عمان – تشير معطيات سياسية إلى أن الدورة العادية الثالثة لمجلس النواب العشرين قد تشهد فتحا لقانون الانتخاب وإجراء مراجعة لعدد من مواده، في خطوة يُتوقع أن تأتي استكمالا لمسار التحديث السياسي، وذلك بعد مرور أول تجربة انتخابية طُبقت بموجب القانون الحالي.
اضافة اعلانولا ترتبط مراجعة قانون الانتخاب، وفق قراءات سياسية، بإعادة إنتاج المشهد السابق أو التراجع عن فلسفة الإصلاح، بقدر ما تعكس قناعة متزايدة بأن التجربة العملية كشفت جملة من الملاحظات التي تستدعي التقييم والتطوير، خصوصا في ظل المتغيرات الديموغرافية، ومستوى أداء الأحزاب، وطبيعة التمثيل النيابي الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة.
وفي الوقت الذي لم يصدر فيه أي موقف رسمي يتحدث عن شكل التعديلات أو توقيتها، فإن الأوساط السياسية تتحدث عن نقاشات متنامية بشأن ضرورة تطوير القانون بما يحقق توازنا أكثر دقة بين العدالة الديموغرافية والتمثيل الجغرافي، ويحافظ في الوقت نفسه على جوهر مشروع التحديث السياسي، الذي يمثل أحد أهم المشاريع الإصلاحية للدولة خلال السنوات الأخيرة.
في التجارب الديمقراطية، لا يُنظر إلى تعديل قوانين الانتخاب باعتباره استثناء، وإنما باعتباره نتيجة طبيعية لأول اختبار عملي؛ فالقوانين تُبنى على تصورات نظرية، لكن التطبيق يكشف تفاصيل لا يمكن ملاحظتها إلا بعد إجراء الانتخابات وقياس نتائجها سياسيا واجتماعيا وإداريا.
ومن هذه الزاوية، تبدو المراجعة المحتملة أقرب إلى عملية" تقييم أداء" منها إلى إعادة صياغة كاملة للقانون؛ فالدولة التي أطلقت مشروع التحديث السياسي أكدت منذ البداية أن الإصلاح عملية تراكمية قابلة للتطوير وفق ما تفرضه التجربة، وهو ما يمنح أي تعديل محتمل شرعية سياسية إذا جاء في إطار تعزيز المشروع لا إضعافه.
ومن المرجح أن يكون العامل الديموغرافي والجغرافي في صدارة النقاشات المقبلة، خاصة مع تنامي الحديث عن ضرورة إعادة دراسة توزيع المقاعد النيابية بما ينسجم بصورة أكبر مع التغيرات السكانية التي شهدتها المملكة خلال العقود الأخيرة.
فثمة دوائر انتخابية شهدت نموا سكانيا كبيرا، في حين بقي تمثيلها النيابي قريبا من دوائر أقل كثافة سكانية، الأمر الذي أعاد طرح سؤال قديم يتجدد مع كل دورة انتخابية: إلى أي مدى يعكس توزيع المقاعد الوزن السكاني الحقيقي للمحافظات والدوائر؟لكن هذا النقاش لا يخلو من التعقيد؛ لأن الحالة الأردنية لم تقم تاريخيا على معيار السكان وحده، وإنما على مزيج من الاعتبارات السكانية والجغرافية والتنموية، بما يحفظ حضور جميع المحافظات ويمنع اختلال التوازن الوطني.
ولهذا، فإن أي تعديل محتمل لن يكون، على الأرجح، قائما على إعادة توزيع المقاعد وفق الأرقام السكانية فقط، بل على البحث عن معادلة أكثر توازنا تحقق قدرا أكبر من العدالة الديموغرافية، دون المساس بخصوصية النموذج الأردني.
ربما يكون التحدي السياسي الأكبر أمام أي تعديل هو طريقة تقديمه للرأي العام؛ فمشروع التحديث السياسي يمثل اليوم أحد العناوين الكبرى للدولة، وبالتالي فإن أي تعديل قد يفتح الباب أمام تفسيرات تعتبره تراجعا عن الإصلاح، إذا لم يكن مصحوبا بخطاب سياسي واضح يبين أن المراجعة جاءت استجابة لنتائج التطبيق، لا تغييرا في الفلسفة التي قام عليها المشروع.
ومن هنا، تبدو الحاجة قائمة إلى التأكيد أن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على تجميد النصوص، وإنما على تطويرها كلما أثبتت التجربة وجود حاجة إلى ذلك؛ فثبات الأهداف لا يعني ثبات الوسائل، بل إن مرونة التشريعات تُعد أحد مؤشرات نضج العملية الإصلاحية.
وإذا كان قانون الانتخاب قد منح الأحزاب مساحة غير مسبوقة في الحياة البرلمانية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل استطاعت الأحزاب استثمار هذه الفرصة؟كشفت التجربة الأولى أن عددا من الأحزاب ما يزال في مرحلة البناء الداخلي، وأن كثيرا منها لم ينجح بعد في التحول إلى أحزاب برامج تمتلك امتدادا مجتمعيا واسعا، فيما بقيت الشخصيات المحلية والعشائرية حاضرة بقوة في تشكيل المزاج الانتخابي.
كما أظهرت التجربة أن بعض الأحزاب ركزت على خوض الانتخابات أكثر من تركيزها على بناء حضور دائم بين المواطنين، وهو ما انعكس على مستوى الأداء السياسي والإعلامي والتنظيمي خلال المرحلة التي أعقبت الانتخابات.
رغم الملاحظات على التجربة، فإن القراءة السياسية تشير إلى أن الاتجاه العام للدولة ما يزال يقوم على تعزيز الحياة الحزبية، باعتبارها ركنا أساسيا في مشروع التحديث السياسي.
غير أن أي توسع مستقبلي في الدور الحزبي قد يكون مرتبطا بنتائج تقييم الأداء، بحيث يصبح تطوير حضور الأحزاب متلازما مع قدرتها على إنتاج برامج حقيقية، وبناء قواعد شعبية، وتقديم أداء تشريعي ورقابي يعزز ثقة المواطنين بها.
وبمعنى آخر، فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة تقليص لدور الأحزاب، وإنما مرحلة رفع سقف التوقعات منها.
وعموما، اتسمت تجربة الإصلاح السياسي في الأردن دائما بالتدرج، وهو ما يجعل أي تعديل محتمل محكوما بمعادلة دقيقة تقوم على الجمع بين توسيع المشاركة السياسية والحفاظ على الاستقرار المؤسسي والاجتماعي.
ولهذا، فإن أي مراجعة للقانون ستكون مطالبة بتحقيق توازن بين عدة اعتبارات: العدالة الديموغرافية، والتمثيل الجغرافي، وتعزيز الحياة الحزبية، والحفاظ على خصوصية الدولة الأردنية، بما يمنع إنتاج اختلالات جديدة أثناء معالجة الاختلالات القائمة.
نحو نسخة أكثر نضجا من القانونوعموما، إذا اتجهت الدولة إلى فتح قانون الانتخاب خلال الدورة البرلمانية الثالثة، فإن الهدف المرجح لن يكون إعادة كتابة القانون من الصفر، وإنما إنتاج نسخة أكثر نضجا تستفيد من تجربة التطبيق الأولى.
فالانتقال إلى مرحلة التقييم بعد التطبيق يمثل تطورا طبيعيا في أي مشروع إصلاحي، ويعكس ثقة الدولة بأدواتها وقدرتها على تصويب المسار دون التخلي عن أهدافه.
وفي المحصلة، فإن السؤال لم يعد: هل يحتاج القانون إلى مراجعة؟ بل كيف يمكن أن تتم هذه المراجعة بما يعزز الثقة بمشروع التحديث السياسي، ويستجيب للمتغيرات الديموغرافية، ويرتقي بأداء الأحزاب، ويقود في النهاية إلى مجلس نيابي أكثر تمثيلا وفاعلية، دون أن يُفهم ذلك باعتباره عودة إلى الوراء، بل خطوة جديدة إلى الأمام في مسار الإصلاح السياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك