في المرحلة الحالية تسعى الدولة الصهيونية للانتقال من مرحلة بناء الدولة القومية على أرض فلسطين التاريخية إلى مرحلة توسيع نطاق نفوذها الإقليمي من خلال وسيلتين، الأولى هي إقامة مناطق أمنية على طول محيط الأرض المحتلة في أراضي الدول المجاورة، والثانية هي إقامة ممرات اقتصادية عازلة عبر الإقليم برا وبحرا بحيث لا يتحقق الاندماج الإقليمي والاندماج مع العالم إلا من خلالها، لتكون هي جسر التواصل داخل الإقليم وبينه والعالم أجمع.
وفي سبيل تحقيق ذلك تعمل الاستراتيجية الصهيونية على إقامة أربعة ممرات للتنمية بين الإقليم والعالم تمر جميعها داخل مناطق النفوذ الإسرائيلي و من خلال الأرض المحتلة.
الممر الأول يمتد من شرق البحر المتوسط إلى أوروبا عن طريق اليونان وقبرص.
والممر الثاني بين الهند وأوروبا عبر الإمارات والخليج والأرض المحتلة والبحر المتوسط.
الممر الثالث بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى عبر أذربيجان.
أما الممر الرابع فيربط بين المحيط الهندي وشرق البحر المتوسط عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وتعمل إسرائيل على إقامة وتطوير هذه الممرات الاقتصادية الأربعة، وتجنيد كل مجهودها الاقتصادي الخارجي من أجل إقامتها وتطويرها وتثبيت السيطرة عليها، بحيث تكون هي في الموقع الذي تستطيع منه إضعاف الدول الأخرى أو السماح لها بالقدرة على التواصل الجماعي مع العالم.
كما سعت خلال السنوات الأخيرة إلى وضع مجموعة من الأطر المؤسسية والتنظيمية لعلاقتها الاقتصادية مع الدول العربية، تتكون حتى الآن مما يسمى اتفاقيات إبراهيم، ومنتدى النقب للتعاون الاقتصادي، ومنتدى الغاز لدول شرق المتوسط الذي يضم دولا أوروبية والولايات المتحدة.
وتمر العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والدول العربية من خلال مجموعة من القنوات والترتيبات ذات الطابع الثنائي، مثل اتفاقيات تصدير الغاز إلى كل من مصر والأردن، واتفاقيات تصدير السلاح مع كل من الإمارات والمغرب والبحرين وبروتوكولات تعاون وشراكة متنوعة ملحقة باتفاقيات إبراهيم.
وعلى التوازي مع التوتر في العلاقات مع بعض الأطراف العربية بسبب حرب الإبادة في غزة، ومحاولات ضم الضفة الغربية من خلال توسيع الاستيطان والاحتلال وتقطيع أوصال التجمعات السكانية العربية، باستخدام جيش الاحتلال وعصابات جماعات المستوطنين، فإن الفترة منذ مجيء حكومة نتنياهو الحالية حتى الآن سجلت أكبر موجات التوسع الاستيطاني الرسمي وغير الرسمي في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ توقيع اتفاقية أوسلو.
تعاني المنطقة العربية من عدم التوازن الاقتصادي بين دولها، ما يمثل سببا من أسباب تعارض المصالح بينها.
على سبيل المثال فإن دول الخليج لديها فائض في الطاقة والسيولة المالية، والنفوذ، لكنها تعاني في الوقت نفسه من العجز البشري، من حيث الكم والكيف على السواء.
أما مصر والأردن فتتمتع كل منهما بفائض جيو اقتصادي من حيث طبيعة الموقع والاستقرار النسبي سياسيا واجتماعيا والقوة الناعمة.
لكنهما في الوقت نفسه تعانيان من عجز في الطاقة والسيولة المالية والإنتاج.
وفي مقابل ذلك فإن إسرائيل تتمتع بوجود فائض في الإنتاج والغاز ورأس المال والتكنولوجيا المتقدمة والمهارات البشرية، لكنها تعاني من القيود المفروضة على تدفقات السلع والموارد الأخرى عبر الحدود بينها وبين دول المنطقة بشكل عام بسبب الطبيعة العدوانية لسياساتها تجاه الشعب الفلسطيني والشعوب العربية.
هذا يعني أنه لا توجد دولة واحدة تملك جميع ركائز القوة الاقتصادية.
وطبقا لمفهوم الاندماج الإقليمي الإسرائيلي، فإن القوة الاقتصادية الإقليمية تتحقق من خلال التكامل بين رأس المال الخليجي والتكنولوجيا الإسرائيلية والعمل المصري والاستقرار الأردني.
ولكن نظرا لأن مستوى الثقة السياسية منخفض جدا بين إسرائيل والدول الأخرى وبين تلك الدول وبعضها البعض، فإن كلا منها تعمل على تعويض العجز من خلال الارتباط بقوى خارج المنطقة أهمها الولايات المتحدة والصين وتركيا وروسيا والاتحاد الأوروبي.
ومن الملاحظ في هذا السياق أن الدول العربية تتعامل مع العالم كدول فردية وليس ككتلة لها قوة اقتصادية مشتركة.
كما يلاحظ أيضا أنها جميعا أكثر ارتباطا بسلاسل الإنتاج والإمدادات التي تخدم الطلب العالمي الخارجي.
في المقابل فإن إسرائيل تسعى إلى بناء قاعدة للمصالح المشتركة مع شركائها التجاريين، وتطوير أطر عمل دقيقة وحية لإقامة علاقات متعددة الأطراف من خلال هؤلاء الشركاء، لخدمة عملية بناء قوة اقتصادية محلية مؤثرة على المستويين الإقليمي والعالمي.
تعمل إسرائيل على تطوير استراتيجية متعددة الجبهات لإعادة تشكيل موقعها الإقليمي، وبناء شبكة من الشراكات الاستراتيجية التي تمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى القوقاز وجنوب آسيا والمحيط الهندي والبحر الأحمر.
هذا التكامل ليس دبلوماسيا فحسب، بل ينطوي على بنية تحتية عميقة وطاقة وتعاون أمني – ما يخلق ممرا جغرافيا اقتصاديا يتجاوز المنافسين التقليديين.
تفتح العلاقات بين إسرائيل واليونان وقبرص ممرا استراتيجيا متعدد الأغراض، يربط بين شرق المتوسط والقارة الأوروبية، يعتمد على التجارة والاستثمار في مجالات الطاقة والاتصالات ونقل التكنولوجيا والسلاح، تلعب إسرائيل الدور الرئيسي في هندسة بنيته الأساسية، وتدير من خلاله جزءا مهما من علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي والقارة بشكل عام.
وتتضمن أهم معالم هذا الممر استثمارات الغاز التي تقوم بها الشركات الإسرائيلية وشركة شيفرون الأمريكية، ومد خط كابلات كهربائي ضخم تحت سطح البحر لربط شبكة الكهرباء الإسرائيلية بأوروبا عبر اليونان.
كما يتصل ممر شرق المتوسط بالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا «IMEC» ومن شأن هذا الاتصال بين ممر إسرائيل – اليونان- قبرص، وممر الهند – الخليج – شرق البحر المتوسط – أوروبا أن يجعل إسرائيل قوة إقليمية للطاقة وجسرا للتواصل بين الشرق والغرب.
ولا يملأ ممر شرق المتوسط فراغا في البنية الأساسية للاتصال الإقليمي بين آسيا وأوروبا فقط، وإنما يضيف أيضا نقطة قوة مهمة لمصلحة إسرائيل في مواجهة النفوذ التركي.
وتعتبر تركيا نفسها البوابة الطبيعية اقتصاديا وجيوستراتيجيا لدول آسيا إلى أوروبا، ومن هنا فإن هناك منافسة شرسة بين البلدين تتجلى حاليا في ظهور مشروع تركي مضاد لممر شرق المتوسط البري/البحري، يتمثل في العمل على إحياء خط سكك حديد الحجاز الذي لعب دورا محوريا في العلاقات الاقتصادية بين العرب والأتراك حتى الحرب العالمية الأولى.
الهند شريك اقتصادي استراتيجيتعتبر الهند جزءا من استراتيجية إسرائيل لتطويق إيران، ومركزا من مراكز الربط بين آسيا وأوروبا، وشريكا أساسيا في إقامة محور لحماية المصالح المشتركة بين الدولتين لتأمين طرق التجارة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر.
ومن هنا نشأ ارتباط بين طموحات الهند الاستراتيجية في القرن الأفريقي وأفريقيا بشكل عام وبين المصالح الأمنية لإسرائيل.
وتعمل إسرائيل على تشجيع صيغة للتعاون الاقتصادي الثلاثي تضمها مع الهند والدول الأفريقية بغرض التصدي للنفوذ الاقتصادي الصيني في القارة.
أذربيجان ومحور آسيا الوسطىتعتبر أذربيجان في الوقت الحاضر أهم ذراع لإسرائيل في آسيا الوسطى، من حيث تنوع وقوة العلاقات بين الطرفين في مجالات التعاون الأمني والدفاعي والتكنولوجي والاقتصادي والسياحي.
وكانت الطائرات الإسرائيلية بدون طيار والتكنولوجيا الحيوية مفتاح النجاح العسكري لأذربيجان في الحرب مع أرمينيا.
وتشتري أذربيجان حوالي 70 في المئة من أسلحتها من إسرائيل.
في الوقت نفسه فإن أذربيجان تمثل المورد النفطي الرئيسي لإسرائيل، حيث تغطي إمداداتها النفطية ما يتراوح بين 40 إلى 60 في المئة من احتياجاتها.
كذلك تسعى إسرائيل إلى فتح أبواب الشرق الأوسط للنفط الأذاري، حيث توسطت في اتفاق مع سوريا لاستقبال إمدادات نفطية من أذربيجان لتدعيم محطات توليد الكهرباء التي كانت تعاني من انقطاعات مستمرة قبل وبعد سقوط نظام الأسد.
وإضافة إلى توفير أمن الطاقة لإسرائيل تلعب أذربيجان دورا مهما وموطئ قدم استراتيجي على الحدود الشمالية لإيران.
ممر الاتفاقيات الإبراهيميةفي سعيها للنفاذ اقتصاديا إلى أسواق المنطقة، دخلت إسرائيل أربع حروب كبرى مع الدول العربية والفلسطينيين على مدار أكثر من 30 عاما (1948 – 1956- 1967 – 1973) قبل أن تحصل على اتفاقية للسلام مع كبرى جاراتها، مصر عام 1979، ما فتح الباب لأول اتفاقية لتطبيع العلاقات تسمح للإسرائيليين بالسفر من إيلات إلى طابا برا من دون تأشيرات للعبور، ومن تل أبيب إلى القاهرة جوا من دون قيود على حركة الطيران، ما سهل فتح الكثير من قنوات التجارة والسياحة والتبادل التكنولوجي.
بعد ذلك كان على إسرائيل أن تنتظر 15 عاما حتى تحصل على اتفاق التطبيع مع الأردن.
ثم توقفت عجلة التطبيع الرسمي عن الدوران لمدة ربع قرن تقريبا، حتى تحركت من جديد مع توقيع اتفاقيات إبراهيم في واشنطن مع الإمارات والمغرب والبحرين والسودان.
منذ ذلك الوقت تحاول إسرائيل توسيع نطاق التطبيع بلا جدوى نظرا لتصاعد كفاح الشعب الفلسطيني لإنهاء الاحتلال والحصول على حقه في إقامة دولته المستقلة.
وتعتبر اتفاقيات إبراهيم لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية بمثابة نقطة انقلاب حقيقية من حيث المفهوم، حيث أقيمت على أساس «السلام مقابل السلام» على عكس الاتفاقات السابقة التي قامت على أساس «الأرض مقابل السلام».
كما أنها تختلف عن الاتفاقيات السابقة، من حيث طبيعة الإجراءات.
وقد قفزت قيمة التجارة بين إسرائيل وشركائها العرب بأكثر من الضعف منذ اتفاقيات إبراهيم، حيث ارتفعت من 1.
9 مليار دولار في عام 2021 إلى 4.
5 مليار دولار في عام 2024.
وتهيمن الإمارات على هذه التجارة، في حين أن صفقات الطاقة الأخيرة مع مصر والأردن من شأنها تغيير المشهد الاقتصادي في المنطقة، بخلق علاقة تبعية هيكلية في قطاع الطاقة بين كل من مصر والأردن من ناحية وإسرائيل من الناحية الأخرى.
ممر الصومال والقرن الأفريقي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك