ما عاد الاقتصاد العالمي يشبه تلك الصورة القديمة التي كبرنا عليها، صورة تقليدية عن سوق واسعة ومفتوحة، تتحرك فيها السلع والأموال والأفكار كأن العالم كله ميناء واحد ومصنع واحد ومستهلك واحد، فهذه الصورة لم تتعرض لانهيار مفاجئ، لكنها تتشقق بهدوء، وكل يوم نكتشف أن العولمة التي بدت يوما قدرا نهائيا لم تكن إلا مرحلة طويلة من الطمأنينة الزائدة.
اضافة اعلانما يحدث اليوم فعليا من حولنا ليس أزمة أسعار ولا موجة تضخم مؤقتة ولا ارتباكا عابرا في أسعار الفائدة، بل تحول أعمق في فكرة الاقتصاد نفسها، فالاقتصاد الذي قيل لنا طويلا إنه ابن السوق الحرة صار أكثر التصاقا بالسياسة والأمن والخوف، ولم تعد الدول تسأل فقط أين الكلفة الأقل، بل صارت تسأل أين الخطر الأقل، ومن يملك الطريق، ومن يتحكم بالرقائق، ومن يستطيع أن يقطع الطاقة أو الغذاء أو الدواء حين تتوتر السياسة أو تشتعل حرب بعيدة.
لهذا بدأ العالم يغادر براءة العولمة القديمة، التجارة ليست مجرد تجارة كلاسيكية بأدوات انقرضت فعلا، ولا الطاقة مجرد مخزون بقدر ما هي سلاح إستراتيجي، ولا التكنولوجيا مجرد ابتكار محايد، إذ صار كل شيء جزءا من معادلة القوة، فالميناء قوة، والممر البحري قوة، وسلسلة الإمداد قوة، والبيانات قوة، وحتى القمح صار أداة سياسية حين تضيق الجغرافيا وتتسع شهية الصراعات.
بعد نهاية الحرب الباردة كان الأمل الكبير على صيغة وعود سياسية بسيطا وجذابا، افتحوا الأسواق وسوف تهدأ السياسة، لكن السياسة لم تهدأ، بل عادت من كل الأبواب، على شكل حماية أميركية، واندفاع صيني، وقلق أوروبي، وحروب طاقة، وعقوبات، وسلاسل توريد يعاد رسمها لا على أساس الكفاءة وحدها، بل على أساس الثقة والولاء والخوف أيضا.
وهنا يصبح السؤال أردنيا بامتياز، لأن بلدا صغيرا مثل الأردن لا يملك ترف مراقبة هذا التحول كما لو أنه شأن بعيد على طاولة الدول الكبيرة والضخمة، فنحن بلد يتأثر بسعر الشحن كما يتأثر بسعر النفط، وتهزه حرب بعيدة كما تهزه أزمة قريبة، ولذلك فإن الحديث عن مشاريع كبرى في الأردن ليس ترفا حكوميا، ولا تمريرات مجانية لأي حكومة، ولا عناوين إنشائية تبحث عن التصفيق، بل هو في جوهره ضرورة لبناء أساسات واقع جديد حولنا، واقع لا يرحم الدول التي تبقى تنتظر حتى تكتمل العاصفة ثم تبدأ بالسؤال عما يجب فعله.
المشاريع الكبرى، في هذا المعنى، ليست مجرد إسمنت وحديد وطرق ومبان، بل محاولة لإعادة ترتيب موقع الدولة في عالم يتغير بسرعة، فهي بذور استعداد لما هو قادم، في الطاقة، والمياه، والنقل، والمدن الجديدة، وسلاسل التوريد، وفرص الاستثمار، ولهذا فهي تستحق الاستعجال، لكن لا تستحق الحرق، فالاستعجال المطلوب هو استعجال الدولة الواثقة التي تعرف أين تذهب، لا استعجال الإدارة المرتبكة التي تقفز فوق المراحل فتفسد الفكرة قبل أن تولد.
المطلوب أردنيا ليس الذعر، بل اليقظة، وأن نفهم أن الأمن الغذائي ليس شعارا للاستهلاك المحلي، وأن الطاقة ليست ملفا فنيا يترك للخبراء وحدهم، وأن الصناعة ليست حنينا إلى الماضي، وأن الاستثمار لم يعد يبحث فقط عن الإعفاءات، بل عن دولة تعرف ماذا تريد، وتملك بنية جاهزة، وإدارة سريعة، وقرارا لا يتعثر عند أول باب بيروقراطي.
العالم لم يعد سوقا واحدة، بل صار أسواقا قلقة وكتلا متنافسة وحدودا اقتصادية جديدة، ومن لا ينتبه إلى ذلك سيظل يتحدث بلغة الأمس، بينما تتغير قواعد الغد من حوله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك