جرش- مع نضوج ثمار الدراق والخوخ والمشمش في بساتين جرش، برزت إلى السطح دعوات لتطبيق وترسيخ تجربة" اقطف بنفسك" كأحد النماذج الواعدة للسياحة الزراعية، إذ تتيح للزائر التجول بين الأشجار وقطف الثمار مباشرة من أغصانها، في تجربة تجمع بين الترفيه والتعرف إلى الحياة الريفية والإنتاج الزراعي.
اضافة اعلانويرى مزارعون ومهتمون بالشأن الزراعي أن هذه التجربة يمكن أن تشكل نقطة تحول في استثمار المواسم الزراعية بالمحافظة، عبر تحويل البساتين إلى وجهات سياحية تستقطب العائلات والزوار، وتوفر مصادر دخل إضافية للمزارعين والأسر المنتجة، وتفتح آفاقا جديدة لتنشيط الاقتصاد المحلي.
وأضافوا أنه رغم ما تمتلكه جرش من طبيعة خضراء، ومناخ معتدل، وبساتين واسعة، إلى جانب قربها من العاصمة، إلا أن هذا النوع من السياحة ما يزال في مراحله الأولى، ولم يحظَ حتى الآن بالتنظيم الكافي أو الدعم الذي يسمح بتحويله إلى منتج سياحي مستدام يضاف إلى ما تتميز به المحافظة من مواقع أثرية وسياحية.
كما أكدوا أن آلاف العائلات الأردنية تبحث خلال فصل الصيف عن أماكن طبيعية تقضي فيها أوقاتا مختلفة بعيدا عن صخب المدن، وأن بساتين جرش يمكن أن تلبي هذا الطلب إذا ما جرى تجهيزها بصورة مناسبة، من خلال توفير جلسات ريفية، ومسارات للمشي، وأماكن آمنة للأطفال، وإتاحة الفرصة للزوار لقطف الدراق والخوخ والمشمش ومختلف الأنواع والثمار مباشرة من الأشجار، في تجربة أصبحت تحقق نجاحا في العديد من الدول.
ولفتوا إلى أن الفكرة لا تقتصر على الجانب الترفيهي، بل تمثل فرصة اقتصادية حقيقية للمزارعين الذين يواجهون سنويا تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقلب الأسعار، واعتمادهم على الوسطاء لتسويق محاصيلهم، الأمر الذي يقلل من هامش الربح ويجعل كثيرا منهم يطالبون بإيجاد وسائل جديدة لتسويق الإنتاج مباشرة للمستهلك.
ووفق المزارع أبو سراج العياصرة، فإن نموذج" اقطف بنفسك"، يعد من أبرز أشكال السياحة الزراعية التي يمكن تطبيقها في جرش، حيث يدخل الزائر إلى المزرعة بعد دفع رسوم رمزية أو مقابل شراء ما يقطفه من الثمار، ليعيش تجربة مختلفة تبدأ بالتجول بين الأشجار والتعرف إلى أصناف الدراق والخوخ وطرق زراعتها، وتنتهي بقطف الثمار بنفسه، وهو ما يمنح المنتج قيمة مضافة تتجاوز مجرد بيعه داخل صندوق في السوق.
وأكد أن هذا النموذج لا يحقق عائدا ماديا فقط، بل يسهم أيضا في تعريف الأطفال والشباب بالحياة الزراعية، ويعزز ارتباطهم بالأرض والإنتاج المحلي، في وقت أصبحت فيه هذه التجارب تحظى بإقبال متزايد من العائلات.
وأضاف العياصرة أن الموسم الحالي يعد من المواسم الجيدة من حيث جودة الثمار والإنتاج، إلا أن الاستفادة الاقتصادية يمكن أن تكون أكبر إذا جرى استثمار الموسم سياحيا إلى جانب تسويق المحصول.
من جهته، يرى المزارع مصطفى الزعبي أن فتح المزارع أمام الزوار سيمنح المزارعين فرصة للتواصل المباشر مع المستهلك، وسيزيد من ثقة الناس بالمنتج المحلي، فضلا عن توفير مصدر دخل إضافي بعيدا عن تقلبات السوق.
وأكد الزعبي أن المزرعة تمتلك المقومات اللازمة لتطبيق تجربة" اقطف بنفسك"، من حيث المساحات المزروعة وتنوع الأشجار، معربا عن استعداده لتطوير التجربة بالتعاون مع الجهات المعنية إذا توفرت التسهيلات اللازمة، لاسيما أن الزائر لا يبحث فقط عن شراء الدراق، وإنما عن تجربة متكاملة يعيش خلالها أجواء الريف، ويلتقط الصور، ويقضي وقتا مع عائلته بين الأشجار، وهو ما يجعل الزيارة أكثر قيمة من مجرد التسوق.
أما السيدة المنتجة نور شناعة، فترى من جانبها، أن الرحلة لا تنتهي عند قطف الثمار، إذ يمكن أن تتحول المزارع إلى منصات لعرض منتجات الأسر المنتجة، بحيث يجد الزائر بعد انتهاء جولته ركنا يضم عشرات المنتجات المنزلية التي تشتهر بها سيدات جرش، مثل مربى الدراق والخوخ، والعصائر الطبيعية، والفواكه المجففة، والمخللات، والمعجنات، والأعشاب، وغيرها من المنتجات التي تعكس هوية الريف الجرشي.
وترى شناعة أن ربط الأسر المنتجة بالمواسم الزراعية من شأنه أن يفتح أسواقا جديدة أمام السيدات، ويزيد من حجم المبيعات، خاصة أن كثيرا من الزوار يفضلون شراء المنتجات المنزلية مباشرة من منتجيها، كما يمكن تنظيم أيام مفتوحة للعائلات تتضمن أنشطة للأطفال، وتعريفا بالمهن الزراعية، وورشا لتصنيع المربيات والعصائر، وعروضا للمنتجات الريفية، بما يجعل الزيارة تجربة تعليمية وترفيهية في آن واحد.
وبحسب السيدة المنتجة أم حمزة قوقزة، فإن وجود ركن دائم للأسر المنتجة داخل المزارع أو في مواقع استقبال الزوار سيمنح السيدات فرصة حقيقية لتوسيع أعمالهن، ويحول الزيارة إلى تجربة متكاملة تجمع بين الترفيه والتسوق.
وتعتقد قوقزة أن نجاح السياحة الزراعية ينعكس على قطاعات عديدة، فهو يزيد من دخل المزارعين، ويوفر فرص عمل موسمية للشباب، ويدعم الأسر المنتجة، ويشجع على بقاء المزارعين في أراضيهم بدلا من هجرها، كما يسهم في تنشيط المطاعم الريفية، ومحال بيع المنتجات المحلية، ووسائل النقل، وغيرها من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بحركة الزوار.
وأضافت أنه يمكن أيضا استثمار هذه الزيارات في نشر الثقافة الزراعية، من خلال تعريف الزائر بأنواع الأشجار، وطرق الري، وأهمية المحافظة على المياه، والتحديات التي يواجهها القطاع الزراعي، الأمر الذي يعزز تقدير المجتمع لجهود المزارعين.
وأجمع المعنيون على أن نجاح أي مزرعة في تطبيق هذه الفكرة سيشجع مزارع أخرى على خوض التجربة، لتتشكل مستقبلا شبكة من المزارع السياحية في جرش، تقدم برامج متنوعة بحسب المواسم، فالدراق والخوخ في الصيف، والزيتون في الخريف، والحمضيات وبعض الأنشطة الزراعية في أوقات أخرى من العام، بما يضمن استمرار الحركة السياحية وعدم اقتصارها على فترة محددة.
وأضافوا أن نجاح المشروع يتطلب تعاونا بين مختلف الجهات، من خلال تأهيل المزارع، وتحسين الطرق المؤدية إليها، وتوفير اللوحات الإرشادية، ومواقف السيارات، ودورات المياه، وأماكن الجلوس، إضافة إلى إعداد برامج ترويجية تستهدف العائلات والزوار.
كما أكدوا أن جرش تمتلك جميع المقومات اللازمة لتصبح نموذجا وطنيا في السياحة الزراعية، خاصة أنها تجمع بين الطبيعة والآثار والإنتاج الزراعي والتراث الريفي، وهي عناصر يصعب اجتماعها في محافظة واحدة.
وعبروا كذلك عن أملهم في أن يكون موسم الدراق والخوخ هذا العام بداية لنقاش جاد حول إطلاق مشروع متكامل للسياحة الزراعية، يحقق قيمة مضافة للإنتاج الزراعي، ويفتح أبواب رزق جديدة للأسر المنتجة، ويمنح الزائر تجربة مختلفة يعيش خلالها تفاصيل الريف الجرشي، من لحظة قطف الثمرة من الشجرة، وحتى تذوق مربى أعد في منزل إحدى سيدات المحافظة، في صورة تعكس هوية جرش الزراعية والإنسانية، وتضيف بعدا جديدا إلى مكانتها كواحدة من أهم الوجهات السياحية في الأردن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك