جلس على الكرسي، وجد الحلاق يقف إلى جانبه، ورأى كل شيء خلفه، ولم ير نفسه.

كان الكرسي فارغا في المرآة، فاندفع نحوها كمن يقفز إلى بركة مائية، ليسقط على الأرض مضرجا بدمائه، وشظايا الزجاج عالقة برأسه ووجهه.

إنها المرآة التي، بدلا من أن تؤكد وجوده وتضاعف صورته، تحذفه؛ فهي لم تعد تشير إلى الشخص، ولكنها تعلن رفضها له عبر عدد من المحاولات العدوانية، لنقف حائرين أمام هذه النهاية: هل هو انهيار عقلي، أم انتحار رمزي بسبب العجز عن التصالح مع الصورة الجديدة؟قصة «أمل» عمل قصير يعتمد على الطرح النفسي لا التحليل، إذ يعرض للشخصية فقط، فذلك أمر متروك للمتلقي، فهو المنوط به وضع تصوره الخاص أمام حالة سردية يعرضها قاص، لا طبيب نفسي، فشتان بين الاثنين.

فدوستويفسكي يعرض، وفرويد يحلل.

الأدب سابق على علم النفس بقرون، لكن هذا لم يمنع الكاتب من التذكير بأحد كبار علماء النفس، من رفقة فرويد، ليستعين به في إلقاء الضوء على بطله، مهديا بواسطته مفتاح الشخصية لقارئه:«نظر إلى كتاب بين يديه لإريك فروم، وقرأ عبارة بصوت مسموع: (الإنسان المتأقلم بشكل كامل مع مجتمع مريض، إنسان مريض).

ألقى الكتاب من يده، وكتب في ورقة ملقاة على طاولته: أشعر بأن كل الأصوات حولي تستحيل إلى صخب وضجيج يمكن أن يفجرا رأسي، وحين ألوذ بنفسي أشعر بالوحدة، ويداهمني البرد رغم شمس تموز، وأشعر بالخوف رغم أن لي بيتا وعائلة».

إذن، كان من الممكن أن تنتهي القصة هنا، كنص ينتمي إلى القصة القصيرة جدا، لكن يبدو أن الاستعانة بعالم النفس والفيلسوف الألماني الأمريكي الشهير إريك فروم، وكذلك تسخير ضمير الغائب والراوي العليم للحديث عن الشخصية، سيدفعان الكاتب إلى رسم حالة شخص يمثل شريحة معينة من البشر.

ومن خلال الطابع التأملي، عند المتابعة، نجد أنفسنا نعيش معه حالة الاغتراب والصراع الداخلي وعدم انسجام الإنسان المعاصر مع محيطه.

إنها شخصية عالقة بين متناقضتين: الانتماء والعزلة، باحثة عن تفسير لوجودها ومعاناتها.

لكن في النهاية يأتي صوت فيروز من راديو صغير يمتلكه بائع قهوة، صادحا بألحان زياد رحباني: «إيه في أمل».

أما قصة «صانع الشواهد»، فهي تتجاوز معناها المباشر لتذهب إلى دلالات أعمق تتعلق بالموت والمعرفة والخرافة والحقيقة ومفهوم التشاؤم لدى البعض.

فصانع الشواهد في الأصل ليس سوى شخص يعمل في صناعة شواهد القبور، ولكن لو ذهبنا مع النص قليلا، بعيدا عن الحبكة والأحداث الغرائبية التي يرويها بطل القصة، نجده صانعا للمعنى، حِرفيا يكتب سردية الموت.

فالشاهد في الثقافة العربية لا يدل على القبر فقط، بل يحفظ الذكرى والأثر.

لذلك، وفي العمق، هو يضع، عبر مهنته، الحد الفاصل بين الحياة والموت، والوجود والعدم.

إننا نتابع مع الراوي عددا من الثنائيات: الموت/الحياة، المقبرة/الشارع، الشواهد/الناس، الإشاعة/الحقيقة، الظلام/النور، الخارج/الداخل.

أما النهاية المفاجئة، والأكثر تعقيدا، فتأتي بعد أن يتخلص الراوي من أوهامه ويبدأ بفهم الحقيقة.

فهو يتعرض لحادث سير، ثم يكتشف أن صانع الشواهد قد مات منتحرا، وأنه كان أستاذا للفلسفة، وكأن النص كان دراسة قصيرة لطبيعة الإنسان، ذلك الكائن الذي لا يكتفي بالواقع، لكنه يسعى دائما إلى إعادة تشكيله عبر السرد والتأويل والخيال، محولا اليومي والبسيط إلى عمل أدبي، ليجعل القارئ يعيد التفكير في الأشياء التي اعتاد النظر إليها بوصفها بديهية أو مفهومة مسبقا.

في قصة «نحيل يتلبسه بدين أعرج»، التي اتخذها الكاتب عنوانا للمجموعة، نجدها تقوم على فكرة رمزية أكثر مما تقوم على حدث واقعي مباشر.

فالبطل كاتب صحافي في الستين من عمره، لديه هواية المشي اليومي وتسجيل أفكاره وأسئلته في مخطوط ظل يعمل عليه مدة تزيد على عشرين عاما.

ثم فجأة يشعر بأن مشيته لم تعد كما هي، وبأن شخصا بدينا أعرج يسكن جسده، ويجبره على الحركة بطريقة بطيئة ومختلة، ما يضطره إلى زيارة أطباء نفسيين وعضويين.

ولكن الغريب في الأمر أن تأتي نتائج الفحوصات طبيعية تقريبا، ومع ذلك لا يزول إحساسه، ويقع تحت هاجس ملح يسيطر عليه كليا، وهو رؤية هذا الشخص البدين في المنام وفي اليقظة.

وفي النهاية يعود إلى مخطوطه القديم ليكتشف أن الأسئلة القديمة ظلت كما هي، بلا أجوبة، فيقضي ليلة كاملة يكتب حتى يظن أنه وجد الإجابات، ليقرر بعدها نشر المخطوط.

هذا هو ظاهر القصة وملخصها، فهل هو ثقل الشيخوخة وتراكم الزمن على جسد ضعيف يخشى العجز ويراقب خطوات الآخرين، مركزا على أرجلهم؟ إنها قصة إنسان أربكته الأسئلة الكبرى: ما معنى الحياة؟ لماذا نعيش؟ ماذا يبقى منا؟لقد نجح الكاتب في تجسيد شخصية تعاني من المخاوف والجوانب المكبوتة، قادته ثقافته إلى البحث عن إجابات تعينه على مصالحة العالم، حتى لو جاءت في عمر متأخر.

قصة «مدينة العيون المتلصصة»، يبدأها هكذا:«لا يدري أي حظ قاده إلى تلك المدينة التي انتقل إليها لأجل عمله الجديد، مدينة يهوى معظم أناسها، ذوو العيون الأوسع من المعتاد، التلصص على الآخرين بشراهة لم يعهد مثلها من قبل.

لقد لاحظ ذلك منذ الدقائق الأولى له في شقته المستأجرة على طرف شارع عام يشق المدينة إلى نصفين، وتأكد له الأمر حين خرج صباحا ذاهبا إلى عمله الجديد».

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك