لا تختلفُ مجموعاتُ الشعر المتألّقةُ في تكوينها عن باقاتِ الوردِ الفاتنةِ، ولا عن عقودِ المجوهراتِ الآسرةِ، ولا عن نساء الأرض المُحيِّرات.
ولا يختلف الشعراء، رجالاً كانوا أو كنَّ نساءً، في تشكيل مجموعاتهم ضمن بنيةٍ عن منسّقي تلك الباقات، ولا عن صاغة تلك العقود، ولا عن نساء هذه الأرض.
ولا تختلف الورود والمجوهرات والنساء عن القصائد التي تحلّق بأجنحةٍ في تآلفها وتناغمها وتشابكهاإن تكبّلت بارتباطاتٍ، وتجمّعتْ – وربّما كان هذا هو سرّ جاذبية المجموعات – فيها متضاداتُ الجنّة والجحيم.
بهذا القياس، لا تبتعد مجموعة الشاعر السوري ياسر خنجر «ترميم» مع عنوانها الفرعي «تأريخ لنشاز الوقت»، عن باقات وعقود ومجموعات الطبيعة والشعر المتألّقة في تناغمها ضمن بنيةٍ، تلملمُ اتجاهات القارئ على محورٍ يشعر فيه أن لديه «بوصلةً»، يحدّدُ اتجاهها خنجر بالشمال الأرضي، وإن تعدّدتْ وتنوّعتْ وتشابكتْ الاتجاهات، وإن غابت البوصلة نفسها كذلك في الأجوبة التي تحدّدُ ماهيّتَها فتميتُها، إذ هي تترك آثارَها في الأسئلة التي تُبقي جذوة الحياة متّقدة في رماد الوقت أو رماد الموت.
وبهذا النبض الذي لا يُطفئ نارَه الكامنةَ صدأُ الأجوبةِ الجاهزة المعطاة في حقيقةٍ واحدةٍ يُكتَشفُ بعد وقوع الفأس في الرأس أنها كانت خداعاً، ولا تتوقّف عن إيقاد روحِه الأسئلةُ التي تنتصب محوراً للمجموعة، باكتشاف القارئ لذلك بسهولة، يصيغ خنجر غالبية قصائده.
ويشير إلى ذلك أيضاً، بسلوك السؤال الذي يُلبِسها ثيابَ الشك واليأس والوهم، وما يكمن في داخلها/الإصرار والأمل والحلم، وسلوك ما يكشف أقنعة الزيف ولا يضع أقنعة مكانها.
كما يفعل في قصيدته المفصلية «قناع»، وما يُنبض المجموعةَ حيّةً في المعاصرة ببلورة كل هذا في قصيدته المفصلية في «أنبياء»، التي يتجلّى فيها واضحاً طريق «اللايقين»، حيث:«الأنبياء الذين ينامون في سريريكيف أخلع يقينهم عن غايتي حين أسير؟الأنبياء المدَجّجون بالأجوبة»…حين أمضي إلى الحيرة شمال بوصلتي؟ ».
وبهذا «اللايقين»، يكوّن خنجر بنيةَ مجموعته المتألّقة في أربعة فصول تضم واحداً وخمسين قصيدة، وتتمحور حول «الصدع» في أبعادٍ أربعةٍ: صدعٌ في جدار البيت (13 قصيدة)، صدعٌ في أفق الحلم (16 قصيدة)، صدعٌ في خفقة القلب (10 قصائد)، وصدعٌ في سيرة الوقت (12 قصيدة).
وفي الوقت الذي تتنوع فيه الصدوع وتنتشر بهذه الأبعاد، من حكاية التغريبة الفلسطينية، والجولانية السورية تحت الاحتلال الإسرائيلي نفسه، إلى معاينة معاني الوجود في سيرة الوقت، مروراً بالأمل في اليأس وبالحب في الحلم وفي خفقة القلب لدى الإنسان؛ لا يشتّت خنجر تناسق باقة فصوله، ولا يَضيع عن محورها الخفيّ الرابط، إذ يلجأ إلى سريان البنية العميقة الكامنة في الأسئلة واللايقين بجميع القصائد تقريباً، ويربطها في هذه البنية، مع شذوذ بعض قصائد جاءت محمولةً على موجةٍ مغايرة ورأى الشاعر كما يبدو أنها مرتبطة في الجوهر.
تجلّيات الصدوع ورأبها بالأسئلة:1: في جدار البيت، تتجلّى الصدوع بالاكتفاء لا الطموح، واختيار عابدين لا أحراراً، واتباع وجهة العشيرة بمفهوم انقياد القطيع الكامن في التراث القبلي، حيث: «وما أنا إلا من غُزَيَّة إن غوتْ… غويتُ وإنْ تَرْشُد غُزَيَّةُ أرشُدِ»، بدلاً من العودة إلى تراث المجتمع الأمومي السوري المتوج بآلهته عشيرة، على اختلاف أسمائها، إلهة الطبيعة التي تضم الجميع في حضنها الأمومي.
وتتجلّى الصدوع بعدم الحذر والثقة التي في غير محلّها بالغريب، الذي من الواضح أنه الصهاينة الذين تمت استضافتهم بنبل وكرم، ليسرقوا فلسطين ويُشرّدوا أهلها ويذيقوهم مرارة النكبة، والنكسة، والخذلان، وخداع النصر الذي تكمن في تجسّده الهزيمة.
حيث في الحقيقة:«لا إخوةٌ يسندون ظهري/ ولا الدرب أليف تحت قدميّ».
مثلما تتجلّى في فقدان البوصلة، الحيرة، فقدان الحلم، ولعنة الاغتراب الكامنة في البلاد «صدأً أبدياً».
ثم في تراكمِ المذابح التي تطمرُ ذاكرة المذابح من قِبَلِ: »الغول، الذيرشق وجوهنا بالدم/ مذبحةً بعد مذبحةٍ/ فتلبّدت في صوتنا المراثي».
وفي مقابل هذه الصدوع، بالتضاد الظاهر، والكامن في ذات الوقت لكيلا يفقدَ جوهر الفعل في الذات، وبالتيقن من المحسوس والملموس والمجرّب المتبلور في مقولة: «لست منهزماً ما دمتُ أقاوم»، ومقولة «ليس للأبد هذا الخراب»، حيث: «ثمّةَ نايٌ كامنٌ في القصب اليابس/ ثمّةَ نايٌ يعزف غدَنا الحرَّ الذي نكون».
ومحاولة الوقوف ببساطة: «كي لا أبقى ممدداً في النعش».
والمهمُّ، امتلاك بوصلةٍ، حيث: «أني ما زلتُ أُطمْئِنُ هواجسي/ أنّ الشمالَ واضحٌ في البوصلة/ فقط لو كنت أملك بوصلة».
وطبعاً لا يغيب الحلم، عن الأهم: التساؤل المرعب:«كيف يتسع هذا القبر لنا كلّنا، وما من شعلةٍ واحدةٍقادرةٍ على إضرام نارٍ في موقدٍ صغيرٍصغيرٍ جداً، تكفي لأنْ أحمل اللهب بين أصابعيفتبدّلُ الجنازةُ وجهتَها».
وفي كل معاينةِ ما يعين على رأب الصدع الذي يولّد لعنة الاغتراب، باسم وردة الأرض، والانتماء إلى تراث التفاحة/ الأمومة إذ: «أسمي شجرة التفاح أمي»؛ يُنبض خنجر الأمل من خلال معانقة الجرح، واحتمالات الحدائق، حيث رغم الهزائم: «بقي اليأس الذي فيّ جميلاً ووحيداً/ سأنقذه من الهزائم، علَّنا ننجو معاً».
2: في أفق الحلم، تتجلى الصدوع: بالحيرة، بفقدان حضن الأم والحب وتزييف الذات بالقناع، وخيبةِ الجنود العائدين من الهزائم، ويأسِ الأرامل، وفقدانِ الطفل للحلم، والفقدِ بصورته العامة التي تعكس الغربةَ الكامنة، الفراغ/ الضياع عن الذات في مجاز عبور الصحراء وفي الأهم: «يقينية الأنبياء».
وتتجلّى مآبر رأب الصدوع في أفق الحلم بـ: التساؤل: «لمن تُسرج هذا الخيال؟ / إذا المواعيدُ جميعُها تأجّلتْ، / ورأيتَ قافلةَ الكلام عالقةً على شفة الوقت».
والتساؤل حول تزييف الذات، واكتشاف موطن الغربة فيها حيث: «الغربة هي أنا/ أنا غربةٌ دائمة ومنفاي فيَّ/ بين أحلامي».
مع التساؤل عن الفراغ إن لم يكن في الذات: «فأنا شتاتٌ لا ينتهي، شوكٌ يابس في الشوق/ ووردٌ ذابلٌ في أفق الشرفات/ وأنا، هل حقاً أنا».
وعدم التوقف عن «غرس بذور الأسئلة/ في أحشاء هذا اليباس»، وعبور الصحراء بالأسئلة المرمِّمة والأغنيات الهادية، وعدم الركون إلى السكينة بالقلق.
وإشاعة الحب الذي يزهر في الأشياء البسيطة مثل إهداء وردةٍ من حديقة الأم.
والأهم الذي ذكرناه فيما سلف: رأب الصدوع ببوصلة اللايقين، التي بلور خنجر ترميماتها بالشك في أنبياء الأجوبة بـ: »أمّا أنا، فخطّاءٌ لا يتبعُ/ إلا أجراسَ الأُحجية، ويدرّبُ/ حنجرة الوقت أن تنطق أسرار الغيب.
/ كيف لا أزرعُ سلالم الشك في قدميَّ/ وأصعدُها حيث يكون؟ ».
3: في خفقة القلب، تصبح الصدوع أخفّ وطأة إذ تأتي على الأغلب من وحوش الخارج، وإذ يقف أمامها الحبُّ مانعاً.
وفي هذا يداخل خنجر الحبَّ بالصوفية، كما في قصيدة «هدنة»، حيث تمتزج الصدوع بمآبر ترميمها، في فيض الحب، وفي نقصانه، وفي توازنه، مع اقترانه بالحكمة والجنون في ذات الوقت إذ: «هو الحبُّ، أول الأبجدية في الحرائق، / آخر هدنةٍ في اللهب».
ويقدّمُ خنجر في معاينة صدوع الحب وترميماته «في خفقة القلب»، معايشةً للحبّ، تتضمن مخاتلات الحب في حضوره وغيابه بذات الوقت، وفي رحمته ولعنته، ومائه المتدفق وجفافه، وفي نجمته التي تُبقي شرارته متّقدة في قلب الغبار.
وفي هذا يستخدم خنجر المتضادات، دون خشيةٍ من الاحتراق بالحبّ، واستخدام الوهم حين يقرنه بالحلم، حيث: «مولعٌ بالوهم أنا، / لا أتبعُ خطوتي حين أسير/ ولا أصعدُ سلَّم الأبد».
4: وفي سيرة الوقت، تتجلّى الصدوع، في الوجود، حيث «بيتُك فيك، بين ضلعين من صدرك»، على الأرض كما في السماء، في الخيال كما في المذبحة، وتتجلّى الترميمات بتدريب القلب عليها.
وفي أبعاد هذه الصدوع الأربعة التي تحاول القراءات في العادة استخلاص ما يمثّلها، تجدر الإشارة إلى أن هذا الاستخلاص لا يكفي سوى كتحريضٍ لاطلاع القارئ ودفعه لاستخلاص تجربته الخاصة معها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك