وكالة شينخوا الصينية - مجمع الروبوتات في جنوبي الصين وكالة شينخوا الصينية - قطر تعلن مقتل مواطن جراء شظايا ناجمة عن "عمليات عسكرية" بالمنطقة الجزيرة نت - عشرات القتلى في عملية باكستانية على الحدود مع أفغانستان التلفزيون العربي - انتخابات كاليدونيا الجديدة.. مناهضو الاستقلال عن فرنسا يتصدرون النتائج الجزيرة نت - حضور لافت للرأس الأخضر.. التشكيلة المثالية لدور المجموعات من مونديال 2026 العربية نت - كحول مجانية ولحم ماعز في المكسيك احتفالاً بمباراة هولندا والمغرب وكالة شينخوا الصينية - اعتقال 47 متهماً بالفساد بين نواب ومسؤولين في العراق وكالة شينخوا الصينية - الجيش الإسرائيلي يفجر نفقا في جنوب لبنان الجزيرة نت - قصف إسرائيلي على درعا ودمشق تدعو لاحترام اتفاقية فض الاشتباك قناة القاهرة الإخبارية - بين إعادة رسم المشهد وغموض المذكرة.. هل يدخل مضيق هرمز مرحلة أكثر تعقيدا؟
عامة

هل ما زلنا بحاجة إلى «خزانة الكتب الجميلة»؟

القدس العربي
القدس العربي منذ ساعتين

عندما كنت – قبل أسبوعين- أكتب مقالي «هل انتهى زمن الروايات الطويلة؟ » عدت إلى كتاب صغير قرأته قبل ثماني سنوات، بحثا عن كلمة صامويل جونسون «إنك إذا قرأت رواية طويلة من أجل الحبكة فستشنق نفسك حتما»، ولك...

عندما كنت – قبل أسبوعين- أكتب مقالي «هل انتهى زمن الروايات الطويلة؟ » عدت إلى كتاب صغير قرأته قبل ثماني سنوات، بحثا عن كلمة صامويل جونسون «إنك إذا قرأت رواية طويلة من أجل الحبكة فستشنق نفسك حتما»، ولكن هذه العودة التي اعتقدتها سريعة لتوثيق كلمة، لم تُفلتني حتى أعدت قراءة الكتاب ذي الـ135 صفحة في جلسة واحدة، موافقة تماما على ما ذكر مؤلفه، من أن الكتب هي التي تختار قارئها وليس هو من يختارها.

استمتعت بنوستالجيا وأنا أرى ما ظللتُه بالألوان كعادتي على الجمل التي أعجبتني قبل سنوات، ولا أنكر أن أكثر ما يستهويني بعد قراءة الروايات: الكتب التي تحكي عن الكتب مثل مؤلفات ألبرتو مانغويل.

وكتاب «خزانة الكتب الجميلة» الصادر عن دار تكوين في الكويت للمترجم والروائي المصري أحمد الزناتي من هذا الصنف المحبب إلى قلبي.

يصارحنا الكاتب (الذي فضّل أن يضع على غلاف كتابه كلمتي، اختيار وترجمة) في مقدمته، بأنه استلهم عنوان كتابه من فقرة جميلة كان قد قرأها في مذكرات الروائي الألماني هيرمان هيسه، وهو يحكي عن مكتبة جده السحرية، أو خزانة الكتب السحرية، كما سماها في موضع آخر، بل حتى العنوان الفرعي الموجود بحرف أصغر على الغلاف «كيف نقرأ؟ ولماذا؟ » هو عنوان كتاب شهير للناقد الأمريكي هارولد بلوم، وهو تناص مقصود لأن أحمد الزناتي بدأ كتابه بمقالين عن بلوم، الأول عن كتابه «كيف نقرأ؟ ولماذا؟ » والثاني عن كتابه المرجعي الآخر «المعتمد الغربي».

ومن المقال الأول نقلتُ جملة صامويل جونسون عن قراءة الروايات الطويلة التي كان يرى بلوم أننا نقرأها لتكوين صداقات مع شخصيات صعبة ومركبة، فنحن «لا نقرأ البحث عن الزمن المفقود من أجل الحبكة، ولكن من أجل فهم تطور الشخصيات، ومن أجل فهم بواعث تغير البشر بمرور الزمن»، فكل قراءة لا تشبع فينا احتياجا ما، الصوم عنها أولى، بل قد يذهب بنا الشغف بالقراءة، إلى تبني رأي كافكا الشهير «أعتقد أنه يجب علينا قراءة الكتب التي تدمينا، بل تغرس خناجرها فينا، وإذا كان الكتاب الذي نقرؤه لا يوقظنا من غفلتنا فلِمَ نقرأه أساساً؟ يجب أن يكون الكتاب هو الفأس التي تكسر جمودنا هذا هو اعتقادي»، فنحن نقرأ حسب بلوم، لأن القراءة تدريب طويل على حياة العزلة ومواصلة الحياة وفهمها، فهل لأجل هذا السبب اختار لنا هارولد بلوم عيون التراث الغربي، من خلال نصوصه التأسيسية، التي كتبها شكسبير ودانتي وسيرفانتس وديكنز وتولستوي وبروست وكافكا ونيرودا وغيرهم، ليمارس علينا وصاية ثقافية في كتابه «المعتمد الغربي» الذي كان على امتداد أزيد من 500 صفحة مسحا جغرافيا لأمهات الأعمال الأدبية، التي ظهرت في أوروبا وأمريكا الشمالية منذ القرن الرابع عشر الميلادي حتى القرن العشرين؟الحقيقة أن اختيار بلوم لهذه الكتب جاء وفقا لنوستالجيا القراءة، بمعنى أنه اختار الكُتّاب الذين مارسوا تأثيرا عميقا في تكوينه الثقافي، ولم يكن يقصد من هذه الاختيارات الوصاية على القارئ، بل تسهيل الأمور عليه، كما بيّن ذلك الزناتي حين كتب «ليس الهدف من كتابة معتمد أدبي الإقصاء ولا التمييز، بل الموضوع بسيط فالعمر قصير والعلم كثير، ورحلة الكتب مدتها ثلاثة آلاف عام، كيف يمكن اختصارها؟ ويرى أن العدو الأكبر للتعليم والثقافة في عصرنا الراهن هو التشتت الذهني الواضح في عصر المعلومات».

كما يرى بلوم أن الكتب التي اختارَها لا تذكّرنا بأشياء جميلة وقيم نبيلة نسيناها فقط، وإنما بأشياء وقيم لم نكن نعرفها من دونهم، فكتبهم تعيد تشكيل عقولنا وتجعلها أكثر قوة وصلابة.

ففي كل عمل منها أصالة مهيمنة لها بصمتها الواضحة بحيث لا يمكنك تقليدها ولا الفكاك من الوقوع في أسرها.

ليس هناك خط دقيق يربط بين مقالات كتاب «خزانة الكتب الجميلة»، سوى أن قاسمها المشترك الحديث عن الكتب، فقد تناول الزناتي أيضا في فصل بعنوان «الأساطير هي أحلام العالم» كتاب «سلطان الأسطورة» للميثولوجي الأمريكي جوزيف كامبل، وهو مجموعة حوارات متلفزة أجراها الإعلامي الأمريكي بيل مويزر مع كامبل، الذي توصل بعد نصف قرن من دراسة أساطير شعوب وحضارات العالمين القديم والحديث إلى أن أساطير الشعوب «هي السبيل ليس لفهم ماضي التاريخ الإنساني فحسب، بل لمعايشة تجربة الحاضر واستشراف المستقبل كذلك»، وكان يرى أن أعظم مشكلاتنا أننا لا نهتم بأدب الروح، وهو ما يلتقي فيه كامبل مع الفكر الصوفي حيث يسمّى التصوفُ علم أعمال القلوب، وهو أيضا ما يفسر رواج كتب جلال الدين الرومي عند الغربيين نتيجة تغول التكنولوجيا ومادية عالمنا المعاصر، وقد شخّص كامبل ذلك حين رأى أننا «نهتم بأخبار اليوم ومشكلات الساعة والثروة والسلطة، وحين يتقدم بنا العمر ونفرغ من الاهتمام بشؤون الحياة العادية المبتذلة، فإننا نصطدم بخواء روحي لا قرار له قد يفضي بالإنسان إلى الانتحار أو العنف».

فوجد في الأساطير وهو الذي صرف عمره كله لدراستها «انعكاسات للإمكانيات الروحية لكل واحد منا، ومِن تأمُّلها نستثير قواها في حياتنا، كي نتمكن من مواصلة الحياة»، فهي تساعدنا على أن نفهم قصتنا، كما تساعدنا على أن نفهم الموت ونتعامل معه.

في فصل آخر من كتاب «خزانة الكتب الجميلة»، يكتب الزناتي عن رواية الروائي الإيرلندي جيمس جويس «يقظة فينيجين»، وإذا كنا نعرف جويس أكثر من خلال أيقونته الشهيرة يوليسيس، أو عوليس، حسب ترجمة طه محمود طه، فإن صاحب الكتاب يعرِّفنا برواية قال عنها مؤلفها «قد تكون هذه الرواية اليوم خارج الأدب، إلا أنها ستصير قلب الأدب مستقبلا»، فهي قصة لا بداية لها ولا نهاية، بل قد لا تكون ثمة قصة مكتملة من الأساس، ويرى جويس أنها ملائمة لقارئ مثالي يعاني من أرق مثالي، فقد حاول فيها اختزال تاريخ البشرية في ليلة واحدة هي مدة الرواية إذ هي أشبه بـ»ليلة كونية واحدة تلخّص تاريخ الإنسانية من خلال قصة واحدة تكرر بلا انتهاء علاقة رجل بامرأة».

ولا أعلم – رغم بحثي – إن كانت هذه الرواية قد ترجمت إلى العربية أو لم تترجم، فهي من أصعب الروايات، كتبها جويس «بمزيج من الكلمات المبتكرة، والتورية والتلميحات، مع إشارات إلى ما يقرب من 80 لغة مختلفة.

فضلًا عن اختراعه عشر كلمات مكونة من 100 حرف»، ولمزيد من الغرابة نشأت الأندية المخصصة لقراءة هذه الرواية بالتعاضد، حتى وصلت إلى حوالي 60 ناديا، فقد قال عنها محرر كتاب «كيف كتب جويس يقظة فينيجين «إن عليك تقبّل حقيقة أن لا شخص بوسعه قراءتها بمفرده».

من أمتع فصول الكتاب ما جاء عن يوميات الروائي الأمريكي جون شتاينبك، حيث كان يكتب يوميات يستعين بها على مشقة الكتابة، فعل ذلك أثناء كتابة روايته «شرق عدن»، وأيضا أثناء كتابة «عناقيد الغضب» قبلها، ونتعرف من خلال هذه اليوميات على وجه آخر لهذا المبدع من أهم سماته تواضعه الحقيقي، وكم يجدر ببعض روائيينا ذوي الأنا المتضخمة، أن يتوقفوا عند قول هذا الروائي الحاصل على البوليتزر ونوبل معا «كتبتُ عددا كبيرا من القصص لكني ما زلت أجهل آلية كتابة قصة، لا أعرف إلا شيئا واحدا: أن أجرب حظي وأواصل الكتابة».

وحين طلب منه روائي شاب أن يدلَّه على سبيل الكتابة الناجحة أجابه «لستُ كاتبا من الأساس حتى أنصحك بشيء أنا على يقين من شيء واحد فقط هو أن ما كتبتُه رديء».

ومما يعرفنا به الكتاب طريقة شتاينبك في الكتابة الشبيهة بطريقة نجيب محفوظ، فليس الإلهام من يدفعك للجلوس إلى الطاولة للكتابة، بل كما كتب شتاينبك في يومياته «في الكتابة تفرض عادة الجلوس إلى الأوراق نفسها فرضا، فتمارس بذلك تأثيرا أقوى من تأثير الرغبة والإلهام».

وقد ذكرَ أيضا رهاب كتابة السطر الأول، ومن أكثر عباراته تأثيرا ما كتبه لمحرره حين انتهى من كتابه «انتهيت من الكتاب وتساورني الآن رغبة حادة أن أجهش بالبكاء.

أعد إليّ الكتاب في الحال، أريد إعادة كتابته من جديد، أو اتركني كي أحرقه»، فهو يرى أن الانتهاء من الكتاب أشبه شيء بالموت.

كتاب «خزانة الكتب الجميلة» بفصوله العشرين، رغم صغر حجمه تطرق لمواضيع عديدة ككتاب «الفضول» لمانغويل والرواية في القرن الحادي والعشرين، وثلاثة فصول عن الروائي النمساوي بيتر هاندكه، ولا أذيع سرا إن قلت إنني أنهيت قراءة الكتاب وأمامي قائمة بكتب سجّلتها منه لقراءتها، عسى أن يتسع العمر لذلك.

شاعرة وإعلامية من البحرين.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك