لا تكمن المشكلة الفلسفية في المفاضلة بين الأسلوب السهل والأسلوب الصعب، بل في تحديد ماهية القول الفلسفي نفسه.
فالسؤال الحقيقي ليس: أيهما أجمل، لغة التبسيط أم لغة التعقيد و" التقعر"؟ بل: هل الفلسفة شرح لما هو معروف أصلاً، أم إبداع لأفاهيم ورؤى جديدة تغير طريقة تفكيرنا وفهمنا للعالم وتفرض على اللغة ذاتها أن تتغير معها؟لا تطلب الفلسفة من اللغة أن تقول ما نعرفه سلفاً، بل أن تساعدنا على التفكير في ما لم نفكر فيه بعد.
المهم ألا يتحول القول الفلسفي إلى نوع من النثر الثقافي والأسلوب الفلسفي إلى ما يشبه كتابة الجرائد.
الفلسفة مبنى ومعنى.
ولا ينفصل المبنى عن المعنى الذي يتجسد فيه ويطلبه.
وعليه، لكل فيلسوف أسلوب جديد و" لغة" جديدة يختص بها.
فـ" الكتب الجميلة تكتب بنوع من اللغة الغريبة" بحسب مارسيل بروست، أي تكتب بلغة غير مألوفة وغريبة عن التداول الشائع.
ولا نعني بذلك المفردات الجديدة فقط، بل سياق الجملة أيضاً.
في هذا السياق، نسأل: هل التبسيط والشرح من ميزات القول الفلسفي؟ بمعنى هل يعتمد الفيلسوف في ما يحرره من قول فلسفي لغة التبسيط والشرح في عرض أفكاره وأنظومته الفلسفية أم ينشغل بإخراج ما لديه من فلسفة إلى حيز القول دونما اهتمام كبير بمسألة التبسيط والشرح؟هكذا فإن المطلوب من القول الفلسفي: الوضوح والتماسك وعدم التناقض.
أما البساطة والشرح فهما غير مطلوبين، بل وقلما نجدهما عند الفلاسفة الكبار مع أن الفلسفة، بحسب التعريف، تتوجه في جوهرها إلى الجميع.
غير أن توجه الفيلسوف إلى البشرية جمعاء لا يعني بالضرورة أن يخاطب جميع الناس باللغة نفسها.
لكن رغم ذلك، هناك من يصر على أن الفلسفة لا يمكن أن تكون شعبية.
وعليه، فليس المعنى في الفلسفة شيئاً منفصلاً عن اللغة التي يتجسد فيها.
فالفكرة الفلسفية ليست مضموناً جاهزاً يمكن نقله من وعاء لغوي إلى آخر من دون تعديل أو تحوير أو خسارة.
إن الفيلسوف الحقيقي لا يكتفي باستعمال اللغة، بل يعيد تكوينها وبناءها ونحتها من الداخل لتناسب القول الجديد.
لهذا السبب ارتبطت الفلسفات الكبرى بأساليبها الخاصة إذ نجد أن هناك ضرورة بين مضمون فلسفة الفيلسوف وأسلوبه في الكتابة.
وعليه، فلا يمكن فصل فلسفة أفلاطون عن الحوار، ولا فلسفة نيتشه عن الشذرة، ولا فلسفة هايدغر عن لغته المتوترة الملتوية، ولا فلسفة دولوز عن تركيباته الأفهومية الفريدة.
فكل فلسفة كبرى تبتكر شكلها التعبيري بقدر ما تبتكر مضمونها الفكري.
من هنا يصبح التعقيد أحياناً نتيجة طبيعية لجدة الفكرة، لا مجرد عيب أسلوبي.
فحين يظهر أفهوم جديد لا تجد اللغة المتداولة دائماً الكلمات المناسبة لاستقباله، فإنها تضطر، عندئذ، إلى التلعثم والتأتأة وإعادة ترتيب بنيتها كي تستوعب ما لم تكن تعرفه من قبل وتعبر عنه.
بداية ينبغي التمييز بين الوضوح والتبسيط.
فالوضوح فضيلة فلسفية أساسية ومطلوبة وإن لم يتمتع جميع الفلاسفة بموهبة وضوح الأسلوب.
وعليه، فلا قيمة لفكرة يستحيل الإمساك بمنطقها أو تتناقض مع نفسها أو تغرق في الغموض المجاني.
أما التبسيط فليس فضيلة فلسفية بالضرورة، بل فضيلة تعليمية وتربوية.
فالفيلسوف غير الأستاذ الذي يشرح لطلابه.
قد يكون النص واضحاً من حيث بنيته المنطقية وتماسكه الداخلي، ومع ذلك يظل شديد الصعوبة بسبب كثافة أفاهيمه وجدة الأسئلة التي يطرحها.
وقد يكون النص سهلاً وسلساً، لكنه لا يضيف شيئاً يذكر إلى طرائق تفكيرنا أو فهمنا للعالم.
ذلك بأن لكل فلسفة كبرى أسلوبها الذي تفرضه طبيعة أفاهيمها ومشكلاتها الخاصة.
فنيتشه لم يختر الشذرة عرضاً، بل لأنها الشكل الأنسب لفكر يرفض النسق المغلق ويحتفي بالتجريب والاختراق.
وكانط لم يكتب بالطريقة المدرسية الصارمة لمجرد ميل شخصي إلى النظام، بل لأن مشروعه النقدي كان يقتضي بناء حجاجياً دقيقاً تتساند أجزاؤه بعضها إلى بعض.
أما دولوز، فقد احتاج إلى لغة متحركة ومتدفقة قادرة على التعبير عن فلسفة تجعل الاختلاف والصيرورة والتعدد في صميم التفكير.
وهكذا لا يكون الأسلوب زينة خارجية تضاف إلى الفكرة، بل أحد الشروط التي تجعلها ممكنة الظهور.
لهذا فإن كبار الفلاسفة نادراً ما كانوا كتاباً تبسيطيين بالمعنى المدرسي للكلمة.
فكتب أرسطو وسبينوزا وكانط وهيغل وهايدغر ودولوز ليست كتباً ميسرة للقراءة العمومية مع أن الفلسفة تتوجه إلى الجميع، ليس لأن أصحابها يفتقرون إلى البلاغة، بل لأنهم يحاولون قول أشياء لم تقل من قبل.
لذلك تتطلب نوعاً من اللغة الجديدة أو الغريبة.
وعليه، فليست صعوبة الفلسفات الكبرى عيباً ينبغي التخلص منه، بل هي أثر من آثار محاولتها تجاوز ما هو مألوف مما لا يؤدي المعنى بدقة.
هنا يظهر الفرق بين شخصيتين كثيراً ما يجري الخلط بينهما: الفيلسوف والأستاذ.
فالأستاذ يشرح الأفكار القائمة ويجعلها مفهومة للطلاب والجمهور.
أما الفيلسوف فيسعى إلى إنتاج أفكار جديدة وإن كانت صادمة وغير مألوفة.
يعمل الأول داخل فضاء المعرفة المستقرة نسبياً، فيما يعمل الثاني عند حدود المجهول.
لذلك فإن التبسيط والشرح يدخلان أساساً في وظيفة الأستاذ والمعلم والمفسر، لا في وظيفة الفيلسوف المبدع الذي له بادرته الفلسفية الفريدة وأسلوبه الخاص.
والبادرة هنا بالمعنى الذي يستعمله موسى وهبة: ذلك الافتتاح غير المتوقع لمسار فلسفي جديد لا يمكن استنتاجه مسبقاً من المعطيات الفكرية السائدة.
لا يقلل هذا من قيمة الشرح والتدريس.
فالحضارة تحتاج إلى المعلم بقدر حاجتها إلى المبدع.
غير أن الخلط بين المهمتين يؤدي إلى سوء فهم طبيعة الفلسفة نفسها.
فليست كل كتابة واضحة فلسفة، كما أنه ليست كل كتابة صعبة فلسفة بالضرورة.
المدرسة المصرية وفضيلة البيانمع ذلك لا يمكن إنكار خصوصية التقليد المصري الحديث في الكتابة الفلسفية.
فقد نشأت الفلسفة المصرية الحديثة في حضن نهضة أدبية ولغوية واسعة، شارك فيها طه حسين والعقاد وأحمد أمين وغيرهم.
لذلك اكتسب عدد كبير من الفلاسفة المصريين حساً بلاغياً وأدبياً مكنهم من تقديم الأفكار الفلسفية بلغة جذابة وسلسة.
وقد برزت هذه السمة عند أسماء مثل عثمان أمين وزكريا إبراهيم وزكي نجيب محمود وعبدالرحمن بدوي وإمام عبدالفتاح وسعيد توفيق وغيرهم.
لكن إسهامهم الأكبر تمثل في بناء الثقافة الفلسفية العربية الحديثة وشرح التراث الفلسفي العالمي وتأصيله عربياً، أكثر مما تمثل في تشييد أنساق وأنظومات فلسفية جديدة بالمعنى الذي نجده عند كبار مؤسسي الفلسفة.
لقد أدوا وظيفة ثقافية وتربوية لا غنى عنها، بل وأسهموا في إعداد أجيال كاملة من القراء والطلاب.
وهنا تكمن قوتهم الأساسية.
لماذا تبدو بعض الترجمات صعبة؟كثيراً ما يتهم المترجمون المغاربة أو المشارقة غير المصريين بالغموض والتعقيد.
غير أن المشكلة ليست دائماً في المترجم نفسه.
فالترجمة الفلسفية تواجه معضلة مزدوجة: هل تنقل الأفهوم الأجنبي كما هو ولو بدا غريباً على العربية، أم تستبدله بتعبير عربي مألوف قد يفقده دقته؟في حالات كثيرة يكون ما يبدو" تقعيراً" محاولة للحفاظ على الفارق الأفهومي الموجود أصلاً في النص المترجم.
صحيح أن بعض الترجمات تقع في فخ الإغراق الاصطلاحي المتصنع والنحت غير الضروري، لكن الصحيح أيضاً أن كثيراً من النصوص الفلسفية الحديثة لا يمكن نقلها من دون قدر من الابتكار اللغوي.
وهذا ما حدث مع موسى وهبة عندما ترجم كتاب" نقد العقل المحض" لكانط وكتاب" المباحث المنطقية" لهوسرل.
فالمترجم الفلسفي لا ينقل الكلمات فقط، بل ينقل جهازاً أفهومياً كاملاً.
لذلك قال فتحي المسكيني: المترجم هو الفيلسوف الوحيد الممكن بالعربية اليوم.
لعل موسى وهبة يمثل نموذجاً كاشفاً في هذا السياق.
فقد عده كثيرون صاحب لغة صعبة ومصطلحات نافرة من أمثال الأفهوم والمجاوز والوعيان والشيء فياه والشيء لياه والفيمياء والعلمياء والعلمان.
لكن هذه الصعوبة لم تكن ناشئة من رغبة في التباهي اللغوي بقدر ما كانت مرتبطة بفهم معين للفلسفة ذاتها والنص المترجم.
كان وهبة يدرك أن الفلسفة ليست تكراراً لما هو مألوف ومعروف بل إنتاج لأفاهيم تجعلنا نفكر بطريقة مختلفة.
لذلك كان يرى أن اللغة العربية لا تصبح لغة فلسفية بمجرد تبسيط الأفكار الأجنبية، بل عبر اختبار حدودها وإمكاناتها وطاقتها على توليد الأفاهيم.
وهذا ما جعله الأكثر تفلسفاً لا الأكثر تقعراً كما ذهب إلى ذلك الوقيان.
فالتفلسف عنده لم يكن استعمالاً للغة العربية، بل تعريضاً لها لاختبار حدودها القصوى.
لهذا بدا مشروعه أقرب إلى محاولة التفلسف منه إلى مجرد تعليم الفلسفة.
فموسى وهبة يمثل نموذجاً مخصوصاً للفيلسوف الذي يرى أن التفلسف يقتضي إعادة بناء اللغة ونحتها وابتكار جهاز أفهومي جديد.
لذلك بدت كتاباته عسيرة على كثير من القراء كما هي حال الفلاسفة الكبار.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)غير أن اختزال التجربة الفلسفية اللبنانية في نموذج موسى وهبة الفريد وحده يفضي إلى صورة ناقصة.
فالفضاء الفكري اللبناني أنجب أيضاً نماذج فلسفية مختلفة في علاقتها باللغة والأسلوب.
ويأتي في مقدمة هؤلاء ناصيف نصار الذي سعى إلى بناء مشروع فلسفي عربي متكامل يقوم على أفاهيم الاستقلال الفلسفي ونقد الأيديولوجيا والهجرة كما بلورها في مشروعه الفكري، داعياً إلى نهضة عربية ثانية بعدما أجهضت الأولى.
وقد جمع نصار بين العمق النظري والانضباط الأفهومي من جهة، والحرص على الوضوح المنهجي من جهة أخرى، من دون أن ينزلق إلى التبسيط المدرسي أو الإنشائية الأدبية.
والأمر نفسه ينطبق على مشير عون الذي تميزت كتاباته الفلسفية بلغة واضحة دقيقة متماسكة.
وعليه، فلم يكن الوضوح عنده مجرد تبسيط للمسائل أو تخفيف لكثافتها النظرية، بل ثمرة إحكام الأفاهيم وحسن تنظيم البنيان الفلسفي والنجاح في اختيار الحجاج المناسب.
هكذا قدم مثالاً على إمكان الجمع بين العمق الفلسفي والبيان اللغوي الواضح من غير افتعال أو غموض.
ويعبر كتابه عن هايدغر" الإنسان في رعاية الكينونة" أفضل تعبير عن أسلوبه الفلسفي الفريد الذي يبتعد عن التكلف والتصنع والتعقيد، ويعتمد الوضوح والعمق في الوقت ذاته.
لذلك فإن التجربة اللبنانية نفسها تكشف أن الصعوبة ليست شرطاً للفلسفة كما أن السهولة ليست نقيضاً لها.
فالمعيار الحقيقي لا يكمن في درجة تعقيد العبارة أو بساطتها، بل في قدرة اللغة ذاتها على التعبير عن تجربة فكرية جديدة وأصيلة.
لقد اختار موسى وهبة أن يدفع العربية إلى حدودها القصوى في الاشتقاق والابتكار الأفهومي، بينما اختار ناصيف نصار ومشير عون طريقاً أكثر اعتدالاً في التعامل مع اللغة.
ومع ذلك ظل الثلاثة، كل بطريقته الخاصة، منخرطين في مشروع التفلسف لا في مجرد شرح الفلسفة.
وما نكتبه اليوم لا يروم أن نقابل بين" المصريين الشراح" و" اللبنانيين المتفلسفين".
فهذه مقابلة قد تكون قاسية وغير دقيقة تاريخياً، لأن عبدالرحمن بدوي مثلاً لم يكن مجرد شارح، كما أن ناصيف نصار ومشير عون يبرهنان أن الوضوح لا يناقض التفلسف، بل طريق إليه.
وعليه، ليست المشكلة في الوضوح ولا في الصعوبة، بل في الأصالة الفلسفية.
فهناك وضوح فلسفي ناتج عن إحكام الأفاهيم، وهناك تبسيط يفقد الفكر كثافته.
كما أن هناك صعوبة ضرورية تفرضها جدة الأفكار، وغموضاً مجانياً يخفي فقراً فكرياً.
والفيلسوف الحقيقي لا يقاس بدرجة وعورة لغته أو سهولتها، بل بقدرته على إنتاج أفاهيم جديدة تمنح اللغة نفسها إمكانات جديدة للتفكير.
ثمة وهم معاصر يربط قيمة الفكر بمدى انتشاره الجماهيري.
لكن الفلسفة لم تكن يوماً نشاطاً شعبياً بالمعنى المباشر للكلمة وإن كان الفلاسفة يخاطبون البشرية جمعاء من حيث المبدأ.
إن الفلسفة تتوجه إلى الجميع من حيث المبدأ، لكنها لا تستطيع دائماً مخاطبة الجميع باللغة نفسها.
فكلما اقترب الفكر من حدود المجهول ازدادت حاجته إلى لغة غريبة وغير مألوفة.
لهذا فإن شعبية النص ليست معياراً على عمقه، كما أن صعوبته ليست دليلاً على قيمته.
المعيار الحقيقي شيء آخر: هل ينتج النص أفاهيم جديدة، هل يفتح أفقاً جديداً للتفكير، هل يمتلك وضوحاً داخلياً وتماسكاً منطقياً؟هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن نحاكم بها النص الفلسفي.
إذاً، ليست القضية قضية مصرية أو شامية أو مغاربية، ولا هي مجرد صراع بين السهولة والصعوبة، بل قضية تتعلق بطبيعة الفلسفة نفسها.
فالشرح والتبسيط مهمتان نبيلتان وضروريتان، لكنهما لا يختزلان القول الفلسفي الذي غالباً ما يكون عميقاً وموجزاً وكثيفاً ومكتوباً بنوع من اللغة الجديدة.
وعليه، فالفلسفة الخلاقة ليست مجرد شرح للعالم بقدر ما هي إعادة اختراعه أفهومياً ولغوياً.
لهذا قد يكون النص الفلسفي الحقيقي واضحاً من حيث البناء والمنطق، لكنه يظل صعباً من حيث التجربة التي يدعو القارئ إلى خوضها.
فالفلسفة تساعدنا على التفكير في ما لم نفكر فيه بعد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك