عوفرا رودنِر - (هآرتس بالعربي) 23/5/2026قبل أشهر قليلة، كانت عبارة" إن شاء الله" كافية لإشعال موجة غضب في إسرائيل، فقط لأن لوسي أهريش قالت أن العرب، بوصفهم مواطنين في هذه الدولة، سيشاركون في الانتخابات المقبلة" إن شاء الله".
اضافة اعلانولم تكن الضجة حول العبارة نفسها بقدر ما كانت حول العربية ومكانتها في الحيّز العام في إسرائيل.
فقد تصاعد في السنوات الأخيرة التحريض ضد استخدام العربية في الكنيست والمجالس المحلية، وكأن اللغة نفسها أصبحت موضع اشتباه.
وعلى سبيل المثال، تحدثت سالي عبد قبل فترة قصيرة بالعربية خلال جلسة لمجلس بلدية حيفا، وذكّرت بأن المدينة مشتركة لليهود والعرب.
وكان هذا وحده كافيًا ليثير غضب بعض الحاضرين الذين طالبوها بالذهاب إلى غزة، وقالوا أن العربية مكانها" خلف الحدود".
عن ذلك كان الحوار التالي مع يوناتان مندل، رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة بن غوريون، الذي يتعقب فيه تيارات اجتماعية وسياسية عميقة في كتب إميل حبيبي وإفرايم سيدون.
رودنر: أحد المجالات التي تعمل عليها أكاديميًا هو تاريخ تعليم العربية في إسرائيل.
مندل: صحيح.
أنا أبحث أساسًا في مكانة العربية داخل المجتمع اليهودي منذ أواخر العهد العثماني وحتى اليوم.
ومن خلال تتبّع التحولات في التعامل مع تعليم العربية، والجهات التي دفعت نحو تدريسها، يمكن فهم الكثير عن العلاقة بين اليهود والعرب، وعن موقع إسرائيل في الشرق الأوسط، وعن الطريقة التي غيّرت بها الحروب والمحطات السياسية مكانة العربية نفسها.
كما يكشف هذا التاريخ عن مخاوف الحركة الصهيونية وتطلعاتها، وعن الصورة التي أرادت إسرائيل أن ترسمها لنفسها داخل المنطقة.
رودنر: ولكن قبل ذلك، كيف تبدو صورة تعليم العربية اليوم؟ أيّ عربية هي التي تُدرَّس في المدارس؟ لأن الانطباع السائد هو أنها ليست العربية المحكية.
مندل: التركيز ما يزال منصبًا على العربية الفصحى، فيما تقلّصت إلزامية تعلّمها تدريجيًا على مرّ السنوات.
وفي التعليم الديني الرسمي مثلًا، بالكاد يُطبَّق هذا الإلزام أصلًا.
لكن المشكلة أعمق من ذلك: في إسرائيل يتعلمون عن العربية أكثر مما يتعلمون العربية نفسها.
وهي مقاربة مستمدة من النموذج الأوروبي لتعليم اللغات الميتة.
هكذا كانت العربية تُدرَّس في ألمانيا أواخر القرن التاسع عشر، وهذه المقاربة حملها مثقفون ألمان إلى فلسطين.
أنا أسمّي ذلك" لَتْيَنَة العربية في إسرائيل" (نسبة إلى التعامل مع اللاتينية).
قال الدكتور آرثور بيرام، أول مدير للمدرسة الريالية في حيفا، إنه" يجب تحويل العربية إلى لاتينية الشرق".
ولم يقصد بذلك الاستخفاف، بل قاله باعتباره مديحًا لأن اللاتينية كانت تُعتبر لغة رفيعة.
لكنه تجاهل أن العربية هنا ليست لغة ميتة، بل لغة حيّة في هذا الشرق: لغة الصحف والكتب والشارع والبقالة.
أعتقد أن هذه" اللَتْيَنَة" لعبت دورًا مهمًا، إلى جانب مسار آخر لا يقل أهمية، هو" أمننة" اللغة؛ بمعنى تحوّل العربية تدريجيًا من لغة يمكن أن تشكّل أداة اندماج وحياة مشتركة إلى جزء من منظومة التخويف والدعاية والخطاب الأمني.
رودنر: كما يقصد تسفي يحزقيلي حين يقول: " يجب أن نتحدث العربية".
مندل: نعم.
نحن نعرف هذا الخطاب جيدًا من بعض المعلّقين والمستشارين الإسرائيليين في" الشؤون العربية".
وهذا يقودني إلى النقيض الكامل لهذا النموذج: سلمان الناطور، الذي أثّر فيّ كثيرًا، وكان يحتقر النظرة الإسرائيلية الفوقية والأمنية تجاه العربية.
قبل نحو عقد، وخلال مؤتمر عن اليهود واللغة العربية -وكان آخر مؤتمر يشارك فيه قبل وفاته في العام 2016- قال الناطور أن على اليهود هنا اتخاذ قرار حاسم: " عليكم أن تقرروا ماذا تريدون أن تكونوا.
إذا أردتم أن تبقوا سكانًا مؤقتين، فلا بأس، استثمروا في السلاح النووي والجيش وكونوا الأقوى.
وعندئذٍ ستبقون شيئًا بين السائح والمحتل.
أما إذا أردتم مستقبلًا حقيقيًا هنا، وإذا أردتم أن تصبحوا أبناء هذا المكان، فعليكم أن تبدأوا باحترامه: احترام لغته وثقافته".
كان هذا كلامًا إنسانيًا جدًا تجاه اليهود الذين يعيشون هنا.
لم يقل: ارحلوا.
بل قال أن ثمة إمكانية أخرى، لكنها تتطلب تغييرًا عميقًا: أن تفهموا تجربتنا المؤسسة، وأن تعترفوا بذاكرتنا الجماعية.
ولهذا شغل موضوع الذاكرة حيّزًا واسعًا في كتابات الناطور.
في كتابه" الذاكرة تحدّثني وتغادر" كتب عن النكبة وعن سنوات الحكم العسكري بلغة إنسانية نادرة، على الرغم من قسوة تلك التجارب.
كان يريد من القارئ العربي أن يحافظ على الذاكرة، لكنه في الوقت نفسه أراد أن تُترجم أعماله إلى العبرية.
أراد أن يمدّ يده إلى اليهود الراغبين في الإصغاء.
كان يبحث عن مستقبل آخر.
رودنر: أسّس سلمان الناطور، إلى جانب يهودا شنهاف-شهرباني، سلسلة" مكتوب" التي تشارك فيها أنت أيضًا.
مندل: أنا أعمل فيها محررًا مساعدًا.
وهي دار نشر تُعنى بالترجمة من العربية إلى العبرية، وجزء كبير من عملية الترجمة يتم بالتعاون مع الكتّاب أنفسهم.
نحن ننشغل كثيرًا بأسئلة الترجمة وهواجسها.
يجب أن نفهم أن الترجمة السيئة يمكن أن تتحول أيضًا إلى أداة للتشويه والتجريم -وأنا أرى ذلك في المحاكم، حيث أُستدعى أحيانًا بصفتي مترجمًا بديلًا.
ولكن في السياق الإسرائيلي-الفلسطيني، يمكن للترجمة أن تكون، في المقابل، جسرًا يغيّر الوعي، وفعلًا قادرًا على تغيير الواقع.
رودنر: ربما يمكن في سياق الحديث عن الترجمة التوقف عند رواية إميل حبيبي، " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل"، وترجمتها الرائعة إلى العبرية.
مندل: صحيح.
ترجمة أنطون شماس هي عمل فني قائم بذاته، وُلد من تعاون مشترك بين الكاتب والمترجم.
" المتشائل" كتاب محوري جدا لفهم تجربة الفلسطينيين في إسرائيل، وهو أيضا عمل أدبي هائل؛ بأسلوبه الساخر والعبثي، وبشخصية بطله المضاد للبطل، ذلك الرجل الذي يبدو ساذجًا تقريبًا، أشبه بنسخة فلسطينية من" فورست غامب".
إنها، ببساطة، أدب عظيم.
رودنر: اخترتَ أيضًا كتابين فكريين ضمن القائمة، أحدهما لياسر سليمان، الذي لم يُترجم إلى العبرية.
مندل: يُعد ياسر سليمان، الرئيس السابق لقسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة كيمبريدج، من أبرز الباحثين في هذا المجال، وقد حظيت بفرصة بأن أكون أحد طلابه.
كتابه" حرب الكلمات" علّمني أن اللغة أداة هائلة لفهم العالم، وأن تحليل اللغة والعلاقات التي تُنتجها هو، في جوهره، طريقة لفهم التيارات الاجتماعية والقومية والسياسية العميقة.
في النهاية، حين نظن أننا نتحدث فقط عن اللغة، فإننا نتحدث فعليًا عن المجتمع والسلطة والهوية والخوف؟رودنر: يمكن قول إن هذه القضايا أصبحت اليوم من أساسيات التفكير السياسي في الجامعات.
مندل: إنها تطور متأخر نسبيًا، مرتبط بفهم أن اللغة لا تعكس الواقع فقط، بل تكشف طبقاته الخفية وتساهم أيضًا في تشكيله.
وعندما ندخل إلى العالم العربي من بوابة اللغة، يصبح الأمر شديد الإثراء: تخيّلي مثلًا دراسة كاملة عن" الاستعراب" الثقافي في إسرائيل؛ أو دراسة علاقات القوة في الأردن مثلاً من خلال طريقة نطق حرف القاف فقط؛ أو بحثًا في ثورة الأبجدية في تركيا بوصفها جزءًا من مشروع الاقتراب من الغرب؛ أو حتى في الثمن الاجتماعي والسياسي لبعض اللكنات داخل إسرائيل، ولماذا تراجع استخدام أصوات مثل الحاء والعين والطاء والراء والقاف والصاد بلفظها السامي الأصلي.
أنا أؤمن بأن هذه التفاصيل الدقيقة تساعدنا على فهم المكان الذي نعيش فيه بصورة أعمق.
وفي النهاية، يعود الأمر دائمًا إلى السؤال نفسه: هل نريد هدم الجدار أم الاستمرار في رفعه؟ هذا الجدار ليس ثقافيًا فقط، بل سياسي وعسكري أيضًا.
وهو مرتبط بعقيدة" الجدار الحديدي" التي أعتقد أن إسرائيل في حاجة إلى التحرر منها.
ولهذا اخترت كتابًا فكريًا آخر هو" الجدار الحديدي" لآفي شلايم.
الفكرة السائدة في إسرائيل كانت تقول إنه بعد تحقيق التفوق العسكري والقومي، سيكون بالإمكان صنع السلام مع العرب.
ولكن، كما يبيّن شلايم، ما إن تحقق ذلك" التفوق" حتى وقعت إسرائيل في غواية القوة نفسها: لماذا تقدّم تنازلات ما دمت تملك هذا التفوق العسكري الساحق؟كتاب شلايم يستند بالكامل إلى الأرشيفات، ويفكك الرواية التي رُددت لسنوات، والقائلة بأن إسرائيل مدت يدها للسلام وقوبلت بالرفض مرة بعد أخرى.
وهو يُظهر كمّ الفرص التي أُهدرت قبل 1948 وبعدها، وكذلك بعد 1967.
بالنسبة لي، كان هذا الكتاب تأسيسيًا خلال سنوات الدراسة، خصوصًا بسبب الفجوة الكبيرة بين ما يقوله وبين الرواية السائدة هنا.
وأحيانًا أتساءل: ماذا سيحدث لو أجاب طالب ثانوية في امتحان التاريخ بإجابة تستند إلى هذا البحث، وتقول إن إسرائيل فضّلت الحرب مرارًا على السلام؟ من المثير التفكير في العلامة التي سيحصل عليها.
رودنر: ولماذا اخترتَ ضمن هذه القائمة كتاب" مغامرات فرديناند فدهتسور باختصار"؟مندل: أنا أحب هذا الكتاب كثيرًا، وأحب أن أقرأه لطفليّ.
أحب الطريقة البريئة التي يتحدث بها إفرايم سيدون عن القمع وحدود القوة.
ولكن، بصراحة، هذا الكتاب يثير حزني اليوم أيضًا، لأنه يذكّرني بأن المطلوب ليس تغيير حكومة قائمة فحسب، بل تغيير الخطاب نفسه وطريقة التفكير.
وهو شأن أعمق بكثير، وأكثر صعوبة.
أتمنى أن نتمكن ذات يوم من كتابة قصة للأطفال عن نجاح من هذا النوع؛ قصة تنتهي بالعدالة والمساواة والمصالحة.
*عوفرا رودنر Ofra Rodner: كاتبة إسرائيلية تنشر في صحيفة" هآرتس" وتعمل في حقل الكتابة الثقافية والسياسية التي تركز على تحليل الخطاب العام وعلاقة اللغة بالسلطة والسياسة.
تتناول في مقالاتها قضايا اللغة والإعلام وبناء المعنى السياسي في السياق الإسرائيلي، مع اهتمام خاص بكيفية توظيف اللغة -خاصة العربية والعبرية- في إنتاج" الأمننة" وصناعة التصورات الاجتماعية والسياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك