قبل فترة التقيت بولي العهد، الأمير الحسين، واللقاء كان مقررا لمدة ربع ساعة بسبب وقته المزدحم، إلا أن اللقاء الفعلي استمر أكثر من ساعة.
كنت يومها عائدا من السفر، وأعرف عن توقيت موعدي قبل أوانه بيومين، وفي صبيحة ذلك اليوم، كنت أتوجس خيفة من تغيير الموعد، لأن هذا أمر يحصل أحيانا بسبب المستجدات، وتغيير المواعيد المباغت.
صافحته يومها، وكان أهم ما يميزه عدم وجود ذلك الحاجز التفسي الذي قد تشعر به في حالات ثانية مع مسؤولين آخرين، وقد سألته يومها أسئلة كثيرة، كلها كانت حساسة، حول الشأن الداخلي الأردني بكل تفاصيله، السياسية والاقتصادية، وما يواجهه الأردن من مشاكل أو أزمات، وما يتعلق بشؤون الإقليم، وضغط الإقليم على خواصر الأردن.
بعيدا عن المجاملات هنا، لم يتردد في الإجابة على أي سؤال، بل زاد واستزاد، برغم أن بعض القضايا كانت معقدة، ومثيرة للحساسية.
وكان لافتا للانتباه 5 اشياء رئيسية، أولها: أنه يتابع كل الملفات الداخلية، بما فيها الملفات التي تخص قطاعات مختلفة، فهو ليس مجرد متابع لأخبار البلد من بعيد أو عبر تقارير الورق، بل يعرف آخر المستجدات حول هذه الملفات، دون إشهار، ومكتبه يشهد اجتماعات متواصلة دون إعلان، على عكس برنامجه الذي تنشر أخباره وسائل الاعلام والذي يتسم في ظاهره بكونه هادئا ومحدودا، ويهتم بقضايا معينة.
الأمير هنا لايخضع لتوظيفات الصورة الإعلامية بقدر اهتمامه الفعلي بما يجري من نتائج وانجازات، فهو لا يبني شعبية دعائية بقدر حاجته إلى تغيير إيجابي فاعل يلمس آثاره الأردنيون في شؤون حياتهم.
نحن هنا لسنا أمام صناعة صورة للشعبية، بقدر كونها صناعة شخصية قيادية في الدولة لها مستقبلها، تتأسس بشكل متدرج في كل المجالات.
الشيء الثاني: أن طبيعة شخصيته لا تحتمل المجاملات، ولا إضاعة الوقت في التبرير والتأويل، ولا يقبل الطريقة التي نراها كثيرا، أي البحث عن أعذار لتفسير كل خلل، ويميل إلى الجدية، والحسم، وهذا الكلام لا يأتي مبالغة بقدر كونه واقعا يؤشر على شخصية جدية، تريد تطوير البلد، وهو أمر لن يحدث مالم نستشرف المستقبل بشكل صحيح.
أما الاستخلاص الثالث فهو: إدراكه العميق لموقع الأردن، وحساسية الموقع الجيوسياسي، وكلفة الموقع في الإقليم، وأهمية أن نحافظ على الأردن ومصلحته دون أن يكون هذا التوجه دليلا على الانعزال، أو الانكفاء أو إدارة الظهر للقضايا العربية في كل مكان، من القدس وغزة، وصولا إلى بقية الملفات التي نواجهها هنا في الإقليم، وهذا التوازن في التعبير عن النبرة والتوجه قد لا تجده بذات الطريقة لدي بعضنا أحيانا.
الشيء الرابع: أنه يؤمن بالمستقبل كثيرا، وضرورة الاستثمار في شخصية أبناء الأردن بطريقة صحيحة على صعيد قطاعات معينة، وهذا يفسر من جهة ثانية تركيزه على الرقمنة والتحول الرقمي، وإعادة خدمة العلم، وإطلاق مشاريع وخدمات ومبادرات، مع أهمية مضاعفة التعليم التقني ولدينا هنا نموذج جامعة الحسين التقنية، وأهمية التكنولوجيا المتقدمة، والرياضة، معتبرا أن الشباب هم المستقبل، ولا بد من تمكينهم وتوفير الفرص لهم، وهنا نستذكر الدور المهم لمؤسسة ولي العهد لدعم وتمكين الشباب، دون أن ننسى القيمة المضافة لمنتدى" تواصل" السنوي الذي يشارك فيه ألآف الشباب الأردنيين، الذين يناقشون أبرز القضايا، وتحولات المستقبل، في ظل عالم يتغير سريعا.
خامس الاستخلاصات: أنه قريب جدا من الناس، بكل تنويعاتهم بما في ذلك رفاق السلاح في المؤسسة العسكرية، وكلنا يذكر جولاته الميدانية في كل مكان، وتلك اللقاءات مع العسكريين في بيوتهم، وتلك الصلات التي صاغها بسبب خدمته في المؤسسة العسكرية، فنحن أمام شخصية تتسم بالبساطة ولاتفتقد للهيبة، تشكلت تحت عنوان يعزز أهمية العلاقة مع الناس، ويرى فيهم أساس الحكم، والاستثمار الأهم في الحياة، باعتبار أن الحكم يكون بالناس وليس على الناس، والفرق بين الأمرين كبير، في بلد مثل الأردن لاتتصرف فيه مؤسسة الحكم بفوقية مع شعبها.
وأذكر مرة انني كتبت مقالا حول برامج الأمير، واقترحت أن يزور المواقع التي قد تعد بعيدة، مثل البادية الجنوبية، وقد كان مفاجئا لي أنه بعد المقال بأيام ذهب إلى البادية الجنوبية، والتقى بثلة من أبناء المنطقة في لقاء كان مفاجئا لهم، تحدثوا فيه بكل صراحة عن همومهم، وهذا يعني أولا أنه يقرأ الصحافة المحلية، ويعني أيضا أنه قريب من الناس.
يرفع معنوياتك خلال اللقاء، فأنت تأتيه مزدحما بالاسئلة والمخاوف والهواجس، لكنك تخرج من اللقاء أكثر طمأنينة بالله أولا، على مستقبل الأردن، ثم بوجود من يدركون التحولات، خصوصا، مع التحديات السياسية والاقتصادية التي نعيشها، وربما أكثر ما يبقى عليك من أثر، أنك ترى بأم عينيك أن هناك إيمانا عميقا أن حماية الأردن وتطويره بحاجة إلى عمل فعلي، وليس إلى شعارات، وعناوين لا تبقى أبدا.
اليوم الأحد الثامن والعشرين من حزيران يصادف عيد ميلاده، وفيه نقول له إننا نريد المزيد منك على صعيد البرامج النوعية، والعلاقة مع الناس في كل مواقعهم، وما يرتبط أيضا بالمبادرات الإنسانية لأهميتها، وخصوصا بؤر الفقر والمرض واليتم والعوز والمعاناة، فهذا من أهم ملفات العلاقة مع الناس، وأيضا الأفكار المبتكرة لتمكين الشباب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك